ترجمة أحمد شوقي
قصة هذا الموضوع (بقلم المترجم)
في ربيع 2020، وبينما كنا جميعًا محاصرين داخل بيوتنا، ممنوعين من السفر والخروج وممارسة الحياة الاعتيادية بسبب جائحة كورونا، وقع تحت يدي هذا الموضوع بالغ الطول، المنشور في مجلة نيويورك تايمز، النسخة الأسبوعية من الجريدة الشهيرة والتي تصدر كل أحد فتتيح مساحات واسعة لموضوعات يصعب نشرها في الجريدة اليومية.
وقعت في غرام التحقيق المكتوب بلغة بديعة، تسير في مساحة وسطى بين الصحافة والأدب، وتزور ممثل طالما عرفناه في شبابه، نجمًا وسيمًا يتنافس مع توم كروز في «توب جن» ويلعب دور الرجل الوطواط في «باتمان للأبد»، ثم اختفى عن العالم تمامًا ليعود هذا الموضوع ويقدمه بصورة جديدة كليًا، كرجل متعافي من مرض خطير يعيش في عالمه الخاص الذي تفنن في تصميمه، ويحاول التصالح مع حياة اختبر الصعود إلى قمتها ثم انزوى بعيدًا عن أضوائها.

وجدت نفسي أشرع في ترجمة النص دون سبب واضح، ودون أي خطط حول إمكانية نشر نص ممتد كهذا. ربما كان الدافع مزيجًا بين تأثري بالموضوع ووقت الفراغ الذي فرضه الحجر الصحي علينا. وإذا كان البعض تعلم الطبخ، أو أعاد ترتيب أثاث المنزل عشر مرات، فإنني قضيت وقتًا لا بأس به أترجم نصًا اكتشفت بعد الانتهاء منه أنه غير صالح للنشر. فأي مطبوعة ستقبل بنشر مقال يتجاوز ستة آلاف كلمة؟ وأي موقع سيهتم بفال كيملر الذي نسيه الجميع. قمت بعدة محاولات ثم اكتفيت بمتعة ترجمة النص، ثم حفظته ضمن ملفاتي ونسيته تمامًا، لكني عدت وتذكرته مرتين.
المرة الأولى عندما صدر في العام التالي فيلمًا وثائقيًا بعنوان «فال Val» اختاره مهرجان كان عام 2021 ولقى ردود فعل إيجابية يتناول حياة النجم الشهير وتقلباتها. ثم المرة الثانية قبل يومين عندما قرأت خبر رحيل كيملر عن عمر 65 سنة. الرحيل الذي صدم البعض ممن لم يعرفوا ما مر به الرجل، والذي أخبرني إنها اللحظة الوحيدة التي يمكن فيها إخراج هذا النص للنور على صفحات فاصلة. فربما يجد من ينتبه لما فيه من تفاصيل شيقة، وكتابة بديعة حاولت نقل ما تيسر من روحها في الترجمة.
التصرف الوحيد الذي قمت به هو إضافة بعض العناوين الفرعية لتقسيم الموضوع الطويل، المكتوب باسترسال يسهل التيه داخله لمن يقرأه إلكترونيًا، فكانت تلك العناوين محاولة لتسهيل القراءة. فلنبدأ الرحلة.

ماذا حدث لفال كيلمر؟ لقد بدأ لتوّه الاستيعاب!
تافي بروديسر آنكر – مجلة نيويورك تايمز – مايو 2020
يصعب عليّ تصديق ذلك الآن وأنا أكتبه، لكن قبل شهرين فقط، وعندما كان من المسموح لنا التسكع بحرية، عندما كان بإمكاننا ركوب الطائرات والنزول منها، التجول في سيارات مستأجرة والنوم في فنادق، عندما كان بوسعنا ملاحقة الجمال واستكمال النقص والتساؤل إن كانت خلايانا في حاجة للنجاة، ذهبت إلى لوس أنجلوس لأتلقى هذا السؤال من فال كليمر:
«هل تعتقدين أن مهرجان ساوث باي ساوثويست سيُلغى؟»
لكن فال كيلمر لم يعد فال كليمر، نجم أفلام الثمانينيات والتسعينيات الذي اختفى من الشاشات، لم يعد هو منذ شُقّت قصبته الهوائية. لا يزال بإمكانه دفع الهواء خلال أنبوب التنفس، متجاوزًا القطع في حلقه والأنبوب المغروس داخله، بطريقة تُنتج أصواتًا يُمكن ـ بشكلٍ أو بآخر ـ تفسيرها، ليس كليًا، فقط إلى حدٍ ما.
الصوت يشبه مزيجًا بين الصرير والزئير الأبكم. يقول أن كوني أفهمه هو نتيجة لتمرينات صوتية لا تنتهي مارسها عندما التحق بمدرسة جوليارد للفنون بعد انهاء الثانوية، فيها علموه أن يستخدم صوته «كما لو كان بوقًا». كره سلطوية الإدارة في جوليارد، كره تلك التمارين الصوتية الغبية. الآن انظر إليه: لا يزال بإمكانه الاستعانة بأداته المفضلة في وقت يفترض أن تكون فيه ـ وبكل المعايير ـ أداة بلا قيمة. انظر كيف سار كل شيء للأفضل!
كل حكايات فال كيلمر كهذه، فيها شيء من النصيب المُسبق. كان في أفريقيا عام 1994 عندما قرر قضاء نهار في استكشاف كهف للوطاويط. في وقت لاحق من ذلك اليوم ـ حرفيًا ذلك اليوم ـ أُلهم بالاتصال بوكيل أعماله الذي قضى أسابيعًا يحاول الوصول لكيلمر كي يعرف إن كان مهتمًا بأداء دور باتمان الذي قرر مايكل كيتون التوقف عن لعبه.
قصة أخرى: في الأيام السابقة لوقوع عينيه على زوجته السابقة جوان والي، حلم بأنه ألتقى المرأة المقدّرة له، وصحى ليكتب فورًا قصيدة بعنوان «لقد التقينا توًا لكن تزوجيني من فضلك». بعدها مباشرة سافر إلى لندن وشاهد مسرحية ليرى والي فيها. فُتن بها وتتبعها بعد العرض إلى حانة فقط كي يستمر في النظر إليها. كان الأمر جنونيًا حتى بالنسبة له لذا لم يأخذ أي خطوة. لكن بعد عامين، في 1987، وبالمصادفة البحتة، يتم اختيارها لتمثل أمامه في فيلم «صفصاف Willow» فينتهي الأمر بزواجهما.

لذا نعم، بإمكانه الحديث، وهي معجزة، لأنك إن امتلكت قدرًا كافيًا من الإيمان، فسترى كيف أن كل جزء من حياتك هو قطعة صغيرة من جزء أكبر منها. لا شيء يحدث مصادفة، وكل الأشياء جيدة.
كنا في مكتبه داخل «هيل ميل»: مساحة مكتبية ومعرض فني وستوديو للفنانين ومتحف لمسيرة كيلمر السينمائية. مساحة تحتل العديد من واجهات المتاجر وتغطي أكثر من نصف شارع ميلروز الكائن بين شارع إيدجمونت وطريق هيليوتروب في هوليوود. حسب برات كويبنك، صديق طفولته وشريكه في الأعمال، والذي كان موجودًا للمساعدة في فهم ما يقوله فال بصورة أفضل، فقد تم تأسيس «هيل ميل» بغرض أن تكون «مساحة مقدسة مرحة يجتمع فيها عدد من الفنانين المختارين مع آخرين مبتدئين للتعاون، ومن خلال التكنولوجيا الحديثة يحاولون الإلهام بالتغيير وبث العطاء في مجتمعنا المحلي المحروم».
