(1)
«أدعو عليك فتعيش في زمن مهم» – حكمة صينية
يصعب، بل يكاد يستحيل، أن يرصد الباحث مادة نقدية واحدة – على الأقل بين الكتابات العربية – تعرضت بالتحليل لفيلم يسري نصر الله الأول «سرقات صيفية» دون الانطلاق من ركيزتين أساسيتين: مضمون الفيلم السياسي والاجتماعي، وكونه عملًا يحمل الكثير من أصداء السيرة الذاتية لصانعه، بل أن مقال الناقد الكبير سمير فريد المطوّل، الذي نشره على ثلاثة أسابيع في جريدة الجمهورية قبل أن يُعيد نشره في كتابه الأشهر «الواقعية الجديدة في السينما المصرية»، يبدأ بمرافعة ترد على إصرار المخرج على نفي وصف فيلمه بالسياسي، باعتبار أن فيلمًا يتناول أثر قرارات الإصلاح الزراعي على أسرة أرستقراطية وتمثل فيه خُطب جمال عبد الناصر عنصرًا دراميًا أساسيًا يصعب ألا يوصف بالسياسي.
لطرح سمير فريد وجاهته بطبيعة الحال، بل أن جانبًا من قيمة الفيلم التاريخية تنبع من كونه حكاية مروية من زاوية ووجهة نظر مغايرة كليًا عمّا اعتادت الأفلام المصرية تبنيّه منذ يوليو 1952. كما تستحق جرأة يسري نصر الله التحية لشاب قرر أن يُقدم في تجربته الأولى على صناعة عمل سيري يُسائل به الذات والذاكرة، بما يخالف به تقاليد السينما – بل والإبداع المصري – مرتين: مرة لارتباط السير المصرية في غالبيتها العظمى بتبرير المواقف ورفض الاعتراف بالأخطاء، ومرة لأن أعمال السيرة الذاتية – الجيد منها والرديء – ظلت طويلًا حقًا حصريًا لأصحاب الخبرات الكبيرة والأعمار المتقدمة. فمن هو هذا الشاب الذي لا يكاد أحد بخلاف محيطه الشخصي يعرف اسمه كي يرى أن سيرته الذاتية تستحق أن تكون موضوعًا لفيلم سينمائي؟ وهو لا يملك حتى مسيرة أستاذه يوسف شاهين الطويلة التي جعلت البعض يقبل على مضض أن تصير حياته مادةً لبعض أفلامه. غير أن الطرح السياسي والجسارة السيرية حالتا بين كثير من المحللين وبين الولوج إلى جوهر «سرقات صيفية» وسر فرادته: كونه فيلمًا عن طفل تصادف أن يولد يوم 26 يوليو 1952!
فإذا كانت الوجاهة الثقافية والخبرات القيّمة وتراكم الحكمة كلها مكاسب ينالها من يُقدّر له أن يعيش وسط الأحداث التاريخية الجسام، فإن الوجه الآخر للعملة الذي أدركه كل من عاش في مصر 2011 أن الإنسان يدفع ثمنًا باهظًا نظير تلك المكاسب، يدفع من أمنه وسلامته وشعوره بالثقة في اليوم والأمل في الغد. نتحدث هنا عن بالغين يمكنهم تحليل الأوضاع ومنح المصاعب سياقًا يبررها ويخفف وقعها، فما بالك إن كان موضوعها طفلًا يكتشف العالم؟ يريد أن يلعب ويشاكس ويختبر حواسه ويفهم نفسه وجسده ومشاعره، لكن القدر ألقى به وسط آتون من الحراك السياسي والطبقي، فحرمه حتى من أبسط حقوق أي طفل في أي مكان: أن تنشغل به أمه وتلاحظ وجوده.

«سرقات صيفية» هو بالأساس حكاية ياسر، الطفل الذي تصادف أن يولد في أسرة ميسورة كان أفرادها يثقون في أن مستقبلهم مضمون، لكنه يولد بعد أربعة أيام فقط من الحدث المُزلزل الذي سيطيح بتلك الثقة، وفي نفس اليوم الذي سيصير لاحقًا مرادفًا للرعب من «الزمن المهم» كما تقول الحكمة الصينية. في 26 يوليو من كل عام، وفي اليوم الذي يفترض أن ينتظره كل طفل لينال كل الاهتمام والاحتفاء والمتعة، كان على ياسر (أو يسري) أن يرى أهله – والعالم بأكمله – منشغلين عنه، آذانهم معلقة بأجهزة الراديو تترقب الخطاب السنوي للزعيم، الذي عادة ما يُعلن عن قرارات يحتفي بها الملايين، وتزيد من تعاسة البيت وتحلل العائلة، فيغدو يوم الميلاد موعدًا سنويًا لكل المشاعر السلبية: القلق والتجاهل وخطر أن يكون الغد أسوأ من اليوم.
