فاصلة

مقالات

ما هو مشعل الجاسر؟

Reading Time: 9 minutes

أعرف أن هذا العنوان غير صائب لغويًا، وقد يبدو مستفزًا باعتبار أن «ما» تُستخدم لغير العاقل، غير أني اخترته لسببين: تيمّنًا ببرنامج «بلو آب Blow up»، وهو برنامجٌ سينمائي جميل يُعرض على قناة «آرتيه» الفرنسية. يلجأ البرنامج للصيغة ذاتها في عنونة حلقات مخصّصة لتحليل مسار مخرجين وممثّلين أضحوا ظواهر سينمائية. والسّبب الثاني أنّنا بالحديث عن المخرج السعودي مشعل الجاسر، نكون فعلا بصدد ظاهرة سينمائية في طور التّشكّل، وفلتةٌ «مجنونة» من تلك التي يجود بها الزمن السينمائي العربي على فترات. إذ يذكّرنا مشعل الجاسر ببدايات مخرجين متفرّدين مثل المغربي هشام العسري أو التونسي علاء الدين سليم.

ما هو مشعل الجاسر؟
المخرج مشعل الجاسر

من أين نبدأ مع مشعل الجاسر؟ لنبدأ من الدهشة التي يثيرها صغر سنه، فالرجل رغم أنه لم يتم الثلاثين من العمر بعد؛ إلا أن زخم الصور والأفكار والأحاسيس التي يجرها وراءه تؤشر إلى سينمائي مجرّب، أفنى عقودًا في الاستوديوهات وحُجرات المونتاج. خصوصًا أن النضج الاستثنائي الذي كشف عنه في «ناقة» (2023)، عمله السينمائي الطويل الأول، يعضّد هذا الإحساس ويعد بالكثير مستقبلًا. 

أكيد أن هذه تفسّر تلك، فلو لم يتمرّن الجاسر منذ نعومة أظافره على صناعة الأفلام في محاولات هاوية، ثم يمارس حرية التجريب والخلق عبر تجربة «تلفاز» الشبابية التي منحته فرصة التّمرس على كل مراحل صنع أفلام قصيرة (السكِتشات)؛ لما كان لفيلمه «ناقة» أن يتسم بالتحكم والجرأة التي صنعت منه أحد أهم أفلام النوع في السينما العربية في العقدين الأخيرين.

لنظرة موضوعية لمُنجَز مشعل الجاسر، يسعنا أن نبدأ في مراجعة خطواته الأولى كمخرج هاوٍ، ثم تطوّر أسلوبه في إخراج سكتشات وأفلام قصيرة ضمن فريق «تلفاز 11»، قبل أن نعرّج على تجاربه الأكثر طموحًا مثل «طز بالكفار» (2016) و«سومياتي بتدخل النار؟» (2016) و«تحت الإسمنت» (2019). ثم نختم بقراءة في «ناقة»، باعتباره عملًا مرجعيًا يستعيد تقريبا كل الجماليات المتناثرة فيما سبقه، ويصهرها في بوتقة رؤية جريئة ومُجدِّدة شكلًا ومضمونًا، من المفيد العمل على استجلائها اليوم، بعد أن استقرّ قليلا غبار ردود الفعل السطحية والجدل المتشنّج.

كيف تنجز الكثير انطلاقًا من القليل؟

تنبغي الإشارة في البدء، إلى شيء نادر ومؤثّر تتيحه قناة «فُلَيْم يا غُلَيْم» على يوتيوب علاوة على متعة المشاهدة نفسها؛ وهو فرصة تتبُّع تطور حساسية فنية لمخرج منذ تفتّقها أثناء مراهقته، حين كان يجرّب ويختبر من دون حسابات، فتحسّ أنه يستمتع بإنتاج وتصوير وإخراج وتمثيل ومونتاج تجاربه، رغم إكراهات ضعف الإمكانات. في هذا تجسيد رائع لجمالية تيار «افعلها بنفسك» Do it yourself الذي أنتج أجيالا من السينمائيين المستقلين المؤثّرين منذ روجر كورمان، وصولًا إلى مدرسة نيويورك مع جيم جارموش وسبايك لي، والفرنسي ميشال غوندري الذي استلهم منها فكرة فيلمه Be Kind Rewind.