من واجهات المتاجر: واجهة لمعرض فني تقليدي، الثانية نافذة داكنة تضم ثلاثة مكعبات سوداء حفر عليها بطلاء أبيض لفظ «الرب»، وخلفها مجموعة من تذكارات مسيرة فال كيلمر الطويلة والممتعة، الجوارب التي ارتداها عندما لعب دور دوك هوليداي في «شاهد القبر Tombstone»، قواعد مشروب جيم موريسون من فيلم «الأبواب The Doors»، ولوحات قام كيلمر نفسه برسمها، منها ما يتعلق بآلامه كرسم لشخصية آيسمان التي لعبها في «توب جان Top Gun» منقوش عبرها كلمة «حب»، وما لا علاقة له بالأفلام كلوحة لطائر طنان في غابة.
الواجهة الأخيرة هي باب يُفضي إلى قلب «هيل ميل» المدهش. بالداخل ستوديو لتسجيل البودكاست، ومنطقة مقهى، وقاعة عرض. تضم «هيل ميل» أيضًا مؤسسة أنشأها فال وكويبنك تحت اسم «هوس تواين»، تهدف لإرسال منهجها الخاص عن الأديب مارك تواين إلى المدارس. كذلك كل أسبوعين يؤدي طلبة المدارس العليا من منطقة جنوب وسط لوس أنجلوس عرض «هاملت» وبعض العروض الأخرى ضمن برنامج بعنوان «شكسبير بين المدن». في فبراير الماضي بدأت «هيل ميل» تنظيم فعاليات مختلفة: عرض لفيلم «شاهد القبر» وحفل لفيلم «صدى في الوادي Echo in the Canyon».
إنها باختصار الحاضنة الإبداعية لأحلام فال كليمر، ثمرة رؤية لطالما حلم بتحقيقها في مزرعته ذات الستة آلاف فدان في نيو مكسيكو، قبل أن يفقد معظم مساحة الأرض خلال أزمة الإسكان عام 2008. «الفكرة هي خلق نوع من الحياة النشطة. إنها نشطة وحيّة. أريد أن أشعر بالمكان على قيد الحياة، بإمكانك الإحساس بطاقته»، يشرح كيلمر هدفه.
هل سيغلق العالم أبوابه؟
جلس على مكتبه، بجانبه نسخة مقلدة من لوحة باعها لروبرت داوني جونيور، وعلى الجانب الآخر تمثال طوله قدمان لباتمان برأس مارك تواين. في الجوانب الأخرى أجهزة حواسب آبل من الثمانينيات والتسعينيات مطلية بدهان أحمر لامع وأعشاب مصبوغة بالذهبي. صندوق من نسخ فاخرة استلمها حديثًا لمذكراته المعنونة «أنا هكليبري خاصتك» التي كانت ضمن قائمة الأكثر مبيعًا في شهر أبريل، يتصدر غلافها صورة له ستداعب ذكرياتك عن التسعينيات.
على الحوائط المزيد من لوحاته، دفقات من الطلاء والراتنج والزيت وأحيانًا السبراي على ألواح من الألمونيوم المعاد تدويره، يرسمها عبر مزج الكيماويات ثم الرسم حتى يرى ما يبدو له شعورًا أو عنصرًا، عندها يضيف صورة لتعزز نظريته وتجعلها حقيقة. وقفت لأبدي إعجابي بمستطيل من الضباب الأزرق الرمادي حدده ليبدو كموجات المحيط، ثم أضاف عليه صورًا لأشخاص يسبحون ويقفزون في الماء واحدًا تلو الآخر.
من بين المشاريع الجارية في الاستوديو حوله، كان أكثر ما يثير اهتمامه فيلم تحريك قصير يصنعه عن مارك تواين، فيه ينام تواين ويحلم بقيامة المسيح، ليصحو فيجد أن ماري بيكر إيدي – مؤسسة جماعة العلم المسيحي التي يتبعها كيلمر – كانت على حق بخصوص كمال المسيح البارز، وأن نظريات السيدة إيدي – كما يحب فال أن يدعوها – دقيقة بخصوص قدره الإله على الشفاء. يحب فال كيلمر العديد من الأشياء، لكن صدارة القائمة بالتأكيد لمارك تواين والسيدة إيدي.
أراد كيلمر أن يُطلق الفيلم في مهرجان ساوث باي ساوثويست بعد أسابيع في بداية مارس. كانت الشائعات قد بدأت أن المهرجانات والحفلات ستُلغى وحتى السفر الجوي سيتم إيقافه، لكن كيلمر كان يؤمن إنه وفريق الفيلم حتى لو لم يتمكنوا من الطيران، سيأخذون سيارة وينطلقون إلى أوستن لعرض الفيلم الذي أسماه «مارك تواين يحلم بالقيامة». لم تدهشه الإشارات بأن العالم يبدو وكأنه يركع على ركبتيه، كان يؤمن أن بإمكانه إنهاء الفيلم والاتجاه به إلى أوستن، وليهتم باقي العالم بشؤونه بعيدًا عنه. لذا عندما سألني عن توقعي حول إلغاء ساوث باي ساوثويست أخبرته أنني لا أعرف. في نفس الوقت كانت الإدارات الصحية تطلب من الناس عدم تكديس الأقنعة الجراحية في منازلهم، وفي الصباح نفسه، أعلنت لوس أنجلوس حالة الطوارئ.
«ألا تعتقدين أننا سنذهب إلى كان»، يسألني كيلمر. «ماذا عن الأولمبياد؟ إنها لم تلغى إلا وقت الحرب العالمية». «لا يمكنهم إلغاء العالم، أليس كذلك؟ الأشياء السيئة تحدث لكننا نظل في حاجة للفن».
فكرت: بالتأكيد، نظل في حاجة للفن، نظل في حاجة لذلك الزخم إلى الأمام، نظل في حاجة للإيمان بأن كل جهودك لم تكن هباء، بأن بإمكاننا – وبأننا – سنتجاوز ذلك الزمن المظلم، وعندما يحدث ذلك، لن يحدث دون الفن الذي جعل تلك اللحظات قابلة للتفكيك واستخلاص المعنى، وبالتالي جعلنا قادرين على تحمّلها.
العالم في الخارج كان يبدو سيئًا للغاية، سيئًا للغاية لوقت طويل جدًا، وكانت هذه أول نفحة قوية تشملني بالأمل والإيجابية لفترة لا يمكنني أن أتذكر إن كانت لشهور أم سنين، كانت من القوة لدرجة أنني لم أتمكن من إدراكها وقت حدوثها. آخر بريق أمل أتاني من فال كيلمر؟ الممثل الضخم من شبابي، الذي اختفى طويلًا بصورة غير معلنة ليظهر مجددًا بهيئة مختلفة تمامًا وتبريرات عجائبية حول اختفائه؟
لكن شيئًا ما كان مألوفًا حول الأمر، شيء يشبه النبض الخافت الذي يأتي من داخلي. كان نوعًا خاصًا من التفاؤل يملكه المؤمنون فقط، اعتقاد راسخ بأن قوة ما ستظهر لتنتشلنا من مطحنة اليأس التي وجدنا أنفسنا داخلها. متى كانت آخر مرة واجهت هذا الشعور عن قرب؟
من هو فان كيلمر؟
قبل أن تتمكن من فهم قصة ما حدث لفال كيلمر، عليك أن تحدد في البداية ما كانه في المقام الأول. محاولة مقارنته بأي نجم سينمائي كان يعمل وقتها أو حتى يعمل الآن كفيلة بإحراق دوائر عقلك الكهربية. كان نجم سينمائي تقليدي يترقى اجتماعيًا، لكنه كان في الوقت نفسه شخصًا غريب الأطوار سرعان ما سيختفي.

