فاصلة

مقالات

«ماد ماكس 5».. عودة المُحارِبة فيوريوسا

Reading Time: 5 minutes

عاد المخرج الأسترالي جورج ميلر بعد تسع سنوات من الغياب بفيلم «فيوريوسا: ماد ماكس ساغا» 2024، وهو الجزء الخامس من سلسلة أفلام، بدأها بـ«ماد ماكس» 1979، و«ماد ماكس: المُحارب على الطريق» 1881، و«ماد ماكس: بيوند ثاندردوم» 1985. وعلى عكس سلاسل الأفلام التي يكون أقواها عادةً الجزء الأول والثاني، كما في سلسلة أفلام «الأب الروحي» للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، فإن أقوى أجزاء «ماد ماكس»، هو الجزء الرابع الذي حصد ست جوائز أوسكار.  

أمّا الجزء الخامس «فيوريوسا.. ماد ماكس ساغا» 2024، فقد رفع فيه ميلر طموحه الفني بأن استغنى تمامًا عن بطله «ماكس»، الحاضر في الأفلام الأربعة السابقة، لكنه قُيِّد بالعلامة التجارية لسلسلة «ماد ماكس»، وكحل وسط، قام ميلر بتأخير «ماد ماكس» في اسم الفيلم، لحساب «فيوريوسا»، البطلة المُحاربة، الأمازونية.    

Furiosa: A Mad Max Saga (2024)
Furiosa: A Mad Max Saga (2024)

عوالم أفلام «ماد ماكس»، هي عوالم أقصى سرعات ممكنة، سرعات الدراجات النارية، والعربات، والشاحنات ذات المحركات الخرافية، وطرق الهاي واي. أضاف جورج ميلر في الجزء الرابع والخامس، نهاية العالَم، وندرة الماء والوقود والطعام، وكوابيس الديستوبيا، وفوضى المستقبل، إلا أن المفارقة التي يطلبها ميلر ضمنًا من مشاهدي « فيوريوسا.. ماد ماكس ساغا»، الجزء الخامس، هي ابتلاع التناقض بين هلوسة الديستوبيا القاتمة، البدائية، ونهاية العالَم، وبين أحدث تقنيات CGL، أو الصورة المولَّدة بأجهزة الكمبيوتر.  

يبدأ فيلم «ماد ماكس 5» باختطاف الطفلة أليلا براون في دور فيوريوسا، من أرض الوفرة، وهي بقعة صغيرة خضراء وسط صحراء هائلة. والدة فيوريوسا الممثلة تشارلي فريزر في دور ماري جاباسا، الحاكمة ليوتوبيا البقعة الخضراء، تنطلق في مُطارَدة اثنين من عصابة الممثل كريس هيمسورث الذي يلعب دور ديمنتوس زعيم الدرّاجين الناريين، بأنفه الاصطناعي الكوميدي، والشرير في نفس الوقت. ديمنتوس المعقد، غريب الأطوار، يحمل دمية دب صغيرة، تعويذة غامضة، ربما جاءتْ معه من ماضيه الفرويدي السحيق، وهي تضفي عليه مسحة طفولة غير واثقة، ومهما حاول الظهور بشكل صارم.  

Furiosa: A Mad Max Saga (2024)
Furiosa: A Mad Max Saga (2024)

المُطارَدة بالدرجات النارية في أرض برتقالية تنسجم بصريًا مع ملابس بلون الصخور، وإطارات الدرجات النارية بنتوءاتها الفظة، والغبار الضبابي.عناصر الطبيعة عند جورج ميلر، أو في السينما الهوليوودية عمومًا، ليست مادة للتأمل كما في السينما الأوروبية، بل هي عناصر تخدم الفعل، تخدم الحركة، وبشكل ما تُكرَّس الطبيعة البدائية، لخدمة إطارات الدراجات النارية والشاحنات، والغريب أن السينما الهوليوودية بإنتاجها الضخم، قادرة على توفير ظروف أفضل من السينما الأوروبية، لتصوير الطبيعة الخام، لكنها لا تسمح لمخرجيها بانفصال التأمل، لكن الحسم في قضية مَنْ في يده القرار الجمالي بعدم الانفصال، المخرج؟ أم الإنتاج؟، تزداد صعوبة في حالة المخرجين الكبار مثل جورج ميلر.  