في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، وضعت الثورة الرقمية وسائل الإنتاج الأسٍاسية من كاميرا وبرامج مونتاج تحت تصرّف مخرجين شباب، فأضحت إمكانية التجريب والخلق الهاوي متاحةً أكثر من أي وقت مضى. 

أفاد من ذلك مشعل الجاسر ليصنع أفلامه القصيرة الأولى، ويشاركها عبر منصة يوتيوب محقّقًا أرقام مشاهدة عالية، فاستقطبه علي الكلثمي إلى قناة «تلفاز 11» المتخصصة في صنع أفلام قصيرة وعرضها على ذات المنصّة. التعاون مع الكلثمي وفر له دعمًا أكبر من مبادرته، ومنحه حرية الخلق والتجريب في إطار فريق من الشّغوفين، فتفجّرت موهبة المخرج الشاب.

في منتجه المبكر «سوبر درباوي» (2013) الذي يبدو اليوم أشبه بتمرين متجاوز قليلًا على صنع مؤثرات خاصة، يتّضح منحى الجاسر في دفع الاختيارات إلى أقصاها، وعدم الوقوف في منتصف الطريق. 

ورغم هشاشة شخصية الملثّم التي تلامس بقدراتها الخارقة حدود الكيتش (فن الرداءة)، والارتباك الذي يشوب بعض اللقطات؛ تسهم انسيابية التقطيع التقني، وتنويع وجهات النظر، والانتقالات السلسة في صقل إيقاع جذاب. 

مبكرًا جدًا، يتبدّى رهانٌ أساسي لدى مشعل الجاسر على «إنقاذ الوضع»، ورفع القيمة الفنية المضافة للمشاهد، وإخفاء مكامن الضعف الناتجة عن قلة الإمكانات، بفضل مونتاج مبدع واشتغال على تصميم شريط الصوت. 

كيف تنجز الكثير انطلاقًا من القليل؟ هو السؤال الذي رافق الجاسر منذ بداياته. ولعل الإجابة عليه تكمن في جنوح المخرج الشاب إلى الفرادة الفنية الغرائبية Idiosyncrasy الشجاعة وغير المهادنة.

كيف لا نفكر في هذا ونحن نشاهد «يمكن» (2016) الذي يتمحور حول تيمة متلازمة اضطراب التوحُّد، ودحض الأفكار الخاطئة التي تُتداول حولها؟ خصوصًا أن الجاسر يلعب بنفسه شخصية متوحّد ينجح في تحقيق طموحه، وأننا نسمع في نص الحوار هذه الجملة الدّالة حول شرط التوحّد «لكن الكلام أو الإشارة أو الصّور لا تعبّر عمّا بداخلنا»، فتبدو كوصف لإحساس المخرج ذاته بما يمور في نفسه، وتفسّر ربما جنوحه لإبطاء إيقاع الصور أو تسريعه، وتنويع وجهات النّظر، وتكثيف الأصوات… بعبارة أخرى كل الوسائل المتاحة أمامه لليّ عنق الواقع تعبيرًا عما بداخله.

في «ممكن أطلع» (2018)، نلمس نزوعًا لرؤية العالم بعيون الشخصية الرئيسية من خلال قصة فتاة تعبر ممر آلام حقيقي، فقط لتحصل على إذن بالخروج من والديها (ما يذكر باستهلال «ناقة») ولتجد سائقًا يحملها لوجهتها، في إدانةٌ صريحة للقانون المجحف الذي كان يحظر السياقة على المرأة السعودية.

في قالب يفخّم الأشياء بدواعي السخرية، يوازي الجاسر بين أسئلة الأم وجمالية التحقيق البوليسي. ينهل في مشهد حركة من مرجعية «ماتريكس» للأختين واشويسكي، ويتنكر لمشهد غنائي بديع في شخصية مصاص دماء متهكّمًا على عقلية الهيمنة الذكورية. يتسم استعمال الجاسر للموسيقى التصويرية بالجرأة والغزارة التي تلامس شعور الاجتياح المزعج أحيانًا، لكن اختياراتها المضادّة وتقطيعها المبتكر ينأى بها عن التوضيحية أو العاطفية، كما يتجلى في «اللّولو».

يقدم الجاسر فنًا شاملًا، ومزجًا بين الأنواع. نراه بشكل أوضح في «كوكتيل»، وهو سكيتش يُعدّ تمرينًا على البارودي (المحاكاة الساخرة) لأجواء أجناس وأنواع فيلمية مختلفة (سيتكوم، فيلم حركة، ميلودراما هندية…) وتشكيل مناخاتها انطلاقا من وضعية بسيطة.