في فيلمه الأول «سري للغاية-Top Secret! » (1984)، الذي كان استكمالًا لفيلم «طائرة Airplane!» صنعه نفس الفريق الإبداعي، لعب دور نجم روك في برلين الشرقية. كان الفيلم ظريفًا جدًا، وكان من الغريب أن ترى هذا الشاب الوسيم بشكل ملفت، بفكه الحاد وشعره السويدي الذهبي وقوس كيوبيد المرسوم على شفته العليا، وهو متمكن حقًا من النكتة؛ ففي الثمانينيات كان الشاب الوسيم ذهبي الشعر في الأغلب هو من تصيبه النكتة لا من يطلقها.
كان في طريقه لتقديم أدوار أكثر كلاسيكية عندما كان في جوليارد. شارك في عروض «أورستيس» و«شيطان الغابة»، كتب مع زملاء دراسته مسرحية أطلقوا عليها «كيف بدأ كل شيء»، استمر عرضها لمدة شهر على المسرح العام بعدما شاهدها المنتج المسرحي الشهير جو باب بنفسه في المدرسة. لعب بطولة «أولاد سلاب» مع شون بين وكيفن باكون، وقدم «عندما تحبها» في مينيابوليس مع باتي لوبون.
لكن بمجرد أن وقعت أعين هوليوود عليه، وضع سريعًا على حزام ناقل لتغيير مساره. نجاح «سري للغاية» منحه دور بطولة – نوعًا ما – في «عبقري حقيقي Real Genius». نوعًا ما تعني أن شخصية كريس نايت، العبقري اللامبالي الذي يعمل على شيء ما يتعلق بالليزر وموجات الراديو، كانت الشخصية التي تتصدر أفيش الفيلم الدعائي، لكنها ليست الشخصية التي تمتلك الرحلة الدرامية الأوضح، كان أقرب للأحمق الحكيم في مسرحيات شكسبير، ليحقق نجاحًا آخر في مسيرته.
ثم جاء 1986 ليشارك في «توب جَن Top Gun» ومن وقتها صار الجميع يعرف من هو فال كيلر، فكيف يمكن ألا تعرفه؟ آيسمان، الطيار الأفضل، الذي يجب على مافريك/ توم كروز أن يتغلب على أفضليته كي يصير «الأفضل بين الأفضل»! قد يكون كيلمر قد قال 17 كلمة فقط طيلة ظهوره في الفيلم، لكنه كان عملًا يمكنك فيه أن ترى موهبته الأعظم: أن يصنع شيئًا من لا شيء. أن يضخ نفَسًا حقيقيًا في شخصية كانت هناك فقط من أجل أن تهيئ الكرة كي يسجل مافريك الهدف.
إذا سألتني وقتها عما يجذبني إلى كيلمر، في الأغلب لم أكن لأتمكن من صياغة السبب في كلمات. بدلًا من ذلك، كنت لأتخيل رجلًا عاري الصدر (لا زلت أعاني لتخيل فال كليمر الشاب مرتديًا قميصه حتى الآن). لكن لم يكن جسده هو ما علق معي، كان جسديته، هو قدرته على تهيئة تلك الكرة، حين قدم أكثر تعازي الثمانينيات غرابة وذكورية بعد وفاة جوس، ضابط الاعتراض وصديق مافريك، خلال التدريبات. كان تركيزه الهائل والتزامه الجسدي الكامل خلال موقف غير مطلوب منه فيه سوى الوجود في الكادر هو ما أخذ أنفاسي.

قرأت في مكان ما أن تفاني كيلمر لمعايشة الدور وصل لأن كوّن فريقين، فريق آيسمان وفريق مافريك، من بين العاملين في طاقم الفيلم. أذكر أيضًا طريقة مضغه الساخرة للعلكة في لحظة اعتراف مافريك بأنه منافس خطير. في هذه اللقطة التي لا أتوقف عن إرسال صورتها المتحركة لأصدقائي ما هو أكثر من طريقة غريبة لإنهاء محادثة: إنها الغطرسة والرثاء والإحباط وأيًا كانت المشاعر التي تمتلكها عندما تعلم أن الابتسامة في وجه أحدهم ستوجعه أكثر من الإهانة.
الأدوار التالية أتت بشكل سريع نسبيًا: مادمارتجيان المجنون والجشع والمبهج في «صفصاف»، وفيه أتذكر صراخة وسبابه البطل بحيوية جذابة تجعلك تميل لصفه. «اقتلني مجددًا Kill Me Again» وفيه لعب دور محقق ساذج يصبح هدفًا لنصّابة ذكية (لعبتها زوجته آنذاك جوان والي). «الأبواب»، فيلم أوليفر ستون الذي يتصدر أسباب الاستمتاع بمشاهدته أداء كيلمر لشخصية جيم موريسون، أداء منهجي وعميق للدور يجعلني دائمًا – وبعد كل مشاهدة – أظل عاجزة عن تذكر هيئة وصوت جيم موريسون الحقيقي. ثم الفيلم المحبب «شاهد القبر»، بأداء منهجي آخر لدور طبيب الأسنان دوك هوليداي، المتعرق الجبان الذي يلهث بين أنفاس سيجارته.
مأساة أن تصير نجمًا هوليوودًا
عند ذلك الوقت بدأ كيلمر وجمهوره في مواجهة مشكلة: إذا كنت تمثل بهذه الجودة، وجسدك يبدو خارقًا، جاذبيتك تزيد عندما تخلع قميصك، بل وتبدو راغبًا في أن تخلعه، فأنت إذن مرشح مثالي لترقية، وقد كان، صعد كيلمر إلى المستوى الأعلى. سريعًا ما أصبح بطلًا لأفلام كانت أو كان من المفترض أن تكون ضخمة الجماهيرية: «باتمان للأبد Batman Forever»، «جزيرة الدكتور مورو The Island of Dr. Moreau» و«القديس The Saint».

لم يكن كيلمر سيئًا في تلك الأفلام. تحديدًا، بدا الأمر وكأن كل العناصر تواجدت لكنها لم تتمكن من التوحد لتنتج جسدًا واحدًا حقيقيًا، كان الكل أقل من مجموع أجزاءه. جاك أندروز في «اقتلني مجددًا» هو شخصية يفترض أن تشبه كل رجل، لكنه في الواقع غائب كإنسان، جسد بلا روح. في «قلب عاصف Thunderheart» لعب دور محقق فيدالي اعتيادي ذي جذور من السكان الأصليين لأميركا، لم أتمكن من النفاذ لما هو أبعد من ذلك. وفي «باتمان للأبد»، بالكاد حرك وجهه، لتأتي المراجعات: جانيت ماسلين كتبت أن كيلمر «تعثر في سمات الرجل المستقيم في الدور»، بينما وصفه روجر إيبرت بأنه كان «مقبول تمامًا».
بدأت الأنباء تتوالى بوجود مشكلات في التصوير، أنه يشتكي باستمرار ويطلب طلبات مستحيلة، أنه وقح مع زملائه ويظل داخل الشخصية طوال الوقت، وأنه لا يكلف نفسه حتى بأبسط المجاملات للعاملين في الفيلم. أنه تشاجر مع أوليفر ستون حول تمجيد تعاطي المخدرات في فيلم هو حرفيًا عن جيم موريسون. أن كيلمر – الملتزم بالتمثيل المنهجي حتى خلال اختبارات الأداء – تعامل بعنف مع امرأة خلال تجربة أداء أمام ستون ومدير اختيار الممثلين عندما انجرف في لحظة مشحونة عاطفيًا. (أنتهى الحادث بتسوية رغم تأكيده أن الممثلة هي من هاجمته، بينما قال مدير اختيار الممثلين أن كلاهما كان يؤدي بشكل جسدي مما ساهم في تصعيد الموقف). جول شوماخر أطلق عليه «ذهاني» في مقابلة صحفية بعد باتمان للأبد»، والذي كان من المفترض أن يلعب بطولة أجزائه التالية.
هناك روايات كثيرة عن أسباب استبداله بجورج كلوني. يقول كيلمر أن السبب هو تضارب مواعيد التصوير مع فيلم «القديس» الذي كان قد وقع عقوده بالفعل، بينما يؤكد أحد المصادر أن سبب الاستبعاد كان المخرج. مصادر عديدة قالت أنه قد لسع وجه أحد أفراد طاقم تصوير «جزيرة الدكتور مورو» بسيجارته، بينما يصر هو أن الحادث وقع بسبب مطالبة مدير التصوير إياه أن ينفث دخان السيجارة في مكان قريب جدًا من الكاميرا التي كان عضو الطاقم يقف بجوارها. «أي نوع من البشر يمكنه أن يتعمد فعل ذلك في زميل يقضي معه 15 ساعة من العمل يوميًا؟ وهو على مسافة تقل أحيانًا عن القدم؟ هذا جنون!»، يؤكد فال.
كل هذا يوضح لماذا كان صعبًا أن نعرف حقيقة ما كان عليه فال كليمر. كل حياته تتعلق برواية الحكايات، لكن عند هذه النقطة لم يعرف أي حكاية عليه أن يرويها.
يمكنه الآن تحليل الأمور بشكل أفضل من وقتها، كان سيختار أدواره بشكل آخر. كانوا يعرضون عليه أفلام كبيرة تدر الربح، ولم تكن قدراته محلًا للشك. كانت موهبته واضحة وخفية معًا، لدرجة أنه كان الجزء الذي يمكن تذكره من أعمال قام بالكاد بدعمها، ورغم ذلك ظل ظهوره فيها – للمفاجأة – مُشعًا.
لم يكن في إمكانه التعامل مع ما يحدث له، لقد دخل مجال التمثيل لرغبته أداء أدوار جادة، لكن كلما كبر اسمه، كلما عُرضت عليه فقط أدوار خاوية وسطحية. «لقد كانت جميعها سخيفة في نظري»، أخبرني في مكتبه. «لقد ظللت أتدرب عشر سنوات لقيام بأدور مثل هاملت».
لطالما رأى نفسه ممثل شخصيات، بوسعه أن يؤدي «مائة صوت مختلف ومليون تعبير»، يقول أنه كان يحب أن يصير ممثلًا دائمًا في فريق «ساترداي نايت لايف Saturday Night Live» ليُظهر ذلك. «لم تكن الشهرة أولويتي، لكني نلتها».

ألا تكون توم كروز
إذا قرأت صحافة وقت أداءه لباتمان، ستجد كل ما يقوله في المقابلات هو شكاوى من ارتداء حلة الوطواط، أحب وصفها بكونها «تجربة ضرب Battering Experience» متلاعبًا بالكلمات مازجًا كلمة وطواط بمعنى التعرض للضرب. في مقابلاته كثيرًا ما استحضر توم كروز أيضًا، وبالتحديد ميله للأفلام التي بدلًا من أن يهرب فيها من صورتهم القديمة كشباب لامعي الأجساد يلعبون الكرة الطائرة، تجده يهرع عائدًا إليها.
«بالتأكيد لدي مسيرة فنية مختلفة عن توم. لا يمكنك أبدًا معرفة إن كان عملك القادم سينجح جماهيريًا أم لا، وأظن أن الحياة أقصر من تضييعها في التفكير بأمور كهذه» – لوس أنجلوس تايمز 31 ديسمبر 1993
«ليس لدي شيء ضد توم كروز، ولكن يبدو أن عليه أن يملك قدرة كبيرة على التعامل مع الجانب التجاري للأفلام» – ديتيلز يونيو 1995
المحاور: «وماذا عن توم كروز؟ هل تسخر منه أحيانًا؟»
كيلمر: «لا يمكنك أن تسخر من توم كروز. ياله من مسكين!» – إنترفيو 21 مارس 2011
ربما كان يشعر بالغيرة من حصول كروز على كل أدوار البطولة التي ينالها، ربما لم يمكنه تحمل ضغوط أن تكون بطل العمل، ربما احترق من كل الأداء المنهجي وتقمص الشخصيات. لكن هذا ليس صحيحًا، نظرية الاحتراق تتجاهل أنه لا يزال يؤدي الأدوار الداعمة بنفس الجاذبية: شخصيته المستوحاة من إلفيس بريسلي في «رومانسية صادقة True Romance»، حين يسطع في دور لا يظهر حتى وجهه فيه. دور سارق البنك في «حرارة Heat». انس مشهد تبادل النيران الذي يتحدث عنه الجميع، فأكثر لحظات الفيلم سحرًا هي المشهد الذي لا يتجاوز 40 ثانية عندما يشاهد موظفًا يتأكد من أن هويته المزيفة حقيقية.
لا، المشكلة كانت أنه تدرب على أداء الأدوار التي يجد نفسه فيها، وهو لم يتمكن من إيجاد نفسه الأدوار الاعتيادية، وفي الوقت الذي بزغ فيه كنجم سينمائي كانت الأدوار الاعتيادية هي كل ما يتوفر، حكايات التسعينيات القياسية عن الرجل العادي في الظروف الاستثنائية. أعظم أدوار كيلمر كانت دائمًا الشخصيات الداعمة، أدوار الرجال المضطربين ذوي الأرواح المتكسرة ذهبت لممثلين غيره، فمن كان يصدق أن رجلًا يشبهه لديه متاعب حقيقية أو روح جريحة؟
الشيطان يرسل ليموزين
لكن لم يكن في إمكانه أيضًا أن يتراجع ويعكس مساره، أغواه أسلوب الحياة. انظر لصوره مع شير عام 1984، انظر للفخر، كان مستمتعًا بأن يسير وذراعه متشابكة مع ذراع شير. يذكره هذا بعبارة سمعها «الله يريدنا أن نمشي، بينما يرسل لنا الشيطان ليموزين». تلقى دعوة للذهاب إلى تونجا مع تاداشي سوزوكي، الذي يُطلق عليه «ستانسلافسكي الياباني»، لكنه رفضها. لم يكن يريد أن يقول لهوليوود نعم، لكن انظر للصورة مجددًا: كيف يمكنك أن تقول لا؟

في الوقت الذي أدرك فيه مدى بؤسه، كان الأوان قد فات. حاول أن يصاحب هذه الأفلام بمحاولات فنية أخرى تغذي روحه. بدأ العمل على فيلم وثائقي حول نزع السلاح النووي عام 1983 عندما كان يصوّر «عبقري حقيقي». وعندما كان يصوّر «أرض العجائب Wonderland» عام 2003، في دور نجم الأفلام الإباحية جون هولمز، كان يتحصن مع علي البرزي، أحد رعاة صديقه مصور الحياة البرية بيتر بريد، ليقوما بتصوير مجموعة من الصور ثم صنع كولاج منها مع قطع من سيناريو الفيلم ويعلقانها على جدران قلعة مارمونت ثم يسكبان عليها الدماء. مشروع فني معقد لا أفهمه بالكامل.