لا ننكر هنا الارتباط المباشر بالحراك السياسي والاجتماعي، فتلك الأحداث ما كانت لتمتلك نفس الوقع لو كان ياسر قد ولد في زمان آخر أو مكان آخر أو لعائلة أخرى. لكن ما غفلت عنه أغلب الأقلام أن أحداث الفيلم تدور في هذا الزمان والمكان وتلك الطبقة، لكنها قبل كل هذا حكاية الطفل الذي لا تشغله كل تلك الخطوب، الذي لا يعرف عبد الناصر ولا يفهم الإقطاع ولا يجد فارقًا جوهريًا بينه وبين أبناء الفلاحين، لكن سوء الحظ حكم عليه أن يصل العالم في زمن مهم.
(2)
«لما بتغيب عنّي بتوحشني.. ولما بشوفك بازهق منك» – داليا لحبيبها عبد الله
قدّم يسري نصر الله في فيلمه الأول عملًا روائيًا بامتياز، بمعنى أنه ورغم كونه فيلمًا سينمائيًا له صياغته البصرية الخاصة الواضحة، إلا أنه يرتكن إلى شخصيات مرسومة بثراء روائي. ربما لأن المخرج استخدم شخصيات عرفها من أهله ومحيطه مادةً خام للدراما، وهي نصيحة توجه عادة للمؤلفين الراغبين في ضخ الحياة في شخصياتهم: أن يقرنوا الشخصية بمن عرفوه في حياتهم. نصر الله الوحيد القادر على تحديد مساحة الحقيقة من الخيال في شخصيات فيلمه، لكننا جميعًا قادرين على أن نلمس زخمهم الإنساني الذي ينفي عنهم تهمة التسطيح أو التشابه. بل أن الحيلة السردية التي يقوم عليها «سرقات صيفية» بالأساس هي التركيز على إمكانيات التباين رغم التشابه، أو التشابه رغم التباين.
للوهلة الأولى تبدو الشقيقتان منى وريما نسختين متشابهتين، سيدتان شابتان من زمن بائد، نبيلات جاءت الثورة لتطيح بمملكتهما المخملية وتجبرهما على التعامل مع الواقع الجديد، حتى على المستوى الشكلي تبدو منحة البطراوي ومنى زكريا قريبتي الشبه بصورة قد تسبب خلطًا لدى البعض (وهي مزايا وعيوب الاعتماد على وجوه لا يعرفها المشاهد سلفًا). لكن مع توالي الأحداث تتبلور الاختلافات بين الشقيقتين. منى وريثة الارستقراطية التقليدية المهووسة بملكية الأرض وبحسابات المكسب والخسارة، وريما الغارقة في انكسارات شخصية لا تملك إزاءها سوى الحنق على التغيرات السياسية التي أدت لكل هذا.

النظرة المبدئية أيضًا تُظهر الهوة الشاسعة بين ياسر وليل، ابن الأثرياء ربيب السرايات وابن الفلاحين الأمّي، طفلان آتيان من عوالم مختلفة كانت قبل ست سنوات فقط لا تختلط إلا في إطار علاقة السادة والخدم. لكن التباين يحمل داخله التقارب بين الاثنين وكلاهما يعبر المساحة الملتبسة بين الطفولة والمراهقة. ليل يسبق بنصف خطوة استمدها من محيطه تجعله يعرف الفارق بين عرائس الطين الذكور والإناث. معرفة تتسبب في حنق الكبار من إفساد أبناء الفلاحين أخلاق أبنائهم، لكنها تمنح ليل المزيد من أسباب الجاذبية، وتربطه بلذة الاكتشاف والتفتح.