 ما يلفت الانتباه هو مقطع تتدخل فيه شخصية تدعى «أبو النصائح»، (تحضر أيضا في الكليب الغنائي «طز في الكفار») تجسّد شخصًا يحاول استخلاص مغزى القصة وترجمته في شكل نصيحة، لكن المشعل يعالجه بصفعة مباغتة. طريقةٌ مبتكرة من المخرج ليوحي بنفوره المبكّر من سينما الرسائل والاقتراحات الموضوعية التي تُصاغ في شكل موعظة. 

«تجربة الجوكر»، سكيتش بديع آخر ينهل من كوميديا التكرار مع جملة «لكني تدربت عليه» التي يواجه بها شاب بدون خبرة في التّمثيل لجنةً تشكك في قدرته على لعب مشهد صعب من فيلم نولان The Dark Knight. كتابةٌ خلاقة تنطوي على سيناريو داخل سيناريو، يهجو نزعة رفض أفلام النوع المنجزة في البيئة العربية بدعوى العنف (أو غيره من الذرائع) والاستمتاع بها حين تأتي من الغرب. وفي ذلك استشراف مذهل لأحد أعطاب الاستقبال الذي لاقاه «ناقة».

المشترك بين «سومياتي بتدخل النار؟» (2016)، و«تحت الإسمنت» (2019) هو أننا نرى القصة بعيون طفلتين ونسمع صوتهما الداخلي. يحكي الأول عن يوميات المساعدة المنزلية الفليبينية سومياتي، انطلاقًا من تساؤلات ليان البريئة حول حقيقة الاعتقاد الديني ووسم المساعدات بممارسة السحر. يحقق مشعل الجاسر من خلال تلك الحكاية وتقنياته في سردها رؤية إنسانية لشخصية هامشية تعيش وضعية شاقة. 

يتميز هذا الفيلم القصير بهندسة ديكور أصلية وإضاءة تعبيرية عن قتامة الطرح.

أما «تحت الإسمنت»، فيلجأ لتأثير المفاجأة ليقبض على هشاشة معيش عائلة سورية تحت القصف، وكيف يمكن لوجبة غداء عادية أن تتحوّل لكابوس مريع. 

يوظف الجاسر لقطات مقرّبة ليخلق لدى المشاهد مفعول الاختناق الذي تعيشه طفلةٌ تحت الأنقاض، ويتحرّر من الحكي الخطّي لينقل إحساس الحرب بعيون من يقاسونها، حيث تختلط صور الماضي المشرق بالحاضر المظلم، ويتكلم الموتى ليواسوا الأحياء.

«ناقة».. ركلةٌ بين رجلي المحافظة والعادية

نعود لسبعينيات القرن الماضي، يصعد شخصٌ سلالم مستشفى فيما تلف الكاميرا حول محورها لتتابع وجهة نظره المضطربة والمؤذنة بخطب خطير، بينما تدوّي موسيقى قلقة في الخلفية. يؤجج استعمال «الزاوية الهولندية» (لقطات ذات زاوية مائلة بدرجة تصل إلى 60 درجة) الشعور بالقلق النفسي والتّوتّر. يتعلّق الأمر بشخص جد محافظ جاء ليثأر من زوجته وجميع أفراد الطاقم الطبي، بعد أن علم أن طبيبًا ذكرًا هو من أشرف على الولادة. تُفاقم الكاميرا الذاتية التي نرى من خلالها الإجهاز على جميع من في الغرفة ـ ما عدا الرضيع ـ برشقات من بندقية رشّاشة. يجتاح المشاهد شعورٌ بعدم الارتياح، وربما بالمشاركة في الجريمة. فيما بعد، نعلم أن الرضيع ليس سوى أبا سارة (أضواء بدر)، بطلة الفيلم التي تسعى في الوقت الحاضر للخروج من البيت بحجة قضاء الأمسية مع صديقتها، لتذهب في رحلة استجمام بالصحراء رفقة خليلها سعد (يزيد المجيول). 

فيلم ناقة (2023)
فيلم ناقة (2023)

تُقدّم سارة على أنها شخصية جسورة ومستفزّة قليلا، تدخّن خفيةً في منزل والدها المحافظ، ولا تنظر بعين الرضى لشرط عيش والدتها الخنوع. نحن إذن بعيدون عن نموذج المرأة المهادنة التي تتقن لعب دور الضحية، كما يحب أن يراها قسم كبير من جمهور غربي يتزلّف له تيارٌ لا يُستهان به من السينما العربية، يرتكز على طرح تحرّر أجوف لا يخدم قضية المرأة نفسها في نهاية المطاف، لأنه لا ينتج شيئًا غير تكريس السائد جماليًا، وبشكل غير مباشر يكرس أيضًا للروافد الاجتماعية والسياسية التي تغذي ذلك السائد. 

سارة أعقد وأكثر إثارة للاهتمام (وبالتالي للتّساؤل) من كلّ هذا، وليس أدل على ذلك من أنها تحتفظ بزمام المبادرة (وربما اليد العليا كما سنرى) إلى غاية نهاية الفيلم. غير أن لقاءها الخاطف مع صديقتها هو ما يدل على مكنون شخصيتها: حين تصارحها زميلتها في الدراسة سابقًا بأنها حقودة، تحمل الضغينة في قلبها لسنوات، وتنتهي دائما بالانتقام ممن يسيء إليها.

فيلم ناقة (2023)
فيلم ناقة (2023)

الانتقام إذن كلمة مفتاحية لمقدمة الفيلم. فعلاوة على حضورها في مشهد ما قبل التتر (الجينيريك)، وأنها سمةٌ بارزة في تركيبة سارة النفسية؛ تأتي إصابة أخيها الصغير في عينه كإشارة لآية تحضر في كل الكتب السماوية: «العين بالعين، والسّنّ بالسّنّ، والبادئ أظلم». لكن ما يقفز بشكل بديهي إلى الذّهن، مباشرة بعد اكتشاف عنوان الفيلم وحقيقة انتمائه لسينما النوع، هو شهرة البعير كأحقد حيوان على الأرض (حقد الجمل)، وأن البعير قد تكتم الغيظ لسنوات إلى أن تأتيها فرصة للانتقام. 

هذه نقطة أولى في لائحة طويلة من متوازيات بين الناقة وسارة، منها عينا هذه الأخيرة الواسعتين البارزتين ورموشها الطويلة كرموش الناقة، البادية من وراء نقابها حين تنظر إلى أبيها في السيارة وهو ينصت بانتشاء لشاعره المفضل «أبو فهد» على الراديو، قبل أن يضرب لها موعدًا على الساعة 9 و59 دقيقة ممهورًا بتحذير شديد اللهجة من أن تتأخّر. عندها تدق الساعة الواحدة ظهرًا على الشريط الصوتي وتُكتب بأحرف بيضاء كبيرة وسط الشاشة، معلنةً أن العدّ التنازلي للزمن المتبقي سيمثل رهانًا دراميًا أساسيًا. 

فيلم ناقة (2023) مشعل الجاسر
فيلم ناقة (2023)

ما إن تنطلق رحلة سارة مع سعد في سيارة كلاسيكية وسط طبيعة صحراوية ساحرة ومترامية الأطراف في تخوم الرياض، حتى يتلوّن الفيلم بجمالية فيلم «وسترن» معاصر. ثم يحدث تطور درامي سيلقي بتأثيره على ما تبقى من الفيلم. تتعاطى سارة وخليلها مخدّرات ستنعطف بـ «ناقة» من طابع الواقعية إلى تصوّر يمزج الهلوسة بالسريالية، لا يمكن ألّا نرى فيه تجسيدا لتيار «السايكدلية»، انطلاقًا من التتر وألوانه الفاقعة والمتراقصة، مرورًا بالجمالية الواصفة لحالة سارة النفسية وإدراكها الأشياء (وجوه ممسوخة، أضواء حفل مبهرة، تردّد صدى الأصوات…)، وصولًا لتأثير أفلام مثل «خوفٌ وبغض في لاس فيغاس» Fear and loathing in Las Vegas لتيري غيليام و«ادخل الفراغ» Enter the void لجاسبار نُوي.

فيلم ناقة (2023)
فيلم ناقة (2023)

التأثّر السينفيلي لدى مشعل الجاسر لا يتوقف هنا، حيث نلمس استشهادًا بـ «نزال»  Duel لستيفن سبيلبيرغ في مشهد الاحتكاك بسائق متهور وسط الطريق الصحراوي. واستدعاءً رائعًا للقطة شهيرة من «كائن فضائي» Alien لريدلي سكوت، في لحظة اقتراب الناقة الهائجة من سارة المشيحة بوجهها من هول المنظر. مثلما يحتفظ الكائن الفضائي ببطلة الفيلم لأنها تحمل بذرته في داخلها، يظهر أن الناقة كانت رحيمة بسارة، فاحتفظت هذه الأخيرة بشيء من طباع النوق، في قدرتها على التحمل، وطريقة أكلها النّهمة، وإصرارها على الثّأر في النهاية. 

فيلم ناقة (2023) مشعل الجاسر
فيلم ناقة (2023)

يورد الجاسر مخرجًا وكاتبًا للسيناريو مشهد المواجهة المفصلي بين سارة والناقة المكلومة في ولدها على جزأين، في اختيارٌ موفق يبعثر أوراق الحكي عبر تقديم قسم من المواجهة والانتقال لمشهد آخر قبل العودة إليه، مثيرًا لترقُّب المشاهد للأحداث. 

وقوع المواجهة في فضاء الصحراء المفتوح، على انغلاقه بسبب ظلمة الليل الشديدة، والنزعة الصائبة لاستعمال إضاءة مقتصدة لإخفاء أكثر ما يمكن من معالم الناقة حتّى تظل محتفظة بالغموض وبقدرة أكبر على إثارة الرعب، والاهتمام بتفاصيل دقيقة تضبط إيقاع الحركة وتعزّز من صدقية التهديد؛ كلها عوامل تجعل من هذا المشهد قطعة فنية حقيقية قلّما نرى مثيلا لها في السينما السعودية التي لم تخلق بعد تقاليد عريقة تخصها في سينما الرّعب. ويخطر بالبال هنا أن التراث الديني يربط الإبل بعالم الجنّ لكونها، وفق ما يُعتقد، خُلقت مثله من نار.

ثمة مواجهة أخرى تجمع سارة صدفةً بالشاعر المخضرم «أبو فهد» وسط المخيّم، يضفي عليها فضاء الخيمة الشاسعة لمسةً هزلية، وقطبية حادة تذكّر مرة أخرى بأجواء نزالات أفلام الوسترن. تكتشف سارة أن «شاعر نجد» منتحل، وتلتقط فيديو يوثق اللحظة التي يتلو فيها الشاعر الشبح قصيدة من المنتظر أن يقرأها «أبو فهد» على الهواء في حالة فوز المنتخب السعودي في مباراة كرة قدم فاصلة، تمثل بدورها تجليًا صارخًا لعالم رجالي مغلق على نفسه، ينتهي في مفارقة لافتة بإنقاذ سارة من عقاب الأب على طريقة المدد الغيبي Deus ex machina. 

فيلم ناقة (2023) مشعل الجاسر
فيلم ناقة (2023)

مثلما تنتصر سارة معنويا على سلطة أبيها وشاعره المبجّل، يمكن أن نقرأ في جماليات ناقة المنزاحة والمتمرّدة على المألوف ضربة معلّم تزعزع أركان السينما الاعتيادية. 

يقول أرسطو في تحليل من أجمل ما قيل حول فلسفة الانتقام، أن «الثّأر قيمةٌ عادلة، تقوم على مبدأ أن من حقّ كل شخص أن يرد الاعتبار لنفسه. وأن الثأر هو الوسيلة الوحيدة التي حبتنا بها الطّبيعة لإيقاف الميول الشريرة للآخرين». 

وفق ذلك، تبدو ضغطة سارة ـ بعد تردّدـ على زرّ مشاركة تدوينة تفضح فيديو انتحال القصيدة الشعرية كركلةٍ بين رجلي ثقافة متسلّطة وقلقة من ذكورتها في الوقت نفسه، تخفي عجزها (ليس فقط عن إبداع الشعر؛ بل العجز بكل معانيه) وراء رجولة زائفة وعديمة الفضيلة، ظاهرها كلمات منمّقةٌ تتمسح في الوطنية والبطولات الغابرة، وباطنها استغلال إرث ثقافي لتكريس عقلية محافظة لا تنتج شيئًا غير اجترار الماضي وتأبيد الوضع القائم، عبر الإجهاز على كلّ مختلف أو جديد.

اقرأ أيضا: عن أفلامنا التي تمثلنا… “ناقة” نموذجا ً

شارك هذا المنشور

أضف تعليق