وافق على الأدوار، وكان يتخيل إنه عندما يمتلك القدر الكافي من المال، سيتمكن من الخروج بما يكفي لرعاية مزرعته العملاقة في سانتافي، بحيواناتها وموظفيها، وكذلك لرعاية الفنانين الذين أراد دعوتهم إليها. «لقد قامرت بقدرتي أن أحافظ على الوضع، وربحت الرهان باستثناء عام 2008». وقتها لم يفقد فقط مكانته في هوليوود، بل والغنيمة التي أراد الهرب بها، مزرعته، فقد فقدت نصف قيمتها واضطر لبيع معظمها. «فقدت منزلي كما فقد مليون شخص آخر منازلهم، كان أمرًا مروعًا».
مشكلة الأدوار تم حلها عندما لم يعد أحد يرغب في العمل معه بعد الآن، ذهبت الأدوار لأشخاص يفترض أنهم لم يعرفوا بالقسوة تجاه طواقم الأفلام. توقف الهاتف عن الرنين، وفي كتابه وصف الفترة على النحو التالي: «في محاولة لا تتزعزع لتمكين المخرجين والممثلين وغيرهم من المتعاونين من تكريم حقيقة وجوهر كل مشروع، محاولة لتنفس حياة سوزوكي في عدد لا يحصى من لحظات هوليوود، تم وصمي بالصعوبة واستبعادي من رأس كل ستوديو كبير».
يقول أنها ليست محاولة للاعتذار (وهو أمر واضح) ولكن لتوضيح سبب تصرفه بهذه الطريقة التي تصرف بها. «على كل إنسان أن يسعى لخلاصه الذاتي»، يقولها لي. «كيف نعيش وبأي أخلاقيات؟ وقد وجدت أن الجزء الذي أشعر بالسوء تجاهه هو إيلام شخص ما خلال العملية».
يتذكر واقعة من وقت لعبه شخصية باتمان. في يوم أنهى فيه التصوير وكان يستعد لخلع حلة الوطواط وصل رجل الأعمال الشهير وارين بوفيت وأحفاده الذي أرادوا مقابلة الرجل الوطواط. اضطر كيلمر للبقاء بالحلة، لكنهم لم يريدوا الحديث معه. بل أرادوا ارتداء القناع وركوب سيارة باتمان. فهم وقتها أن باتمان ليس من المفترض أن يكون رجلًا حقيقيًا، بل يجب أن يكون مجهولًا بحيث يمكن لأي شخص يشاهده أن يرى نفسه مكانه. «لهذا من السهل جدًا أن يكون هناك خمسة أو ستة باتمان»، يقولها الآن. «لا يتعلق الأمر بباتمان، لا يوجد باتمان». لذا فما هذا الذي عليك أن تفعله؟ أن تكون رجلًا يحاول قدر الإمكان أن يكون غير محدد. كان يبدو رائعًا في حلة الوطواط، لكن عندما خلعها أصبح أخيرًا حرًا.

اقتراح بسرطان الحلق
أترى ماذا فعل هناك؟ أترى هل عمل كل شيء بشكل طيب؟ هذه نهاية سعيدة لقصة حزينة. الدرس هنا في حالة كيلمر الدائمة أنك إن تحليت بما يكفي من الإيمان، إذا تمكنت من النظر بعيدًا وتذكُّر أن الأمور ستسير نحو ما هو جيد، فالقدر يتولى المسؤولية. أقول هذا كي أعدك لقصة ما حدث لجسده؛ لأنه إذا كنت تعتقد أن تحويل قصة مسيرة مهنية منفجرة إلى سيناريو مثالي أمر مثير للإعجاب، فعليك أن تنتظر لتسمع حكاية فال كيلمر مع السرطان.
بحلول عام 2014، كان يعيش الحياة التي يحبها. لم يعد مرتبطًا بتعاقدات أفلام كبيرة من التي لا يستطيع منحها قلبه. كان لديه بعض المال، وبيت في ماليبو، أولاده قريبون، ويمكنه أخيرًا أن يفعل ما يريد.
بدأ في اختيار المشاريع التي تهمه. فيلم التحريك القصير «مارك تواين يحلم بالقيامة» ليس أول فيلم يصنعه عن تواين، وليس حتى الثاني، بل سمعت أن هناك سيناريو آخر لفيلم طويل كذلك. لكن الحدث الرئيسي كان فيلمًا بعنوان «المواطن تواين Citizen Twain»، تم تصويره كأداء حي يرتدي فال كليمر فيه ملابس مارك تواين ويؤدي عرضًا كوميديًا عن تواين والعلم المسيحي.
خذ دقيقة مع هذه الجملة. ذهبت في ليلة جمعة ممطرة لمشاهدة «المواطن تواين» في كلية ستيتن آيلاند، في مسرح نصف ممتلئ أذكره كحلم ليلة حُمّى. ليس هناك ما يكفي من الدعاية لتهيئتك لغرابة الفيلم وتفصيله وصدقه، لهذا القدر من الدفء المبهج لدى فال كيلمر، والذي لن تراه أبدًا أسعد من لحظة تقديمه عرضه الذي يمزج الفيلم بالأداء الحيّ. أما الآن، وفي ظل حالته الصوتية، فقد صار الفيلم أداءً مصورًا بالكامل، نادرًا ما يقوم كيلمر بتقديمه.
موضوعات «المواطن تواين» تتباين بين مشروب سارساباريلا إلى تصرف أعضاء الكونجرس بغباء، من مقولات مارك تواين لمقولات السيدة إيدي إلى مقولات من ابتكار فال كيلمر يتمنى لو كان أحدهما قد قالها. كان هناك، يستخدم شهرته وموهبته، مع بعض الأطراف الصناعية المطاطية الثقيلة (مارك تواين كان أشياءً عديدة لكنه لم يكن رجلًا يشبه فال كيلمر)، كي يفعل أخيرًا أمرًا أراد فعله، وهو أن يخلق بنفسه علاقة بين شخصين يقدسهما كليًا، لكنهما على خلاف تقريبًا في كل شيء.
صمويل كليمنس كان رجلًا مسيحيًا عقلانيًا بدا مرتعبًا بعض الشيء من تفسيرات السيدة إيدي للكتاب المقدس، وزعمها أن الشفاء أمر قد ينتج عن الصلاة وليس عن العلاج بالأدوية. كتب عنها كتابًا اسمه «العلم المسيحي» يسخر فيه تقريبًا من كل أفكارها. لكن كيلمر يعتقد أن الكتاب كان سببه فقط انجذاب الرجل إليها. مع كل عمل يقترب كيلمر أكثر من جعل العالم يتوافق أكثر لما يتمناه: مكان فيه الشخصيتين التاريخيتين اللتين يحبهما أكثر من أي شيء، لم يعودا قطبين متنافرين وإنما متجاورين مغناطيسيًا.
