في مطلع عام 2016، عُرض فيلم «آخر أيام المدينة» للمخرج المصري تامر السعيد ضمن قسم «الفورم» في مهرجان برلين السينمائي الدولي، ذلك المهرجان الذي تقام فعالياته كل شتاء. حظي الفيلم بتكريم خاص، حيث نال جائزة «كاليجاري»، لينطلق بعدها في رحلة ناجحة عبر مهرجانات سينمائية حول العالم. ومع مرور الشهور، ظل السعيد ينتظر اللحظة التي يعود فيها فيلمه إلى موطنه، إلى قلب القاهرة، ليُعرض أخيرًا أمام جمهور المدينة التي خرج منها وإليها الفيلم، وذلك ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في نوفمبر. لكن المفارقة أن هذه اللحظة لم تأتِ آنذاك… ولم تأتِ حتى اليوم.
لنتحدث بوضوح منذ البداية. بررت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي استبعاد فيلم «آخر أيام المدينة» بحجة مشاركته في عدة مهرجانات سينمائية دولية. لكن الحقيقة كُشفت بعد ثلاث سنوات، حين صرّحت رئيسة المهرجان آنذاك، ماجدة واصف، في حوار مع مجلة الفيلم عام 2019، بأن الفيلم مُنع بقرار من إحدى «الجهات» التي اعتبرت موضوعه حساسًا. لم ترغب هذه الجهة في عرضه، لكنها أيضًا لم ترد أن تعلن منعه، مما وضع إدارة المهرجان في موقف دفعها لاختلاق مبررات أخرى لاستبعاده.

المنع لأسباب سياسية ليس ظاهرة نادرة في تاريخ السينما العالمية، وهو -للأسف- أمر مألوف في عالمنا العربي. لكن ما يجعل هذا المنع أكثر إثارة هو أنه بدا وكأنه امتداد طبيعي لأحداث الفيلم نفسه، كأن الواقع قرر أن يضيف فصلًا جديدًا إلى الحكاية، ليمنح الفيلم بعدًا أسطوريًا ويجعل تداوله داخل مصر مقترنًا بتلك الجملة السحرية: «الفيلم الممنوع من العرض.»
الأمر الأكثر إدهاشًا أن المنع ذاته يتردد صداه داخل الفيلم، وكأنه نبوءة مخبأة في نسيج الحكاية، حكاية حب غير مكتملة، يضفي عدم اكتمالها عليها طابعًا أكثر شاعرية، حيث يصبح العجز عن تحقيقها هو ما يمنحها مثاليتها.
«القاهرة، ما في مدينة تانية بالعالم بتعطيك كل هذي الصور، بالثانية في عشرين ألف صورة، بحس إذا بتقعد كتير هون.. تبطل تشوف.. لأنه تصير الصور مثل الضجيج».
تدور أحداث الفيلم عن «خالد»، مخرج مصري يسعى لصنع فيلم وثائقي عن القاهرة، وفي نفس الوقت يواجه تحديًا شخصيًا، حيث إنه مضطر لإيجاد مسكن جديد في وسط مدينة القاهرة لأنه سيترك شقته خلال أقل من شهر، على الجانب الآخر فحبيبته «ليلى» تجهز للهجرة وترك المدينة للأبد.
وسط هذا التشتت، يلتقي خالد بأصدقائه المقيمين في مدن أخرى: «باسم» من بيروت، و«حسن» من بغداد، و«طارق» الذي انتقل إلى برلين بعد أن غادر بغداد أيضًا. وحين يدرك الأصدقاء الثلاثة معاناة خالد في إنهاء فيلمه، يقرر كل منهم إرسال مقاطع مصوّرة من مدينته، في محاولة لمساعدته على إكمال رؤيته.

كلمات «باسم»، السابقة تتحول إلى وصفٕ مثاليٕ للقاهرة؛ زحام، ألوان، روائح متباينة، وبشر في كل مكان. لا يقتصر دوره في الفيلم على التمثيل فقط، بل يظهر أيضًا كمدير للتصوير. اللبناني «باسم فايد»، يصنع مع «تامر السعيد» حالة لونية نوستالجية بامتياز، حيث تبدو القاهرة وكأنها مغلفة بفلتر السيبيا، بألوان تتدرج بين الأصفر والبني والأحمر البني، مع ظهور خافت للأخضر.
في خلفية الأحداث، يحضر اللون الأسود بقوة، حيث تحاصر عربات الأمن المركزي مظاهرات متعددة في وسط القاهرة، أغلبها لحركة «كفاية»، التي نادت برفض التجديد للرئيس مبارك أو توريث الحكم لابنه جمال. يظهر العساكر والضباط بزيهم الأسود، بينما يسود اللون الأصفر أجواء المدينة صباحًا، مع الغبار والأتربة وشمس نصف ساطعة.
يعتمد «تامر السعيد» على التصوير في مواقع حقيقية بوسط القاهرة، مستغلًا الأسلوب الوثائقي لفيلم يدور أساسًا حول صناعة فيلم وثائقي. تبدو لقاءات «خالد» مع الناس طبيعية تمامًا، إذ نرى الصورة تارةً من خلال عدسة كاميرته، وتارةً أخرى من كاميرا تنقل لنا وجوده وسط هذه الأجواء.

