يستدعي فيلم «Flow» للذاكرة قصة الروائي الأمريكي راي برادبوري «ستأتي أمطارًا هادئة». تدور أحداث القصة في بيت تُسيّره الروبوتات: توقظ النائمين وتُعد الفطور وتُذكر أرباب البيت بالفواتير والصغار بالواجبات المدرسية. لكن لا يوجد وقع خطى لأي من كان. وحدها الأجهزة تهمس بإشعارات لا يسمعها أحد، فكل من على الأرض من بشر اختفوا في حدثٍ غامض.
يلف اختفاء البشر في الفيلم ذات الغموض. لكن على أي حال فالبشر هنا ليسوا محور القصة، بل قطة تعيش وحدها في بيت خاو لم تهجره بعد تفاصيل ساكنيه، نراها في سريرٍ مرتب لا يزال، وحديقة تملأها تماثيل قطط، وأدوات نحت في الزاوية. بدون سابق إنذار، ترتفع المياه من حول البيت لتغمر كل شئ. تهرع القطة هاربة، حتى تجد نفسها على قارب صغير يشاركها فيه مجموعة من الرفاق الغير متوقعين.
كلب وطائر وخنزير مائي وليمور، هؤلاء هم أبطال هذه القصة. لا يُعنى الفيلم بسؤال «من أين أتوا؟» بل «إلى أين هم ذاهبون؟» الفلك هنا هو فضاء عائم ، مصنوع من الخشب والخوف، ومن الرغبة في البقاء حتى ولو وسط لا نهائي من المجهول.
لا يحاول مخرج الفيلم جيلز زيلبالوديس أن يجعل الحيوانات بشرًا، بل يتركها على سجيتها٬ تتصرف القطة كقطة، بفضولها وحاجتها للخصوصية. يحاول الكلب التقرب منها، بينما يراقب الطائر من على مسافة، ويعيش الليمور في عالمه الخاص.
ينشأ تواطؤ صامت بين الحيوانات بعد أن يجدوا أنفسهم في مساحة ضيقة، مضطرين لتشارك الزمن والمصير. تشق إيماءات بسيطة طريقها وسط الحذر، لتشي بألفة ناشئة: مشاركة لقمة أو نظرة طويلة أو اقتراب جسد من جسد آخر في لحظة برد أو خوف.

بقدر ما تبدو حكاية Flow بسيطة في ظاهرها، فإن ما يثير الإعجاب حقًا هو تفاصيل صناعته. لم يُصوَّر في استوديو ضخم، ولم يتولّ تنفيذه فريق تقني مترامي الأطراف، بل خرج إلى العالم من ورشة صغيرة، تحت إشراف مخرج شابعلّم نفسه بنفسه، واعتاد أن ينجز أعماله وحيدًا. لا يختلف في ذلك عن بطلته: قطة تمشي بتأنٍّ، لا تعرف الطريق سلفًا، لكنها تمضي فيه خطوة خطوة.
لم يتعامل جيلز زيلبالوديس مع فن التحريك كأداة للاستعراض البصري، بل استخدمه كوسيلة للإصغاء إلى ما لا يُقال، ولمراقبة التفاصيل الصغيرة التي تمر عادةً بلا انتباه. اختار العمل على برنامج مجاني مفتوح المصدر هو Blender، وأنجز الفيلم بميزانية بالكاد تغطي إنتاج حلقة من مسلسل تلفزيوني. لم يرَ في ذلك عائقًا، بل وجد فيه فرصة للتركيز على جوهر المشهد، وإيقاع الحركة، وما يمكن أن تقوله صورة واحدة صامتة إن أُحسن النظر إليها.
من هذا الاقتصاد الفني تولدت هوية الفيلم. لا يسعى «Flow» إلى الإقناع السريع، ولا يقدّم تفسيرات جاهزة، بل يفسح للمشاهد مجالًا للتفكّر، وللبقاء في منطقة رمادية لا تطمئن فيها إلى معرفة كاملة. لا تُستخدم الموسيقى لتوجيه المشاعر، ولا تُوضع الحوارات لشرح العالم. فالغموض جزء من أسلوب الحكاية. نرى ما تراه الحيوانات: طوفان مفاجئ، وانقطاع، ثم بداية جديدة، دون مقدّمات أو تبريرات.
ورغم بساطة بناء الشخصيات، إلا أنها لا تُرسم على هيئة رموز. القطة ليست استعارة، بل هي قطة حقيقية، تنكمش حين تتوجس، وتتقدّم حين تشعر بالأمان، ولا تمنح ثقتها بسهولة. أما الليمور، بجمعه المفرط للأشياء داخل القارب، فيبدو كأنه يحمل عادة بشرية مألوفة: رغبتنا في ألا نترك وراءنا شيئًا، حتى ما لا نحتاجه.

في مقابلاته، تحدّث زيلبالوديس عن شعوره بالقرب من القطة، المخلوق الذي يفضل العزلة، لكنه يجد نفسه – بعد الطوفان – مضطرًا للانفتاح على الآخرين. وربما هذه هي نواة الفيلم: ليس علينا أن نفهم كل شيء كي نواصل السير. يكفينا أن نكون معًا، وأن نتقاسم الرحلة، ونحاول – ولو بخفة – أن نُبقي القارب طافيًا.
منذ صدوره في لاتفيا، لم يحقق Flow نجاحًا نقديًّا فقط، بل تحوّل إلى ظاهرة جماهيرية غير مسبوقة في تاريخ البلاد. فقد تجاوز عدد التذاكر المباعة داخليًا 306,000 تذكرة، ليصبح بذلك الفيلم الأكثر مشاهدة في دور العرض السينمائية في تاريخ لاتفيا.

وقد سجّل Flow نجاحًا تاريخًا غير مسبوق على مستوى الجوائز، إذ أصبح أول فيلم لاتفي يفوز بجائزة الأوسكار والغولدن غلوب، وأول فيلم مستقل يحصد جائزة الأوسكار لأفضل فيلم تحريك. وقد انعكس هذا الإنجاز الوطني احتفاءًا شعبيًا، حيث عُرضت جوائز الفيلم في المتحف الوطني للفنون في لاتفيا، وشهد المعرض تدفق أكثر من 15 ألف زائر خلال عشرة أيام فقط، لرؤية جائزة الغولدن غلوب. كان ذلك أكثر من مجرد فوز فني: كانت لحظة نادرة اجتمع فيها الفن والجمهور والهوية الثقافية في لحظة احتفال مشتركة.
اقرأ أيضا: البرتقالة الآلية A Clockwork orange.. سريالية العنف: من المنع إلى المجد