لا يتذكر كيلمر متى عاد مارك تواين لحياته مرة أخرى، وبالطبع لا يعرف متى أدرك أن عمل حياته سيكون متعلقًا بدمج رؤى تواين وإيدي لتصير واحدًا. ولا يمكنه قطعًا تحديد العام الذي بدأت فيه أعراض ما يسميه الآخرون (أصحاب الدرجات الطبية الذين فحصوه) بسرطان الحلق. يرجع ذلك جزئيًا لأنه يتعب عندما يتحدث الآن، ولكنه في الغالب لأنه من الصعب تتبع الوقت وتحديد المسافة عندما لا تؤمن بهما.
أقرب ما يمكنني قوله، أنه في 2014 كان في جولة لعرض «المواطن تواين»، ليكتشف في ناشفيل كتلة كبيرة في حنجرته. لاقى صعوبات في البلع واضطر لإلغاء العرض. كان يعاني من أعراض لفترة، واستيقظ مرة أو مرتين في ماليبو داخل بركة من دمائه. الطبيب أخبره أنه سرطان الحلق، أو كما أخبرني كيلمر أن العلم المسيحي يسميه «اقتراح بسرطان الحلق»، بما يعني في الطائفة «أن الفكرة ألا تقول أن لديك المرض، فهذا ادعاء، وإنما الأمر اقتراح بأن تكون هذه هي الحقيقة».
كان يعلم أن العلاج بالنسبة له هو المتابعة مع الممارس الخاص به، والممارس هو نسخة العلم المسيحي من المستشار الروحاني، أن يصلي لطرد خوفه مما يجعل جسده يتوقف عن «إظهار ما يمكن تشخيصه مرضًا». بمعنى أنه ليس في الحقيقة مصابًا بالسرطان، وإنما هو خوف يعبر عن نفسه. فكر في خسارته أرضه وحسابات مسيرته المهنية، فكان عليه أن يذهب ويصلي ليعد تحديد موقع الإيمان داخل نفسه.
لكن الأمر ليس سهلًا، فلديه أبناء، ابن بالغ وابنة جاءت عندما كان زواجه بجوان والي لا يزال قائمًا، وكلاهما لا ينتمي للعلم المسيحي. أسرته لم تدعه يذهب ليتلقى العلاج بمفرده؛ فالسرطان – كما يعرفونه – مرض قابل للانتشار، مما دفعه للاستجابة. «لم أرغب في تجربة خوفهما الذي كان عميقًا»، يوضح فال. «كان على أن أذهب بعيدًا، ولم أرغب أن أكون دونهما».
خضع لجراحة في ذلك العام، تلاها علاج كيماوي وإشعاعي. «لقد دمر العلاج حلقي بالكامل، لا يزال حتى الآن جافًا كالعظم». وتركه الأمر معتمدًا على أنبوب لثقب القصبة الهوائية وآخر للطعام. من وقتها، بدأنا نرى كيلمر يضع أوشحة دائمًا، مع ميل قليل لرأسه وكأنه رقبته لم تعد قادرة على حمله. في 2016، كان مايكل دوجلاس يجري لقاءات صحفية بعد علاجه من السرطان، سأله أحد المراسلين عن فيلم «الشبح والظلام The Ghost and the Darkness»، ليقول دوجلاس أن فال كيلمر الذي شاركه بطولة الفيلم يعاني من نفس المرض الذي عولج منه، لكن كيلمر نفى الأمر وكتب على موقع فيس بوك أنه لا يعاني من «أي سرطان على الإطلاق».

سألته لماذا نفى إصابته بالسرطان، بينما بدى لي – بناءً على أن ما وصفه هو بالضبط علاج سرطان الحلق – الذي عولج منه في الأرجح. فأجابني «لأنني لم يكن لدي سرطان».
رمشت عدة مرات وأكمل: «قالوا أنني أنكرت إصابتي بالسرطان، ولكن عندما سألوني لم يكن لدي المرض. السؤال كان أشبه بسؤال هل أحد عظامك مكسورة؟ إذا كنت قد كسرت ساقك في المدرسة الثانوية فستجيب بلا». يكمل الحكي «فجأة أصبحت مشتبهًا فيه. كان لدي عظام مكسورة، لكن لماذا تتصرفون بهذه العدوانية؟ كان ساقي مكسورة. إذن لديك ساق مكسورة. لا، لا، ليست مكسورة. أقول: كان لدي ساق مكسورة».
يؤكد أنه ليس عدم اكتراث، لكنه الفن المفقود للشفاء المسيحي. «لا يوجد شيء جيد وآخر سيئ ولكن الأفكار هي ما تجعله هكذا». يقتبس كلمات السيدة إيدي التي اقتبست بدورها هاملت: «لقد صليت، وكان هذا شكل العلاج الخاص بي». فعل الأطباء الأشياء الأخرى، لكن الصلاة هي سبب العلاج، يؤمن بهذا. لم يعد يعاني من السرطان، أو ربما لم يصب به من الأساس، يشكك في الأمر، لكنه يعاني من شيء مختلف. يشير لأنبوب ثقب القصبة الهوائية ويقول «هذا من الإشعاع والعلاج الكيماوي، ليس من السرطان». يصر على أن صلاته كانت العلاج الحقيقي، بينما كان العلاج الطبي سببًا لمعاناته.
في انتظار وهم الموت
في اليوم التالي جلس على طاولة في «هيل ميل» وأخرج صندق تبريد أحمر، أخرج منه عدة سوائل أخذ يمزجها ثم وضعها في محقن. فتح قميصه وأزال غطاء منفذ التغذية وحقن الطعام داخل الأنبوب. كان وقت الغذاء.
لم يعد لديه رذائل بعد الآن، يشاهد جميع برامج الطهي في التلفزيون، ويتوق للوقت الذي سيمكنه فيه الأكل مجددًا، على الرغم من مرور سنوات وعدم تأكده من الوقت الذي سيحتاجه. عندما سيحدث – يشمر أكمامه ويضع ذراعيه في وضعية الاستعداد للأكل – «سأبدو مثل أورسون ويلز».
يبلغ الآن 61 عامًا، ولا يزال وسيمًا. شعره لا يزال أشقرًا، وعيناه بنفس الخضار الذي لا يمكن تشبيهه إلا بعشب أوريجون بعد المطر. فكه لا يزال كلمة السر، ارتباط خديه بالمنطقة بين أنفه وشفته العليا وصولًا لفكه السفلي، تعطي فكه العلوي شكلًا غائرًا يمنح وجهه أبعادًا جيولوجية رومانسية. كان يرتدي عقدًا ثقيلًا من المرجان والفيروز ظلت والدته – التي رحلت العام الماضي – ترتديه طيلة عشرين عامًا، بصحبة سوارها الفيروزي.

يخبرني إنه لم يشعر أبدًا بالخوف خلال تلقيه العلاج. عندما كان بصدد التخرج من المدرسة العليا، غرق أخوه ويسلي، الذي كان قد شُخّص بمرض الصرع، في حوض السباحة الخاص بالعائلة. يروي أن ويسلي كان فائق العبقرية، فنان موهوب صنع أفلام تحريك بتقنية الستوب موشن تسبق زمنه. فال لا يزال يتحدث مع ويسلي، الذي يظهر له في مكتبه ليتبادلا الأحاديث والأفكار. أمه أيضًا زارته مؤخرًا، وبدت «كأنها في حفل، أخبرتني كم هي سعيدة بلم شملها على زوجها وعلى ويسلي، كانت في سعادة بالغة».
