فاصلة

أصوات نقدية سعودية

«هوبال»… ويبقى الأثر

Reading Time: 4 minutes

منذ عرضه الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي في دورته الرابعة، كان واضحًا أن فيلم «هُوبَال» يتخذ موضعه واحدًا من أهم أفلام السينما السعودية وأكثرها طموحًا وارتباطًا بأعماق المجتمع السعودي التي ربما لم تُمثّل بهذه الجودة على الشاشة من قبل. 

في عرضه الأول بيعت تذاكر حفلة عرضه بالمهرجان، وخرج منه الجمهور والنقاد معًا ولا حديث لهم إلى موضوع الفيلم وشخصياته. وطرح في السينمات في مطلع العام الجاري، ليلحق نجاحه الجماهيري بنجاحه النقدي محققًا تلك المعادلة الصعبة التي تسعى إليها كل الأفلام السينمائية. 

يكمن سر نجاح «هوبال» في العمل الجاد الذي كان جليًا خلال مشاهدة الفيلم، والذي لمسته بشكل شخصي من حديث بعض القائمين على العمل خلال عرضه الأول في ملتقى «روائع عربية» المقام ضمن أمسيات رمضان بجمعية الثقافة والفنون بالأحساء، حيث حضر مخرج الفيلم عبد العزيز الشلاحي ليحاور النقاد والجمهور الذين جاءوا لمشاهدة الفيلم. 

ما قدمه «هوبال» هو ما يجب أن يكون عليه أي فيلم، وأرى أنه لا يجب أن يرضى أي صانع عمل بأقل من ذلك حتى يلمس جوهر الفن، ويحقق شغفه ويقدم عملًا يحترم فن السينما والجمهور. وأتمنى أن يكون هذا العمل بداية رؤية جديدة للأفلام السعودية، تبرز من خلالها رؤية فنية ناضجة بعيدة عن الأسلوب التلقيني المباشر، فالدهشة والذكاء في الطرح هي من ستقبض على قلب المشاهد.

يتناول فيلم «هوبال» ظواهر القمع ويسائل السلطات المستقرة كسلطة العائلة والسلطة الأبوية وسلطة التقاليد المتوارثة وغيرها، معالجًا ظواهر دينية ذات انعكاسات اجتماعية، تدفع باتجاه تغييب المنطق والعِلم لصالح التشدد والخُرافة، من خلال شخصية الجد/ الأب الذي يدفعه خوفه على عائلته وإيمانه بتفسيرات حرفية للنصوص الدينية إلى ان يحرم عائلته حقها في الحياة. 

فيلم ( هوبال - 2024)
فيلم ( هوبال – 2024)

تجلت في حوارات الشخصيات في «هوبال» عدة مواضيع تطرح حالة التغييب وعدم القدرة على استيعاب الواقع والتعامل معه في استكشاف العلاقة بين الإنسان وعالمه، فلم تكن هموم شخصيات الفيلم همومًا معزولة وفردية، بل هي تصوير لنسيج العلاقات في المجتمع الذي يضم أجيالًا لا زالت بعيدة عمًا يقدمه العلم وما يثور في العالم من تغيرات، واجيال أخرى تتطلع لأن تندمج في واقعها وتصبح جزءًا من نسيج العالم دائم التغيير. 

يعكس الفيلم حقيقة اجتماعية واضحة في أدبيات التغير الاجتماعي. كارل مانهايم عالم الاجتماع الألماني سيكون سعيدًا بهذا الفيلم في قبره، حيث مثل بشكل عملي نظريته عن صراع الأجيال، فقد كان يرى أن كل جيل يتأثر بتجارب تاريخية واجتماعية مختلفة، تؤدي إلى اختلافات عديدة في بنية التفكير والقيم الاجتماعية بين الأجيال.

فيلم ( هوبال - 2024)
فيلم ( هوبال – 2024)

نرى تلك الأفكار في «هوبال» متمثلة في العلاقة بين الجد والأبناء والأحفاد، حيث كان الأخيرين يمنطقون النصوص الدينية بلا خشية إلا من ردع الكبار الذين يرون أي تغيير مهددًا لمنظومة القيم. فمثلت شخصية «عساف» الصراع الأيديولوجي الأبرز بين الجيلين، فالرغبة في كسر القيود ومواجهة منظومة فكرية متشددة قد تأتي بتضحيات كبيرة، عبر عنها الفيلم بموت عساف، وموت والده قبله في سبيل الرغبة في التغيير. فالصراع بين الأجيال ليس مجرد اختلاف فردي، بل هو جزء طبيعي ضمن التحولات التاريخية والاجتماعية للمجتمعات، ويبدو أكثر وضوحًا وتجليًا في المجتمعات التقليدية التي تتميز بالتحول البطيء في بنيتها الفكرية. فالتغيير لا يتم دفعة واحدة، بل يكون تدريجيًا. وهو ما يعكسه الفيلم بتساؤلات التشكيك تجاه الأفكار الجامدة. وأحيانًا تحتاج هذه العملية إلى حدث صادم يسمح للأفراد والمجتمعات بإعادة التفكير في معتقداتها، أيضا مثلها الفيلم هنا في حالات المرض والوفاة.

فيلم ( هوبال - 2024)
فيلم ( هوبال – 2024)

كما لعبت النساء في فيلم هوبال دورًا محوريًا في إبراز الصراع، فالمرأة ووضعها هي دومًا مقياس التقدم والحداثة في أي مجتمع، إذ تقول القاعدة أن جودة الحياة والحرية في أي مجتمع يُقاسان بحرية وجودة حياة أضعف الأطراف فيه.

ومن هنا يعبر الفيلم بقوة عن وضع المرأة في المجتمعات التقليدية، والقيود المفروضة عليهن من خلال قيود الطاعة والتقاليد، حتى تضطرهن الحياة لكسر تلك القيود حين يقع التهديد على حياتهن وحياة من يحببن. فمحاولات «سرّا» المستميتة لإنقاذ ابنتها ماهي إلا محاولة للتحرر من هذه القيود، في حين عكس مرض ابنتها حالة الضعف التي تعانيها المرأة في وجه بعض القواعد الاجتماعية، والإقصاء عن القدرة على اتخاذ القرارات حتى المصيرية منها المتعلقة بالصحة والحياة وتحديد المصير.

 لكن مع تصاعد الأحداث ومن منطلق أن المرأة جزء ورمز ودلالة للتغير الاجتماعي تتحرر قوتها بمساعدة الجيل الصاعد ومن أجله، في اعتراض صريح وواضح على محاولات إعادة انتاج نفس الوضع الاجتماعي المتوارث. فالفرد يقبل التقاليد حتى يضطر إلى مواجهتها لحماية وجوده.

فيلم ( هوبال - 2024)
فيلم ( هوبال – 2024)

أما فيما يتعلق بنهاية الفيلم والتي أختم بها مقالي هذا، فأجدها من أجمل النهايات بكل ما تحمله من حرية في تأويلها، رغم أن الكثير من جمهور الفيلم ارتبط بالحدث التراجيدي «موت عساف» وتوقف عنده، وقد يكون حقق لهم النهاية المطلوبة التي تنتهي بحدث واضح يرتبطون معه بشدة عاطفيًا.

ويبقى فيلم هوبال عملًا صُنع بشكل جيد، نقل تعقيدات اجتماعية بأسلوب فني جميل، وأثار النقاشات حولها من عدة زوايا.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق