فاصلة

مقالات

هل نجاح «شباب البومب» يستحق الإحتفاء؟

Reading Time: 3 minutes

اعتدنا منذ عودة فتح صالات السينما في المملكة على متابعة إيرادات الأفلام بشكل أسبوعي، عبر البيانات الرسمية الصادرة من هيئة تنظيم الإعلام. وبحكم طبيعة عملي، ألتزم بمتابعة هذه الأرقام ونشرها بشكل منتظم على منصة «إكس»، ما يفتح بابًا دائمًا للنقاش مع العاملين في الصناعة، من نقاد وصحفيين ومنتجين، حول ترتيب الأفلام وأرقامها ودلالاتها.

في أسبوع عيد الفطر السينمائي، ومع عرض فيلم «شباب البومب»، بدأ الاهتمام مبكرًا على غير العادة. فمنذ صباح الأحد وقبل إعلان الأرقام الرسمية توالت الاتصالات والرسائل تسأل عن موقع الفيلم في شباك التذاكر. كان واضحًا أن الجميع يترقب.

وعندما صدرت الأرقام، جاء الجواب صاخبًا: أكثر من 109 آلاف تذكرة في أسبوع واحد، وربما 120 ألفًا وفق تصريحات بطل الفيلم فيصل العيسى، بإيرادات تجاوزت 7 ملايين ريال. رقم كبير بكل المقاييس،

ومن المتوقع أن يتصاعد، وربما يدفع الفيلم إلى قائمة أعلى الأفلام تحقيقًا للإيرادات في السوق السعودي.

يكفي أن تنظر إلى مقاطع الفيديو العديدة المتداولة لجمهور الأطفال وهم يتدافعون نحو صالات العرض، لتدرك أن الفيلم لم يبلغ ذروته بعد.

لكن، وبالتوازي مع هذا النجاح، برزت موجة امتعاض واضحة لدى شريحة من المهتمين بالسينما، الذين عبّروا عن قلقهم من احتفاء السوق بفيلم لا يُنظر إليه كعمل متماسك فنيًا، بل كمنتج تجاري يعتمد على قاعدة جماهيرية جاهزة.

هذا القلق، في جوهره، مشروع. ليس لأنه يعارض النجاح الجماهيري، بل لأنه يخشى من أثره طويل المدى على اتجاهات الإنتاج.

بين «سطار» و«شباب البومب»… لماذا نحتفي هنا ونقلق هناك؟

لنعد قليلًا إلى ديسمبر 2022، حين عُرض فيلم «سطار»، الذي حقق نجاحًا لافتًا، متجاوزًا 900 ألف تذكرة. يومها، لم يكن هناك قلق، بل احتفاء واسع من المجتمع السينمائي، واعتُبر الفيلم علامة فارقة في دعم الصناعة المحلية. 

بل إن الفيلم حظي بعرض في مهرجان أفلام السعودية، رغم طابعه التجاري، في إشارة إلى تقبّل هذا النوع من الأعمال ضمن سياق صناعة ناشئة.

السؤال هنا: لماذا يُحتفى بـ«سطار» ويُستقبل نجاح «شباب البومب» بالتحفظ؟

الإجابة لكنها تكمن في الفروق بين التجربتين.

فيلم سطار (2022)
فيلم سطار (2022)

«سطار» كان مغامرة إنتاجية من استوديو يسعى لاختبار السوق وبناء تجربة سينمائية جديدة، بينما «شباب البومب» هو امتداد مباشر لنجاح تلفزيوني استمر أكثر من 12 موسمًا، اعتمد على إعادة تدوير نفس الشخصيات والجمهور.

كما أن حضور إبراهيم الحجاج وكذلك عبدالعزيز الشهري في «سطار» ارتبط بتقدير نقدي لأدائهما، على عكس فيصل العيسى الذي يستند أساسًا إلى جماهيريته الكبيرة، دون حفاوة نقدية مماثلة

نجاح متوقع… لكنه كاشف

في الحقيقة، نجاح «شباب البومب» لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا. الفيلم يستهدف شريحة عمرية واسعةخصوصًا من 7 إلى 15 عامًا وهي شريحة تحتاجها الصالات لتكوين عادة المشاهدة.

من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الفيلم كأداة جذب جماهيري، لا كمنتج فني يُقاس بمعايير المهرجانات.

لكن هذا النجاح يطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

هل يكفي أن ينجح الفيلم في شباك التذاكر، أم أن السينما-بوصفها صناعة ثقافية-مطالبة أيضًا بترك أثر يتجاوز لحظة العرض؟

الخطر الحقيقي: عندما يتحول النجاح إلى «الخيار الوحيد»

المشكلة ليست في نجاح فيلم تجاري، ولا في إقبال الجمهور عليه الخشية فعلا أن يتحول هذا النوع من الأفلام إلى «الخيار الوحيد» أمام المنتجين.

حينها، لا يصبح السوق مساحة تنوع، بل بيئة مكررة تعيد إنتاج نفس النماذج، وتكافئ الخيارات الآمنة فقط.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقة إذا أصبح النجاح الجماهيري السريع هو البوصلة الوحيدة، فإن التجارب المختلفةالأكثر جرأة من ناحية التنوع والإختلاف ، ستجد نفسها خارج المعادلة، كونها لاتنتمي إلى هذا النموذج السائد.

ست سنوات على فتح السينما… صناعة تتشكل

فيلم شباب البومب
فيلم شباب البومب (2024)

بعد ست سنوات من عودة السينما في السعودية، نحن لازلنا نعيش مرحلة البدايات وكل شيء يتشكل وينمو . ما نراه اليوم من تنوع سينمائي سعودي من «شمس المعارف» إلى «سطار»، ومن «الهامور» إلى «مندوب الليل»، وصولًا إلى «شباب البومب» هو انعكاس طبيعي لصناعة تبحث عن هويتها.

وفي الوقت نفسه، نشهد حضورًا سعوديًا في المحافل الدولية، مع أفلام مثل «نورة» للمخرج توفيق الزايدي، الذي يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ حضور السينما السعودية عالميًا.

هذا التوازي بين السوق المحلي والمهرجانات الدولية هو ما تحتاجه أي صناعة حقيقية.

ليس صراع أفلام… بل صراع اتجاه

ما يحدث اليوم يطرح سؤالا ً واضحاً عن شكل السينما السعودية التي نريدها بعد عشر سنوات.

هل نريد سينما تُقاس فقط بعدد التذاكر؟

أم سينما قادرة على أن تُشاهد اليوم… وتُتذكر غدًا أو حتى بعد عقود ؟

النجاح الجماهيري مهم وضروري لكن خطورته تبدأ عندما يُغري الصناعة بالسهولة، ويجعلها تكرر نفسها بدل أن تتطور.

السينما السعودية اليوم مطالبة بالتجربة بشكل كبير ومهم لها أن أن تتقن اللعب على التنوع .كون الفيلم الفيلم الذي يملأ الصالات اليوم…ليس بالضرورة هو الفيلم الذي سيبقى في الذاكرة.

اقرأ أيضا: «فاصل من اللحظات اللذيذة»… كوميديا تبقى بعد المشاهدة

شارك هذا المنشور