الموت ليس موتًا في العلم المسيحي. الأمر ببساطة أن للبشر قيود أحدها أننا لا ندرك الآخرين إلا من خلال الحواس الخمس. عندما يموت أحدهم لا يذهب، فقط يصبح خفيًا لحواسنا. لذا فإذا صلى أحد المنتمين للعلم المسيحي ثم مات (وفقًا لتعريفاتنا القياسية للموت)، فهذا لا يعني أن الصلوات لم تنجح. أو كما قال كيلمر عندما كان يرتدي ملابس مارك تواين: «كل الصلوات يُستجاب لها، فقط نحن لا نحب الإجابة أحيانًا».
لذا فكيف يمكن أن يخاف السرطان بينما لا يوجد شيء يُدعى سرطان؟ كيف يمكن أن يخاف الموت إذا لم يكن مؤمنًا بوجوده؟ الإجابة هي لا، لا ينبغي الخوف. «يأتي شخص ما ويخبرك أن أمامك أربعة أشهر لتعيشها، بينما الوقت مفهوم بشري. أما إذا وصفت المفهوم الإلهي للوقت، فلا يوجد وقت من الأساس».
خلع أنبوب ثقب القصبة الهوائية، رغم من أنه في كل مرة يفعلها تعرض لانتكاسة: سعال أو نزلة برد أو حمى. لكن لماذا كل هذا الحديث عن الوقت الذي تجلى فيه الخوف في جسده؟ لقد واجهه وتغلب عليه، وهو الآن على الضفة الأخرى، يعيش حياته أخيرًا كما رغب. وفي الوقت الذي قابلته خلاله، كان قد أخذ «المواطن تواين» بالفعل لأكثر من 30 مدينة.
«أشعر أنه لم يكن من الممكن أن أكون في مكان أفضل لجذب أدوار أفضل وأفضل»، يقولها. «إذا كان الممثل محظوظًا كفاية ليفعل ذلك، لتوجيه مساره الخاص وامتلاك مواده الخاصة، سيمكنه أن يتحكم في مصيره ويخلق منتجاته الخاصة». يتحدث عن استفادة كلا من إيرفن وينكلر وفرانسيس فورد كوبولا من ثرواتهما لإنجاز مشروعاتهما الخاصة. يطبق الأمر على نفسه «لم أختر موضوعات مثل الملاكمة أو الغيرة أو الجنون الجامح. مارك تواين وماري بيكر إيدي هما موضوع الفيلم الذي خصصت له عشرين عامًا من حياتي».
يقول إنه صوّر خمسة أدوار هذا العام حتى الآن. تأتي الفرص بهذه الطريقة فقط عندنا تصير في حالة سلام وتتوقف عن مطاردتها بيأس. هناك جزء جديد من «توب جَن» سيُعرض هذا العام، وهو مشارك به. ليس مسموحًا له أن يدلي بأي معلومة بخلاف مشاركته في الفيلم، وإنه بدلًا من أن يكون عدو مافريك فقد تغير الحال وأصبحا صديقين. «هذه المرة نحن أصدقاء»، يؤكدها كيلمر.
تأملات في سيرة عجائبية
أثناء خروجي من «هيل ميل» ذلك اليوم قدم لي فال هدية: اللوحة التجريدية التي أبديت إعجابي بها في اليوم السابق، التي لصق فيها صور السباحون على الموجات الزرقاء. أخبرته أنني لا يمكني قبولها، فسياسة نيويورك تايمز تمنعني من قبول أي هدايا حتى لو كانت أبسط من ذلك. وضعت اللوحة على مكتب، ليطلب من براد كوبينيك الذي ظل معنا طوال المقابلات أن يأخذ اللوحة إلى سيارتي ولا يسمح لي بالمغادرة دونها. أخذت اللوحة ووضعتها في المقعد المجاور لي وشددت عليها حزام الأمان، ليصاحبني سباحو فال كيلمر في طريق عودتي إلى ميلروز. بصراحة، انتابني شعور طيب بالخفة، كان قضاء يومي بصحبة رجل لا يؤمن بالموت أشبه بالترياق لسماع قصص الخوف الآتية من راديو السيارة كالمعتاد. شعور طيب لدرجة أنني بدلًا من عبور جادة كاهوينجا لأصل إلى الفندق، انعطفت عن مساري وذهبت للسينما، بالطريقة التي اعتدت عليها في شبابي.

جلست في السينما أشاهد «بورتريه لامرأة مشتعلة Portrait of a Lady on Fire» وأفكر في القصص التي أخبرني كيلمر بها: عن حادث تعرضت له ابنته عندما كانت تسير في سانتا مونيكا لتصدمها سيارة فتطيح بها لتخترق واجهة متجر، لكن واجهة المتجر كانت خالية، لينتهي الأمر رغم تحطيمها الزجاج بخروجها سالمة. عن مرة كان يقود فيها من مزرعته إلى المطار وظهرت فجأة سيارة تترنح على الطريق. كان يقود بسرعة تمنعه من التوقف، وتمكن بصورة غير مفهومة من تخطي السيارة دون اصطدام. كان قريبًا لدرجة تمكنه من رؤية شامة على عنق سائق السيارة الأخرى. عبره من خلاله دون أن يحدث اضطراب مادي للأجساد أو المركبات. هذه أشياء حدثت لأنه كان يصلي طوال حياته.
لكن الشيء الآخر الذي ظل يفعله طيلة حياته هو سرد هذه الحكايات، وتعديل الطريقة التي نسير بها باستمرار على حافة زوالنا الوشيك (بالطبع هو وشيك إن كنت تؤمن بالوقت وزوال إن كنت تؤمن بالموت)، ومحاولة فهم منطق ما قد يحدث لشخص في أي لحظة: شخص متدين، يحاول أن يكون جيدًا في العالم. أن تصطدم سيارة ابنته؟ أنه كان من الممكن أن يلقى نحبه في الطريق إلى المطار؟ أن تتحطم سمعته؟ أن يعيش بثقب في حلقه؟ من يستطيع أن يلوم شخص يحاول خلق منطق للانعطافات الفوضوية لحياته عبر الحكاية؟ بل أكثر من ذلك: هل كان لديه شيئًا آخر ليفعله؟
عندما أخبرني بهذه القصص، أخبرته أن من الصعب عليّ تصديق أن الإنسان يمكنه أن يشفي نفسه أو يمنع كارثة فقط بالصلاة. فقال: «ليس الأمر بهذه الصعوبة». وشعرت أنه بمرور الأيام، يصبح فهمه أمرًا أسهل.
كانت نيويورك تايمز قد طالبت مراسليها بترك مواقعهم والعودة للعمل من المنزل، لذا فقد اتجهت إلى المطار في الصباح التالي بصحبة حقيبتي واللوحة التي قطعت عهدًا أمام نفسي بشحنها مجددًا إلى كيلمر عندما أصل المنزل. كان الجميع في الطائرة يرتدون كمامات ويطهرون أكواب المشروبات، بينما رحت أنا في النوم وأنا أشعر بالسوء من أجلهم.
ألغي مهرجان ساوث باي ساوثويست حتى قبل أن تهبط طائرتي، كان تم تأجيله، تليه الألعاب الأوليمبية، في الأسابيع التالية ألغي كل شيء: المدارس والخروج والأحضان. المصور بيتر بريد اختفى ولم يعرف أحد مكانه، وخرج كيلمر ليتمشى مع علي البرزي الذي كان متوترًا. كانت أطول تمشية يقوم بها كيلمر منذ زمن طويل، وخلالها لاحظ قيام طائرين طنانين بتتبعهما.
