في لقاء مصور مع الكاتب والمخرج «بول شريدر» والذي شارك مارتن سكورسيزي كتابة أهم أعماله، قال شريدر إنه تأثر أثناء كتابته لفيلم «سائق التاكسي Taxi driver» بفيلم «النشال Pickpocket» للمخرج الفرنسي روبير بريسون، المقتبس في الأصل عن رواية دوستويفسكي الشهيرة «الجريمة والعقاب».
في الفيلم يتتبع بريسون بطله النشال ميشيل، فنراه على مدار الفيلم يسرق من دون أي متعة أو غاية تُرجى، ويقع في حب فتاة تحاول تفهُّم أسبابه وإبعاده عن السرقة، ولكنه لا يستجيب. وتظل دوافعه في الإصرار على السرقة غامضة حتى النهاية، لنفهم أن الشخصية عدمية تمامًا ولا تجد مخلصًا لها من شقائها إلا حب جين، وهو ما يتسق كثيرًا مع سينما بريسون، التي لا تلتفت كثيرًا للدوافع والأسباب، بل تترك مساحة كافية للمتلقي لكشف أبطاله، بدون فرض أو توضيحات.

في رواية دوستويفسكي «الجريمة والعقاب» يقتل البطل عجوزًا مُرابية ويسرق أموالها تحت ضغط الفقر والحاجة، ويبرر لنفسه جريمته بأن «الأخلاق العادية» لا تسري على الرجال العظماء وهو منهم. ينظر راسكولنيكوف للمُرابية كـ«حشرة» خير للجنس البشري الخلاص من أمثالها، ثم تمضي الرواية في صراع بين البطل وبين أخلاقه وضميره.
وبالتوغل في الرواية نجد أن الدافع الحقيقي لقتل المرابية العجوز لم يكن رؤيتها كحشرة، ولا الرغبة في الاستيلاء على مالها، وإنما تمثل في حلم رآه راسكولنيكوف وهو حلم لطفل صغير يرى حصانًا يتعرض للضرب، وحين محاولته مساعدة الحصان يتعرض للدهس، لتكون النتيجة النهائية هي بكائه لعجزه عن مساعدة الحصان، بالتالي ففعل القتل المتطرف جدًا الذي يختاره راسكولنيكوف هو نابع في الأساس من رغبة خيرة بإنقاذ العالم، ولكنه في نفس الوقت يشير لعجز كبير في نفس راسكولنيكوف، لأنه أولًا لم يستطع تخليص العالم كما ظن عند قتل العجوز، وثانيًا لأنه في النهاية لم يقتل سوى مجرد سيدة عجوز لم تقدر حتى على الدفاع عن نفسها، وبذلك فقد كانت أبعد بكثير عن صورة الشر الكامن التي تصور راسكولنيكوف أنه ينتقم منها.
فيلم بريسون يستبدل بالقتل فعل السرقة فنرى بطله نشالًا. كما يبتعد بريسون عن السردية التي تمسك بها راسكولنيكوف طوال الرواية، فنرى بطله لا يتحدث عن رغبته في تغيير العالم، أو عن نبوغه وذكائه، فقط نراه وهو يمارس السرقة، بينما لا يملك تفسيرًا مقنعًا عن نزوعه لذلك الفعل.

من هنا يتبين أن فعل السرقة الذي ينتهجه البطل ميشيل في الفيلم، لا يعد أكثر من «مقاومة». تمرُّد، ولكن بشكل مغاير. فهو فعل غير سوي يختاره اللص بشكل لا واعي كرد فعل على عنف المجتمع والشر الكامن فيه، وهو تمثل لنفس الشعور بالعجز الذي ينتاب راسكولنيكوف بطل «الجريمة والعقاب» ويدفعه للقتل.
كما يتبين أن الشعور بالعجز هو نتيجة لإيمان مبالغ فيه بالذات، وهي علة أبطال دوستويفسكي جميعهم، فأبطال دوستويفسكي دومًا ما يحملون شعورًا داخليًا بأنهم مسؤولون عن تخليص العالم، وبأنهم الملومين وحدهم عن الشر الكامن فيه طالما أنهم على قيد الحياة، وذلك ما ينتهي في الأخير بتدمير كامل لذواتهم الهشة فور اكتشاف عجزهم البشري، البديهي جدًا للغير. وهذا بدوره ما يفسر خلاص ميشيل في نهاية الفيلم عبر الحب، فهو نفسه الحب الذي وجد فيه راسكولنيكوف خلاصه في الأخير، ليتبين أن الأزمة في البدء كانت أزمة مع الذات وليست شيئًا آخر، بالتالي يكون الحب هو السبيل لخلاص كل من ميشيل راسكولينكوف من سجن الذات.
وفي لقاء تالي مع سكورسيزي، يقول سكورسيزي إنه رأى في شخصية ترافيس (فيلم سائق التاكسي) جانب من بطل رواية «مذكرات من تحت الأرض» وهي رواية صدرت لدوستويفسكي قبل الجريمة والعقاب بسنتين فقط.