تلك العلاقات الملتبسة بين شد وجذب، بين تشابه وتباين، تمنح «سرقات صيفية» حراكه الداخلي الذي لا يقل صخبًا عما يحدث في العالم من حوله. منى وريما وليل وياسر باحثون عن السعادة والأمان ككافة البشر، كلٌ على طريقته وحسب ما يسمح به العمر والخلفية والتكوين النفسي، وجميعهم مجبرين على أخذ قرارات راديكالية للتعامل مع الأوضاع المحيطة. قرارات تتراوح بين الطلاق من الزوج الارستقراطي والارتباط بسعيد ابن الفلاحين الذي نال سلطة العصر الجديد (شوقي شامخ)، وبين سرقة الأغنياء من أجل الفقراء على طريقة روبن هود!
الالتباس نفسه وربما أكثر تلمسه في علاقة داليا بعبد الله. تفرقهما نفس الحدود الطبقية التي تفرق ياسر عن ليل، ولعلها حدود أعمق في ظل كونهما شبّا في كنف النظام الطبقي القديم، ويجمعهما انتمائهما الفكري للحراك الجديد. انتماء تبدو داليا الأكثر إيمانًا به وحماسًا للدفاع عنه، بينما لا يملك عبد الله سوى الانغماس فيه، كيف لا وهو ما غيّر وضعه في ليلة من كونه ابن الفقراء الذي توسطت السراي لإلحاقه بالحربية، ليغدو ضابطًا ينتمي للنخبة الحاكمة؟ تلك الوساطة القديمة تشكل شرخًا يصعب التئامه لدى عبد الله الذي يبدو أنه – وأمه – يعانيان من عقد متجذّرة لا فكاك منها. ربما يكون ذلك أيضًا سر الجملة الكاشفة التي تصارح داليا بها حبيبها الشاب: «لما بتغيب عنّي بتوحشني.. ولما بشوفك بازهق منك». داليا تحب صورة عبد الله داخل ذهنها أكثر من محبتها لحقيقته المملة وشكوكه في جدارته بوضعه الحالي.

(3)
«صورة.. صورة.. صورة.. كلنا كده عايزين صورة.. صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة» – صلاح جاهين على لسان عبد الحليم حافظ
خلال تطور علاقة ياسر بليل، تبرز رغبة ليل في أن يلتقط ياسر صورة له كحدث مركزي في الصداقة / المحبة الناشئين بين المراهقين. ليل يحلم بتلك الصورة ويحاول تقديم كل ما يمكن من خلاله أن يثبت لياسر استحقاقه لها. يدفعنا هذا للتفكير في ماهية الصورة وما تمثله بالنسبة لليل وعالمه. ليل الفلاح الأمي الذي كان من المفترض وفق دورة الحياة الأزلية أن يولد ويعيش ويعمل ويموت داخل الأرض فلا تُلتقط له صورة طيلة حياته سوى تلك المستخدمة في بطاقة الهوّية. ليرحل في النهاية وتفنى معه صورته ليصير مجرد اسم ورقم وتسقط ملامحه من كل دفاتر الثبوتية وثنايا الذاكرة. لذا فإن ليل يطلب في الحقيقة اعترافًا بوجوده، بقاءً في صورة من التقاط كاميرا يستخدمها الأثرياء لتوثيق لحظات اللهو والسعادة وتوثيق ذكريات ستبقى بالتأكيد أطول من حياة ليل وسيرته وذاكرة المحيطين به.
تبدو الإحالة بديهية إلى أغنية عبد الحليم التي كانت أحد شعارات المرحلة الكبرى، ليس ليل وحده من يريد صورة، وإنما الشعب بأكمله يريد أن يكون الصورة التي سيلتقطها الزمان وفيها يحُذَّر كل من «يخرج من الميدان» بالحرمان من الظهور في الصورة. قد تكون هذه المقاربة وُضعت بشكل واعٍ في سيناريو «سرقات صيفية»، أو تكون قد مرت دون وعي إلى حكاية يسري نصر الله، لكنها بكل الأحوال بادية الحضور ووثيقة الصلة بسردية المرحلة التي شهدت انتزاع الكاميرا من أيدي سادة الأمس على أمل أن يتسع الكادر فيضم لأول مرة الجميع، أو الجميع دون السادة إن أردنا الدقة.