«لطالما كانت الطيور جزءًا من حياتي»، أرسلها لي كيلمر في رسالة نصية. هي نذير الحياة والموت». كان يؤمن أن الطيور الطنانة حملت له رسالة بخصوص بيتر بريد، وفكرت وقتها كم هو جميل هذا الشعور.
ربما خلقنا فيروس كورونا بسبب خوفنا وشرنا. الأطفال في أقفاص والأثرياء يراكمون الثروة. ربما كان لدينا فقط «اقتراح» بوجود الفيروس. لقد كبرت أيضًا وحولي كثير من المسيحيين في المنزل. وجدت هذا التصور سهل التصديق، على الأقل تصديقه أسهل من حقيقة إنه في 2020، أصدقائي الشباب ذوي الصحة الجيدة محتجزين في المستشفيات. أن الشوارع خاوية وأنا محتجزة في منزلي ولا أحد يعلم إلى متى قد يمتد الحال.
لأيام قليلة، أمعنت النظر في اللوحة الجميلة، والتي سأعيدها بالتأكيد عندما يكون قطع رحلة غير ضرورية إلى مكتب البريد أمرًا آمنًا. كان من الصعوبة بمكان تحليل كل هذا الخوف الذي تغلغل في المجتمع، ما الحقيقي منه وما الناتج عن الهستيريا داخلنا. خلال ذلك اليوم أدركت أن الخوف هو أكثر ما يؤلمنا.
لكن في الليل يوقظني زوجي لأنني كنت أبكي أثناء نومي. بسرعة أكبر مما تخيلت، أخذ العالم هلوسته وألقاها عليّ خلال النوم، في وقت يبدو كل ما فيه ضخمًا وعصيًا على الفهم. هوامش تعليق عدم إيماني بدأت تغلق على نفسها، وبدأت حدود الأشياء في التلاشي. وبدا العالم وكأنه كلمة تحدق فيها لفترة طويلة حتى تصبح هراء. أعدت مشاهدة كل أفلام فال كيلمر، لتدهشني هذه المرة بكونها تجسيدًا لعالم لم يوجد أبدًا، بل لم يكن من الممكن أن يوجد: ما هو الطيار المقاتل الذي يتعرق بلا قميص؟ ما هو طبيب أسنان المصاب بالسل؟ ما هو تبادل النيران في وسط مدينة لوس أنجلوس؟ ما هي سيارة باتمان؟ ما هو الملك السحلية؟
وسط كل هذا تلقيت مكالمة هاتفية. ليديا، أحد أقدم وأقرب صديقاتي اتصلت لتخبرني أنها مصابة بسرطان الحلق. كنت قد قابلتها منذ عدة أسابيع وأخبرتني أنها تعاني من نوبات التهاب في الحنجرة. لكنها الآن شُخصت بالفعل، في المرحلة صفر، لم ينتشر المرض بعد. بكيت معها في الهاتف.
لكنني أيضًا كنت هنا، أتاني الخبر وأنا أكتب مقالًا عن رجل أصيب بالمرض نفسه. اتصلت بكيلمر وأخبرته عن ليديا، وسألته إن كان لديه ما ينصحها به. فقال إنها «يمكنها أن تشفى في أي وقت، قد يحدث ذلك الآن أو وهي في طريقها إلى المستشفى أو حتى خلال إجراء الطبيب جراحة لها». اتصلت بها وأخبرتها ما قاله، ولسبب ما أصيب كلانا بالدوار.
بعد عدة أيام تأجلت جراحتها بسبب فيروس كورونا، ونحن غير متأكدين – حتى خلال كتابة هذه السطور – مما سيحدث، خاصة وأن السرطان قد ينتشر. شعرت بالغباء من محاولتي العثور على معنى وأمل مما يحدث لليديا، شعرت بالغباء لمحاولتي أن أجعل الأمر قصة تخصنا.
وفي النهاية
خلال أسبوعين فقط، بدا النخيل المواجه للسماء الزرقاء في هيل ميل شيئًا قمت باختراعه، شيء لا يقل غرابة عن جسد باتمان برأس مارك تواين. هل كان ذلك حقيقًا؟ أخرجت هاتفي وبحثت في الصور لأجد صورة التقطتها له كي أتأكد.
الآن أدرك أن القصة التي كنت أرويها عن فال كيلمر، والتي اعتقدت أنها عن إيمان الرجل وتفاؤله الذي لا يكل، كانت في الحقيقة عن المصالحة: أن يكون حاصل ضرب أمرين متناقضين هو شيء نُقسم على وجوده رغم أن كل القرائن تنفي ذلك. جمالك قد يقودك للبؤس. فال كيلمر يعيش بأنبوب ثقب في قصبته الهوائية، لكن يمكنه الحديث. أخوه مات، لكن فقط بالنسبة لحواسنا. مارك تواين احتقر ماري بيكر إيدي، حتى تمكن فال من إدخاله في حلم لم يفعل فيه ذلك. الله طيب، لكن لا توجد أجهزة تنفس كافية. صديقتي مصابة بالسرطان، والعلاج موجود، لكنه غير متوافر في الوقت الحالي.

إليك الأمر: مارك تواين، كاتب كيلمر المفضل، كان يرى أن الحكي لا يمكن (ولا يجب) أن يتناول حياة كاملة. كان يشك في نوع السير الذاتية الذي قدمه بينجامين فرانكلين. كان يؤمن أن الأمر يجب أن يكون خليطًا من الذكريات التي لا يجب حتى أن تروى بترتيب حدوثها، حتى لا تغري الشخص أن يدفع القصة في اتجاه معين بما يجعل الشخصية أكثر جذبًا للتعاطف مما تستحقه. إليك أمر آخر: تحدثت مع ابنته مرسيدس التي أخبرتني أنها تعافت بشكل أقرب للمعجزة، لكن إحدى عظام وجهها كُسرت واستخدمت كرسيًا متحركًا لشهر واحتاجت جراحة كبرى.
تحدثت مع فال كيلمر مرة أخيرة. خلال المكالمة حدقت في اللوحة، وفي السباحون يقفزون مرارًا وتكرارًا. ما هي «هيل ميل»؟ ما هو المحيط؟ حاولت تذكر شعوري عندما كانت اللوحة بجواري في السيارة المستأجرة في لوس أنجلوس. أخبرني كيلمر أنه والبرزي سيأخذان سيارة ويتجهان إلى نيو مكسيكو، حيث لا يزال يمتلك 160 فدانًا. في الوقت نفسه كتب توم كروز على موقع تويتر أن الجزء الجديد من «توب جَن» تأجل إلى ديسمبر، اثنان من زملائي كانا في المستشفى وزوج ثالثة يرقد في السرير محاولًا أخذ أنفاسه. حضرت مراسم عزاء عبر تطبيق زووم لأم صديق دُفنت وحدها، بينما كانت جثة بيتر بيرد ترقد في الغابة قبل أسابيع من العثور عليها. صورة فال كيلمر المتحركة أطبقت فكها مرات ومرات في رسائل الهاتف. وجلست ليديا جوار الهاتف رغم أنهم لم يخبروها أن تتوقع مكالمة قريبًا. بينما كان فال كيلمر يخطط رحلته البرية نحو الصحراء.