هنا نجد أن المشترك في سائق التاكسي، بين كل من شريدر وسكورسيزي هو تأثرهما بما كتبه دوستويفسكي في روايتين من رواياته وهما «مذكرات من تحت الأرض» و«الجريمة والعقاب». وإلى جانب أن الروايتين صدرتا بفارق زمني بسيط عن بعضهما البعض، نجد أن هناك سمات مشتركة بين بطليهما، أبرزها الشعور بالعجز والوجود على هامش المجتمع، الفارق فقط هو اختيار راسكولنيكوف فعل الشر. كما نجد صدى تلك السمات والعقد نفسها عند ميشيل بطل «النشال» وترافيس بطل «سائق التاكسي».
وفي المشهد الافتتاحي لفيلم «سائق التاكسي» عام 1976، نرى ترافيس (روبرت دي نيرو) يخبر مسؤول التوظيف عن رغبته في العمل كسائق تاكسي لأنه عاجز عن النوم ليلاً، ونعرف من الحوار أن ترافيس كان جنديًا مشاركًا في حرب فيتنام وهو ما يسبب له كوابيسًا يومية.

من الوهلة الأولى يتبين أن ترافيس مضطرب نفسيًا، كما يظهر في أفكاره التي نسمعها على مدار الفيلم أنه غير راضٍ عن مدينة نيويورك، ويراها مجرد بركة من الفساد والفوضى. وعليه يشعر ترافيس برغبة مستمرة في تخليص تلك المدينة من فسادها.
نجد أن شعور ترافيس بمسؤولية تطهير المجتمع هو نفسه شعور أبطال دوستويفسكي تجاه وجودهم، كما يشترك ترافيس مع البطل الذي لم يختر دوستويفسكي له اسمًا في رواية «مذكرات من تحت الأرض» في صفات وسمات عديدة، مثل الخجل، والشعور بالدونية. أيضًا تسجيل مذكراته سخطه على مجتمعه بينما هو قابع في غرفة ضيقة ومتسخة.
الفارق أن ترافيس يملك سببًا واقعيًا – وليس متوهمًا كبطل دوستويفسكي- للشعور بالذنب تجاه وجوده، وهو مشاركته في حرب فيتنام، التي تشكل عقدة لكل من شارك فيها. ولذلك يبدو مبررًا لماذا يشعر ترافيس بالأرق ولماذا يسعى للخلاص، فهو يرى مدينة نيويورك كبؤرة فساد لا تختلف عن الحرب، بل هي امتداد لها في نظر ترافيس.
كما يشترك سائق التاكسي مع بطل «رسائل من تحت الأرض» في مقابلتهما عاملة جنس صغيرة السن، وشعورهما بالمسؤولية تجاهها وتكليف نفسيهما بمهمة تخليصها مما هي فيه، فـ«أيريس» التي تلعب دورها جودي فوستر في الفيلم، هي قاصر (طفلة دون السن القانوني) يقابلها ترافيس في بيت للدعارة، ولا تختلف في براءتها عن ليزا التي يقابلها بطل دوستويفسكي في منزل للغانيات وينبهها لبؤس وضعها فتظن في البداية أنه مُخلِّصها قبل أن يستغلها ويهينها.
كما يظهر اختلاف في موقف البطلين تجاه الفتيات، فإن كان بطل دوستويفسكي انهزامي ولا يهتم بأمر الفتاة بعد مواجهتها مرتين بضرورة تركها لمنزل الغانيات، فترافيس يهتم بتخليص أيرس من قبضة مستغليها، ونبعت تلك الرغبة بداخل ترافيس نتيجة شعوره بالذنب إثر حرب فيتنام، وهي هزيمة نفسية لترافيس يريد تعويضها وتخطيها بأي شكل ولذلك يسعى لتخليص أيريس حتى ولو رفضت ذلك، وبالتالي فهي نفسها العقدة الملحة بالذنب عند أبطال دوستويفسكي – والتي تولد هوسًا تجاه فكرة البطل المخلص.

لذلك وفي مشهد النهاية حين يواجه ترافيس العصابة في بيت البغاء لتخليص أيريس، نراه واقفًا تحت جدار مكتوب على حائطه «المسيح هو الحب Jesus is love» في إشارة لشعور ترافيس الداخلي في تلك اللحظة بأنه لا يختلف عن السيد المسيح في كونه خلاصًا للبشرية، الفارق أن ترافيس هو مخلص يسعى لذلك عن طريق العنف، وهو الخيار نفسه الذي انتهجه راسكولنيكوف في «الجريمة والعقاب» إذ وجد في فعله العنيف سبيلاً للخلاص من عجزه وحاجته، فاتخذ قرارًا بمواجهة شر العجز واستغلال المجتمع للضعفاء بأنه يرتكب الشر بنفسه.
كذلك يؤكد سكورسيزي على هاجس تلك الفكرة في عقل ترافيس بطل سائق التاكسي، فنراه بعد مواجهته للعصابة والدماء تغطيه – يشير بيده الفارغة وكأنها مسدس تجاه رأسه ويصيب نفسه بثلاث طلقات – وهي إشارة لاهوتية فيها إحالة لآية في إنجيل متى «فتذكر بطرس القول الذي قال له يسوع، إنك قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات».
كما نرى بعدها ترافيس متجولًا في شوارع المدينة بينما يشعر بالفخر نتيجة تحقيق مفهومه الخاص عن اليوتوبيا والعدالة عبر تضحيته بنفسه ومن ثم الوصول لخلاص جمعي أخير، وهنا هو يتماس، يتماهى تمامًا مع أبطال دوستويفسكي.
اقرأ أيضا: «عيون مغلقة على اتساعها».. كيف صار الفيلم الممنوع عملًا خالدًا؟