رغبة ليل العارمة في إثبات الوجود بصورة كالتي يلتقطها الأثرياء لا تبدو بعيدة عن رغبة سعيد في الاقتران بمنى. فمنى حلم بعيد شغل سعيد طويلًا في زمن لم يمكن خلاله أن يتجاوز وجودها في حياته حدود الخيال، لكنه قواعد العالم الجديد لم تكتف ببث الأمل في إمكانية تحويل الحلم حقيقة، بل تضافرت مع طبيعة سعيد الشخصية لتجعله موقنًا بأن امتلاكه منى ليس أكثر من مسألة وقت، حتى لو كانت لا تزال متزوجة ولا تزال نظريًا أغنى وأرفع نسبًا، فكل هذا في طريقه للذوبان والاختفاء. سعيد لم يفرض وجوده فقط في حياة منى وعائلتها، لكنه مزج هذا الحضور بتعالٍ واضح على منى التي صار من الممكن أن يسخر منها لأنها «لا تفهم في السياسة طوال عمرها»، وبثقة في أن المرأة التي يعرف ارتباطها بالثروة والأرض لن تجد أمامها سبيلًا إلا اللجوء إليه. المدهش أن كل هذا لا ينفي حب سعيد لمنى بل يؤكده. حب مرضي مسمم معجون بالانكسارات الطبقية لكنه يظل حبًا، تمامًا مثل حب داليا لعبد الله وياسر لليل. وفي هذا التعقد الروائي يبرز ما ذكرناه عن أن «سرقات صيفية» هو بالأساس فيلم عن الإنسان في زمن الإصلاح الزراعي، لا عن الإصلاح الزراعي نفسه.

لذلك، وبوضع النتائج التي أكدها مرور الزمن في الاعتبار، تبدو علاقة داليا بعبد الله وعلاقة منى بسعيد هي الأقرب للتعبير عن واقع الحب العابر للطبقات أكثر من العلاقة الأشهر بين إنجي وعلي في «رد قلبي» عز الدين ذو الفقار، والتي يسجل يسري نصر الله سخريته اللاذعة منها في أحد مشاهد الفصل الختامي. «رد قلبي» فيلم مهم لفهم سردية يوليو الاجتماعية والسياسية: ابن الجنايني الذي اجتمعت فيه كل الفضائل وخلقت منه الجندية بطلًا وطنيًا، وابنة القصور التي جعلها الحب تنسلخ عن كل ما في طبقتها من ظلم وعنف وعوار أخلاقي. حكاية تنتمي للأليجوريا رغم ادعاءها الواقعية، لا يستقيم منطق شخصياتها إلا بإلحاق الشخصية بما ترمز إليه، بينما تكمن جاذبية أبطال «سرقات صيفية» في كونهم بشر من لحم ودم، يحملون ضعف الإنسان وتناقضاته واستعداده للتنازل والمواءمة واستغلال المواقف. أبطال قد لا تقع في حبهم بشكل أسطوري مثل إنجي وعلي، لكنك تعلم بالتأكيد أن احتمالية وجودهم في الواقع أكثر بكثير.
(4)
اعترافات روسو وسرقات نصر الله
يُمثل نشر كتاب «اعترافات جان جاك روسو» نقطة مفصلية في تاريخ ثقافة الحداثة الأوروبية، لا سيما فيما يتعلق بتصوير الشخصية الدرامية وبوح المبدع بخطاياه ونقاط ضعفه للعامة، مخلصًا قيمة الاعتراف من موروثها الكاثوليكي ومحوّلًا إياها مفهومًا مركزيًا في الثقافة الغربية نكاد نفتقده في ثقافتنا العربية. أثر الاعترافات يمكن أن نشبهه – مع مراعاة الفوارق الزمنية والثقافية بطبيعة الحال – بإقدام يوسف شاهين على سرد سيرته الشخصية في «اسكندرية ليه؟» عام 1979، فلا نكاد نذكر صانع أفلام مصري قبله أقدم على فعل مماثل. بل أن المفتاح السيري الذي قدمه الفيلم – والأفلام التي لحقته في رباعية الإسكندرية – جعلنا نعيد النظر لأفلام أسبق لشاهين مثل «باب الحديد» و«فجر يوم جديد» باعتبارها هي الأخرى تجليات أقل صخبًا وأكثر خجلًا لذاتية صانعها.