يقتل ديمنتوس ماري والدة فيوريوسا، وهو يتذوق بإصبعه طعم دموع ابنتها، ليعرف الفرق بين دموع الحزن ودموع الفرح. يُجبر فيوريوسا على فتح عينيها لترى إعدام والدتها ماري. يطلب ديمنتوس، بسخرية شريرة، من حكيمه العجوز، تعريفًا علميًا لدموع البشر. إنها إفرازات الغدة الدمعية التي تحتوي على الزيوت والأملاح والبروتينات وهرمونات التوتر، أمّا دموع الحزن ودموع الفرح، فلهما تركيب كيميائي مختلف. يتذوق ديمنتوس بإصبعه دموع فيوريوسا، وهو يقول: نعم دموع الحزن بها لذعة، وحموضة. تتساقط دموع الحكيم العجوز أمام وحشية ديمنتوس.   

أهمية دموع الحكيم العجوز هنا، هي أن المخرج جورج ميلر، يأخذ بها مسافة أخلاقية من وحشية ديمنتوس، ويُهيئ المشاهدين لتيمة الانتقام، سيما وأن تيمة انتقام المرأة تحظى بأقصى تعاطف في سينما هوليوود كما في حالة انتقام أوما ثورمان في فيلم «Kill Bill». تختزن فيوريوسا الغضب بصرامة النظرة الثابتة، والقليل من الكلمات، كما كانت فيوريوسا الممثلة تشارليز ثيرون في «ماد ماكس 4».  

نرى بفلاش باك في «ماد ماكس 5»، طفولة فيوريوسا المُحاربة التي رأيناها في «ماد ماكس 4». في مقابلة مع إليانا دوكترمان لمجلة تايمز يقول جورج ميلر بأن البداية كانت مع التفكير في معالجة وجه تشارليز ثيرون بالذكاء الاصطناعي، لتبدو أصغر سنَا في فيلم «فيوريوسا»، لكن إزالة الشيخوخة لم تكن تعمل حتى في أيدي صنّاع الأفلام المهرة مثل مارتن سكورسيزي في فيلم «الأيرلندي» 2019.  

ماد ماكس
Furiosa: A Mad Max Saga (2024)

أسند ميلر شخصية فيوريوسا للطفلة أليلا براون التي تستغرق الساعة الأولى من الفيلم، ثم تأتي الممثلة أنيا تايلورـ جوي، بأداء شرس، شبه صامت، لتكملة ملحمة فيوريوسا إلى نهاية الفيلم. يريد ديمنتوس معرفة مكان إقامة فيوريوسا، أرض الوفرة الخضراء، لكن فيوريوسا بصرامة والدتها الراحلة، لا تتحدث.  

تُصبح فيوريوسا جزءًا من صفقة تشمل، الطعام والوقود، فتُباع إلى الممثل لاشي هولم في دور إيمورتان جو، أو جو الخالد، وهو ديكتاتور يستعبد النساء جنسيًا، ويتنفس بجهاز اصطناعي يخرج منه خرطومان يتصلان برئتين خلف رأسه. يحاول جو إنجاب طفل من أسيراته الجميلات، لكنه يُنجب مسخًا في كل مرة. تنفرد شخصية إيمورتان جو في إبداع جورج ميلر بأنها أكثر شخصيات الفيلم بشاعة. 

