فاصلة

مقالات

إيليا سليمان… الخيط الرفيع بين الفكاهة واليأس

Reading Time: 4 minutes

في عام 1981 نشر عالم النفس الأمريكي «سيمور فيشر» كتابه الشهير «تظاهر بأن العالم مُضحك، وإلى الأبد: تحليل نفسي للكوميديانات، المهرجين، والممثلين»، في الكتاب ونتيجة تجارب نفسية عديدة، يظهر أن الكوميديانات يحظون بخصائص نفسية  خاصة، وأن الكوميديا والفكاهة يمكن أن تكونا في العديد من الأحيان وسيلة للتعايش مع الصدمات النفسية، هكذا صاغ «فيشر» مصطلح «مفارقة المهرج الحزين – sad clown paradox». 

تعنى المفارقة أن المهرج، صانع الكوميديا، هو في الأصل شخص حزين، يصبح الضحك هكذا وسيلة للتنفيس عن الحزن، وفي بعض الأحيان أيضًا للتنفيس عن شعورٍ عميق بالغضب، وربما حتى الرغبة في ممارسة العنف. 

من بين كل صناع الكوميديا العرب، تبدو سينما المخرج الفلسطيني إيليا سليمان هي الأقرب لهذه المفارقة، مفارقة صناعة الضحك المختلط بالحزن، وربما حتى باليأس في بعض الأحيان.

اختفاء 

سجل اختفاء (1996)
سجل اختفاء (1996)

في فيلمه الروائي الأول «سجل اختفاء» من إنتاج عام 1996 تظهر خصائص العالم السينمائي لإيليا سليمان بشكل مكتمل، الاعتماد على ممثلين غير محترفين، غالبيتهم من أسرته وأصدقائه وجيرانه، التصوير في مواقع حقيقية غالبيتها في مدينته الفلسطينية المحتلة، وتصميم مشاهد تحتوي على مفارقات كوميدية يتم سردها بأقل قدر ممكن من الكلمات، شخصيته تقوم بدور المتفرج عادة، وهو صامت بشكل مكتمل. 

يتتبع الفيلم اختفاء الثقافة الفلسطينية تحت سطوة الاحتلال، وينتهي الفيلم بمشهد للأب والأم الفلسطينيين وهما يشاهدان التليفزيون ليلًا، ينامان ويظهر العلم الإسرائيلي والنشيد الرسمي الإسرائيلي في خلفيتهم. حينما تم عرض الفيلم لم يفهم كثيرون ما معنى هذه النهاية، اتهموا سليمان حتى بالترويج للدعاية الإسرائيلية، لكنه شخصيًا رأى أن نومهم ولا مبالاتهم نوعًا من المقاومة. 

الإلهام من التراجيديا 

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان
Pickpocket (1959)

صرح إيليا سليمان في أكثر من مناسبة أنه تأثر سينمائيًا بشكل كبير بأعمال المخرج الفرنسي «روبير بريسون»، يرى سليمان أن بريسون التقط تراجيديا النفس البشرية، والإحساس باليأس المرتبط بوجودنا كبشر، يبدو الإلهام هنا حزين تمامًا، لكن يمكن تفهمه لرجل ولد في مدينة محتلة، تم منعه منذ الطفولة من التعبير عن ثقافته وأصله الفلسطيني، يعيش محاصر تحت حكم عسكري، بيته وأهله وحريته وحياته ككل الفلسطينيين تحت تهديدٍ دائم. 

لم يستلهم سليمان من بريسون تراجيديته فقط، ولا النظرة الحزينة في أعين أبطاله، بل أيضًا حركة الممثلين داخل الكادر التي يصفها سليمان نفسه بأنه موسيقية، تبدو كأنها رقصة، هكذا، تظهر عادة في أفلام سليمان مشاهد نرى فيها بشرًا يتحركون ويمشون، حيث يصبح فعل المشي هو العنصر الرئيسي في السرد، كمشي البطلة في فيلمه «يد إلهية» في اتجاه نقطة التفتيش الإسرائيلية. 

غضب دفين 

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان
يد إلهية (20029

تصبح الكوميديا طبقًا لمفارقة المهرج الحزين وسيلة للتعبير عن غضب ورغبة في ممارسة العنف، ربما هذا هو الإلهام الأساسي لشخصية الجوكر في عالم كوميكس دي سي ومؤخرا في سلسلة أفلام جوكر. 

يمكن عكس هذا بشكل شبه متطابق على سينما إيليا سليمان، لتبدو شخصية سليمان السينمائية وكأنها جوكر فلسطيني قبل أن تبدأ دي سي حتى في خلق عالم الجوكر السينمائي. 