وإذا كانت وقع أفلام شاهين يناظر أثر اعترافات روسو، فإن «سرقات صيفية» قد حاكى الاعترافات فيما يشبه المعارضة الشعرية. ففي أحد أشهر مواقف الاعترافات، يروي جان جاك روسو قيامه في الطفولة بسرقة شريط مخملي، ثم قيامه عند انكشاف السرقة باتهام ماريون، طباخة البيت الشابة، بالسرقة. يسهب روسو في وصف ملائكية ماريون «لم تكن جميلة فحسب. كانت لها ملامح بريئة لا يمكن للمرء أن يعثر عليها إلا في الجبال. تحيط بها هالة من الحلاوة والبساطة التي يكفي أن يراها المرء ليحبها». يصف وقاحته في تكرار اتهامها وعدم التعاطف مع نظراتها المتألمة، واصفًا ما فعلته الفتاة بأنها «استمرت في الدفاع عن نفسها بنفس المستوى من الثبات والصدق، ولكنها لم تسمح لنفسها بأن تلقي أي لوم عليّ. هذا الاعتدال، مقارنة بنغمتي الواضحة، أضر بقضيتها»، وراصدًا رد فعل الكبار بأنهم «لم يبد طبيعيًا افتراض أن توجد جرأة شيطانية كتلك من جانبي ولطف ملائكي من الجانب الآخر. بدا أنهم لم يكونوا قادرين على التوصل إلى قرار واضح، لكنهم كانوا مهيئين مسبقًا للوقوف معي».
ألا يكاد الموقف يتطابق مع نهاية الفصل الثاني في «سرقات صيفية»؟ والذي يقرر ياسر فيه أن يسرق من أجل حماية أسرته من الفقر الذي يتصوّر بلوغهم إياه، ثم يلقي بالتهمة عند اكتشافها على أكتاف صديقه الفقير ليل، ليرحل من القرية ومن مصر بأكملها تاركًا ليل يدفع ثمن سرقة لم يرتكبها لكن الكبار كانوا دومًا «مهيئين مسبقًا للوقوف مع ياسر ضده»؟

لسنا هنا في معرض التلميح بالاقتباس بل بالثراء الثقافي، بتلك القدرة على هضم التراث بمختلف روافده وتوظيفه في التعبير عن الذات. ربما كان التشابه قصديًا قصد به نصر الله الإحالة، أو يكون قد أتى بشكل غير واعٍ من أعماق الذاكرة، أو ربما يكون حتى مجرد توارد خواطر عابر. لكن وجوده في النهاية، مضافًا إلى مركزية فعل السرقة في الفيلم لدرجة اختياره عنوانًا للعمل، يمنح «سرقات صيفية» ثقلًا تاريخيًا مفصليًا. وإذا كان يوسف شاهين قد فتح الباب أمام اختيار صانع الأفلام المصري حياته موضوعًا لفيلمه، فإن نصر الله قد منح البوح مساحات أرحب، فاتحًا الباب لموهوبين كثيرين بعده ستكون حياتهم وتحديدًا أزمات ومخاوف (واعترافات) الطفولة والمراهقة مادة خام لأفلامهم. بابًا دخل منه طيف متنوع من الأعمال: «الخروج للنهار» لهالة لطفي، «شيخ جاكسون» لعمرو سلامة، «أحلام صغيرة» لخالد الحجر، «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» لخالد منصور، وغيرها من أفلام البوح.
(5)
الرحيل والعودة.. الأرض والبيت
لا يتجاوز زمن الفصل الأخير من فيلم «سرقات صيفية» ربع الساعة، لكنها دقائق يستحيل التخلي عنها أو تصوّر الفيلم دونها، بما تضفيه من معان تُعمق تجربة مشاهدة العالم من عيون ياسر الطفل طيلة الساعة والربع الأولى من زمن الفيلم. في هذه الدقائق الختامية يُغلق يسري نصر الله – ولو مؤقتًا – الأقواس التي تُركت مفتوحة لأكثر من 21 سنة فصلت فين يوليو 1961 وسبتمبر 1982، بين خروج ياسر من عالم القرية بعد اكتشاف السرقة واتهام ليل بها، وبين عودته إليها شاب الجسد عجوز الروح بما شهده خلال معيشته في لبنان (كما حدث للمخرج في الواقع) وبما يحمله من شعور بالذنب تجاه صديق الطفولة (كما حدث في الحكاية المتخيّلة). ثنائية الرحيل والعودة ستظل حاضرة في كثير من أعمال يسري نصر الله التالية، حتى يحمل جزءا فيلمه «باب الشمس» الثنائية في عناوين فصوله.