ماد ماكس
Furiosa: A Mad Max Saga (2024)

تعود فيوريوسا (أنيا تايلور ـ جوي)، بعد هروبها، وتتنكر في هيئة صبي يعمل في قلعة جو الخالد مع الممثل توم بيرك في دور بريتوريان جاك، وهو سائق شاحنة يتاجر في الغاز والرصاص عبر الأراضي القاحلة، وهو أيضًا البديل الشاحب لماكس في الأفلام الأربعة السابقة. تتعهد فيوريوسا بقتل ديمنتوس ثم العودة إلى موطنها، بقعة اليوتوبيا الخضراء، وهنا يرتبك قليلًا سيناريو الفيلم، وكأنّ جورج ميلر يؤجل اختياره بين دافعين أساسيين، الانتقام من ديمنتوس، أم العودة إلى موطنها كما وعدتْ والدتها ماري جاباسا قبل موتها.  

تتمتع الممثلة أنيا تاليور ـ جوي في «ماد ماكس 5»، بنظرة أشد حدة من نظرة تشارليز ثيرون في «ماد ماكس 4». ابتكر ميلر مع الماكيير في الفيلم، مكياجًا فريدَا لفيوريوسا في الجزء الرابع والخامس، وهو دهان الجبهة، وتحت العينين، بشحم أسود، لمضاعفة نظرة العينين، وربما استخدم الماكيير شحم الدراجات النارية والشاحنات، ولكون جبهة أنيا تاليور أعرض وأكثر بروزًا من جبهة ثيرون، فقد بدت نظرتها أكثر صرامة.  

ماد ماكس
Furiosa: A Mad Max Saga (2024)

كان من المُعتقد أن منافسة إنغمار برغمان في لقطات «الكلوز أب»، لوجه ليف أوليمان في فيلم «بيرسونا» 1966، مستحيلة، والآن ها هو جورج ميلر، يتصيَّد لقطات قريبة ساحرة، لوجه أنيا تاليور ـ جوي، على سبيل المثال، وهي تخفي عينًا في منظار البندقية، بينما العين الأخرى، والجبهة السوداء العريضة، والفم المُطبق بقسوة، في مواجهتنا مباشرةً.  

يُقرِّب جورج ميلر معدن الحديد من الجسم البشري بشكل عدواني، بدائي، القيد الحديدي على وجه الممثل توم هاردي في «ماد ماكس 4»، وحزام العفة الحديدي على خصر أسيرة من أسيرات إيمورتان جو الذي يضع على بوابة قلعته تروسًَا حديدية عملاقة، تُدار عبر إسطوانة بأقدام العبيد. وعلى الرغم من كون مهمة الحديد قد تبدو في الظاهر مسالمة، فهو طرف اصطناعي لذراع فيوريوسا المبتور، وطرف اصطناعي آخر لساق كلب من كلاب ديمنتوس في «ماد ماكس 5»، لكن يبقى التحام الحديد بالجسد البشري والحيواني، منذرًا بشر غامض، يشبه الشر الذي نشعر به في فيلم «ذا ماتريكس» 1999، عندما نرى الفتحات الحديدية في جسد كيانو ريفز.  

يعترف ديمنتوس لفيوريوسا في المواجهة الأخيرة، بأنه صفر اليدين، ونكرة، وعبدها. تسأله فيوريوسا هل يتذكرها. يحاول ديمنتوس تخديرها بكلمات، وهو تحت رحمتها عند قدميها، قائلًا «ليس الأمل بل الكراهية، لا عار في الكراهية، إنها أعظم قوى الطبيعة». يحاول ديمنتوس الإمساك بقدم فيوريوسا، لكنه يفشل. تسأله عن امرأة قتلها. ديمنتوس لا يتذكر، هل كانت والدتكِ؟ شقيقتكِ؟ هل توسلت، هل صرخت قليلًا؟ مَنْ يصرخ قليلًا يترسَّخ في ذهني. حافظ ديمنتوس على حس الكوميديا الشرير إلى أن قتلته فيوريوسا.

اقرأ أيضا: «فيريوسا: ملحمة ماد ماكس»… جورج ميلر يعود لصحراء الانتقام والأمل

شارك هذا المنشور

أضف تعليق