يظهر عنفٌ دفينٌ بشكل متكرر خلف المشاهد الكوميدية التي نشاهدها في أفلام سليمان، في بداية «يد إلهية» يتتبع أطفال فلسطينيون «بابا نويل» ويصرعوه ضربًا، دون سبب واضح، في نفس الفيلم وبعد كل لقاء لشخصيته مع حبيبته نرى تفجير صغير داخل منازل مختلفة، أما في فيلمه «الزمن الباقي» فيأكل البطل تمرة ثم يقذف بالنواة على دبابة إسرائيلية فتنفجر. 

يصبح التأثر بباستر كيتون بخليط الحزن والعنف واضحًا أيضًا، وإن كان سليمان يرى أنه حدث ربما بشكل غير واعي، التقطه أحد أعضاء فريق صناعة فيلمه الأول حينما بدأت شخصية سليمان في أكل الباستا في أحد المشاهد، يأكل ببطءٍ شديد مع حزن واضح تماما ووجه يشبه قناع من الصخر لا تظهر عليه أي مشاعر، هكذا ظهر الشبه مع كيتون. 

تبدو الشخصية السينمائية لإيليا سليمان هادئة، صامتة، تتورط في الكثير من المواقف الكوميدية، لكنها هكذا تحمل خلف هذا القناع غضب دفين وعنف لا حدود له. 

يأس المقاومة ومقاومة اليأس 

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان
الزمن الباقي (2009)

أتذكر مشاهدة فيلم إيليا سليمان الأول «سجل اختفاء» بعدها شاهدت أفلامه كلها ثم حضرت فيلمه الأخير «إن شئت كما في السماء» عقب عرضه في مهرجان كان في عام 2019 حيث حصد جائزة خاصة من لجنة التحكيم، سلمها له المخرج المكسيكي المميز أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. 

حينما كتبت عن سينما سليمان من قبل، كنت أرى أن الفكاهة فيها وسيلة للمقاومة في وجه الاحتلال، فمثلا حينما نرى رجل فلسطيني مكبل يخرج من عربة شرطية إسرائيلية ليصف وهو معصوب العينين الطريق لسائحة داخل مدينة القدس، يبدو هذا كفعل مقاوم لأصحاب الأرض الحقيقيين الذين يعرفونها حتى بعيون مغمضة، لكن حينما أشاهد نفس المشهد اليوم وفي ظل الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيين يصبح الأمر أقل كوميدية. 

في فيلمه الوحيد الذي يمكن وصفه بالملحمي «الزمن الباقي» من إنتاج عام 2009 يعرض سليمان ذكريات والده التي كتبها بنفسه، يذكر سليمان في أحد اللقاءات أنه طلب من والده كتابة تلك المذكرات لأنه كان مريض، ولأنه أراد أن يمنحه بعض السعادة من خلال استعادة الأيام التي قاوم فيها الاحتلال بشكل مسلح. 

يبدو هكذا الفيلم كشاهد على مراحل مختلفة مرت بها القضية وأهلها، أهل سليمان، في البداية المقاومة المسلحة مع قدوم العصابات الصهيونية في ٤٨، تظهر الشخصيات الفلسطينية هنا بشكل مختلف، لازلت حرة، قوية، تملك لغة جسد مختلفة، أجساد منتصبة وقامات مرفوعة، يبدو صالح بكري في هذه المشاهد في دور الأب وكأنه بطل لأحد أفلام الأكشن في الأربعينيات، وكأنك ترى «همفري بوغارت». 

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان
الزمن الباقي (2009)

في المرحلة الثانية ومع انتصار الاحتلال تصبح المقاومة أقل وطأة، يتسلل الضعف بعد سنوات من الاستبداد، تصبح أقصى الآمال هي الحديث بالعربية داخل المدرسة، وفي المرحلة الثالثة يظهر اليأس جليا، حينما يتابع سليمان والدته وهي تستمع إلى نجاة في شُرفة منزلهم وهي تغني «أنا بعشق البحر» يصبح هذا في حد ذاته فعل مقاومة، مقاومة الاختفاء. 

يصبح اليأس واقع حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، ويزداد اليأس مع القتل والإبادة التي تحدث والعالم كله يقف إما متفرجاً أو مشاركاً، لم يعد للكلام معنى، فيحضر الصمت، تصبح أغاني نجاة التي تتكرر في سينما سليمان ذكرى وأثراً لماضٍ جميل، وتصبح الكوميديا خليطًا بين يأس المقاومة ومقاومة اليأس. 

اقرأ أيضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية

شارك هذا المنشور

أضف تعليق