عودة ياسر إلى القرية تحمل بُعدين متوازيين: بُعد عام وآخر خاص. البُعد العام يتعلق بنتيجة المتغيرات التي وقعت قبل عقدين وشاهدناها من أعين ياسر الطفل. ماذا حدث في القرية المصرية بعد عشرين عامًا من الإصلاح الزراعي، وكيف انتهت الاحتفالات الصاخبة بنقل ملكية الأرض وتوزيعها على الفلاحين، بالهجرة الجماعية لنفس الفلاحين تاركين نفس الأرض وراء ظهورهم؟ راحلين للمرة الأولى في تاريخ شعب ارتبط منذ آلاف السنين بوادي النيل فلم يهجره إلا مضطرًا؟ وكيف تحوّل ابن القرية سعيد إلى نسخة أكثر رداءة من إقطاعيي العصر البائد، يسكن السراي ويتاجر في العملة ويبحث عن المكاسب بغض النظر عن مشروعيتها؟ بينما هجرت داليا الحالمة الوطن بلا عودة، وفقد بطل الصدفة عبد الله حياته في إحدى المعارك الوطنية الكبرى؟
لن ننخرط كثيرًا في التفتيش عن إجابات صارت مكررة من كثرة تداولها إعلاميًا في السنوات الأخيرة، وفي حوار الكاتب مع يسري نصر الله (في الكتاب المنشور عن مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية) اجتهد المخرج في تحليل النتائج بناء على تفاصيل مثل نوعية المحاصيل التي سُمح للفلاحين بزرعها وآلية التوزيع التي اعتمدوا عليها، لكننا سنتذكر أن «سرقات صيفية» ليس فيلمًا سياسيًا بالأساس، وأن السؤال الذي يحاول الإجابة عنه ليس: ماذا فعل الإصلاح الزراعي بالزراعة؟ وإنما: ماذا فعل زمن الإصلاح الزراعي بحياة البشر في مجتمع الزراعة؟

الإجابة على هذا السؤال قد ترتبط بتفصيلة صغيرة ننتبه لها في الفصل الختامي، عندما يكون ياسر هو الوحيد من الحاضرين الذي يملك مشاعر حزن حقيقية تجاه البيت القديم الذي صار خرابًا، والذي ارتبط في ذاكرته بسنوات الطفولة وأوقات المرح والمشاغبة رغم كل ما أحاط بها من متاعب. على الجانب الآخر، لا يكترث الآخرون كثيرًا للبيت، فالخالة وزوجها وأهل القرية والوافدون للشراء جميعهم مهتمون بالأرض وملكيتها، يفرحون بالحيازة ويحزنون عند التنازل عنها بينما لا يبدو انهيار البيت القديم أمرًا يستحق التوقف. لا يزعم الفيلم هنا أن تلك العلاقة من اختراع ثورة يوليو، فالطبقية والإقطاع كانا حقائق حاضرة قبل زمن عبد الناصر، لكنه يؤكد أن المسار الناصري قد أزكى تلك العلاقة النفعية مع المكان والبشر، فكل شيء يمكن ترجمته إلى أرقام الملكية والمساحات المنزرعة وحسابات المكسب والخسارة، لذلك فكما كان قرار هدم البيت أسهل عند منى من بيع الأرض، فلا عجب أن ليل وأمثاله لم يجدوا أي غرابة في ترك قراهم بحثًا عن حياة أفضل في العراق.
هنا يكمن أعذب وأثقل ما يحمله «سرقات صيفية» في جوهره، وهو ذلك الشعور بالمرارة الذي ينطلق من حقيقة اكتشاف المخرج أنه كان بالإمكان أفضل كثيرًا مما كان، وأنه وهو من جمع بين جينات الإقطاع وروح التمرد والإعجاب بالفقراء وخبرة ويلات الحرب، وصل في النهاية إلى أن أبناء تلك المرحلة انحازوا دومًا للاختيار الخاطئ، سواء عن اعتقاد جاهل بأنه ما تتطلبه المصلحة الأكبر، أو عن انصياع ومحاولة للتوائم مع المتغيرات بأقل قدر من التنازلات، والنتيجة أن كل ما كان يمكن الجدال حوله في 1961 صار محسومًا في 1982، بينما لم تعد القرية نفس القرية ولا الناس هم الناس. مما يجعل من «سرقات صيفية» – على ما فيه من عذوبة – حكاية رحيل وعودة مأساوية، قد لا نكون قد عايشناها من نفس موقع ياسر أو يسري نصر الله، لكننا نعيش نتائجها حتى يومنا الحالي.
اقرأ أيضا: ما بعد المنع: أفلام أثارت الجدل