يصبح الفيلم بذلك وثيقة حقيقية عن القاهرة في الأيام الأخيرة قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، إذ تم تصويره بين عامي 2009 و2010. نرى الزحام، المظاهرات، التواجد السلفي في الأزياء والملصقات داخل المباني السكنية وعلى واجهات المحلات، إلى جانب الحضور الطاغي لكرة القدم، حيث احتفل المصريون بتتويج منتخبهم ببطولة إفريقيا عام 2010 وسط مشاهد صاخبة في الشوارع.
وسط كل هذا الضجيج، كيف يحضر الصمت؟
كيف تسمع الصمت في القاهرة
القاهرة مدينة مليئة بالضجيج، لكن يمكنك سماع الصمت وسط كل هذا، يلتقط تامر السعيد الصمت هنا بشكل حساس تمامًا، يستخدم السعيد شريط صوت ملئ بزحام المدينة، حينما يمشي «خالد» مع السمسار الذي يساعده في البحث عن شقة يصبح سماع أصواتهم المختلطة بأصوات المارين في الشارع أمر صعب للغاية، نصبح هنا كمشاهدين داخل تجربة القاهرة، نسمع الحوار بالتوقع، بملأ الفراغات، تمامًا كما يفعل أهل القاهرة يوميًا، رغم هذا يعود خالد لبيته ويقف أمام جدار يتشكل بالكامل من نوافذ زجاجية، يجلس هناك خلف نوافذه المغلقة ويضع سماعات أذنه وحينها نسمع الصمت، ينقل تامر السعيد حالة الصمت هذه حينما نرى «ليلى» حبيبته، وحينما يتجول خالد وأصدقائه داخل عربة سيارة نقل صغيرة في فجر أحد الأيام في وسط مدينة القاهرة، وحينما يشاهد خالد لقطات من فيلمه، يغيب الضجيج ويحضر الصمت ثم موسيقى الفيلم التي تتكون من نوتات تبدو وكأنها تعزف بشكل منفرد، كل نوتة على حدى وبينها صمت.

يترك الصمت فرصة للمتفرج ليتنفس وسط كل هذا الضجيج، ليفكر ويتأمل، ثم يأخذ نفس عميق آخر للغوص وسط تجربة الحياة في قاهرة 2010. مدينة كانت على وشك الإنفجار. هل الثورة كانت هي النبوءة إذن؟
نبوءة تحقق ذاتها
في نهاية الأربعينيات صاغ الأمريكي «روبرت كينج ميرتون»، الأب المؤسس لعلم الاجتماع الحديث، مصطلح «نبوءة تحقق ذاتها»، ويعني به أن تنبؤ الشخص بحدوث شئ ما يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تحققه في نهاية المطاف.
يمكن تطبيق هذه الظاهرة على «آخر أيام المدينة» فالفيلم يدور عن فيلم يجد مخرجه صعوبة في الانتهاء منه، وفي حقيقة الأمر تحقق ذلك فالفيلم الذي تم تصويره في 2009 و2010، استغرق العمل عليه ست سنوات أخرى حتى تم عرضه في 2016، الفيلم الوثائقي داخل الفيلم يدور عن بيوت قديمة يتم هدمها في الإسكندرية ومعها ينتهى زمن نحِنُ إليه، وهو ما تحقق في حاضرنا مع عمليات هدم واسعة لمباني تاريخية ذات أهمية تاريخية في مصر.

كل ما في الفيلم يعد بفرحة غير مكتملة؛ قصة حب جميلة لم تستمر، تجمُع أصدقاء مبدعين ثم فقدان أحدهم، وهكذا يتحول مصير الفيلم نفسه إلى فرحة غير مكتملة، من عرضه في برلين إلى منعه في مصر، يتجسد هذا المصير أيضًا في شخصية «طارق»، المخرج العراقي الذي يهاجر إلى برلين، بينما يخاطبه أصدقاؤه الثلاثة مستنكرين قراره. «خالد»، المتحدث بصوت «تامر السعيد» في الفيلم، يؤكد له أنه سيعود إلى بغداد بعد سنوات. تمر السنوات، وتتحقق النبوءة بطريقة مختلفة؛ لا يعود «طارق»، بل يهاجر «تامر السعيد» نفسه إلى برلين.
يقيم تامر السعيد الآن في برلين منذ سنوات، بعد منع فيلمه الطويل الأول «آخر أيام المدينة» لم يقم بصنع فيلم طويل ثان حتى اليوم، لا يزال يستخدم كادر من «آخر أيام المدينة» كصورة شخصية له على «فيسبوك»، يمكن للمنع أن يكون سبب ملحمية وهالة محببة لدى الجمهور، لكنه يمكن أن يصبح أيضًا سبب صدمة وتعطل مادي ومعنوي لصانع السينما.

في عام 2016 تم عرض «آخر أيام المدينة» للمرة الأولى في برلين، في نفس العام أيضًا قررت أن أهاجر وأترك القاهرة وانتقل إلى برلين، تظل القاهرة رغم ذلك حاضرة في بالي، ويظل الحنين للحظات للصمت وسط ضجيجها، لحظات يمكن إعادة إحيائها في كل مرة أشاهد فيها «آخر أيام المدينة»، الفيلم الذي يذكرنا أن المدينة التي كنا نظن حينها أنها في أسوأ فتراتها، كانت في الحقيقة لا تزال تحوي لحظات مليئة بالحياة، والحب، والثورة، هكذا وسط الضجيج يمكنك تذكر هذه اللحظات بعينها، لحظات توقف فيها الزمن، رأيت فيها حبيبتك، أو شاركت فيها صديق مقرب التسكع في شوارع القاهرة فجرًا، أو وجدت نفسك فجأة وسط حشد هائل من البشر المطالب بالتغيير، حينما تتذكر هذه اللحظات يمكنك سماع الصمت بالتأكيد وسط الضجيج.