منذ حوالي عشرين عامًا، تحديدًا في يونيو عام 2004 أثار عرض فيلم سينمائي زوبعة كبيرة داخل مصر، وانقسامًا واضحًا، بين النقاد والسينمائيين الذين رأوا فيه تحفة حقيقية وعملًا استنثائيًا في السينما المصرية، وشريحة من الجمهور ورجال الدين والقانونيين الذي رأوا فيه عملًا يحض على ازدراء الأديان، وتحديدًا الدين المسيحي.
الفيلم هو «بحب السيما» ثالث الأفلام الروائية الطويلة للمخرج الراحل أسامة فوزي ومن تأليف هاني فوزي، والذي ربما يراه البعض الآن أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، ولكن من عاصروا عرضه الأول ربما يتذكرون اللغط الذي أثاره. بشكل شخصي أتذكر مطالبات بعض المتشددين داخل الكنيسة بمقاطعة هذا الفيلم، هذا إذا لم تنجح الدعوات بوقف عرضه من الأساس، والهمهمات ممن لم يشاهدوه بخطورة الفيلم والمبالغة في وصف بعض المشاهد، التي لم تكن موجودة بهذا الوصف بالتأكيد داخل الفيلم.

بعد كل هذه السنوات، وانتهاء العواصف حول «بحب السيما» وبقائه خالدًا ومتفردًا، يمكننا إعادة زيارته في هدوء والبحث عن أسباب أخرى للرغبة في منع هذا الفيلم، بالنظر إلى السياق التاريخي والفني وقت عرضه.
«ده نظام الكنيسة الأرثوذوكسية، الكنيسة الأم»
طوال تاريخ السينما المصرية الممتدة منذ بداية القرن العشرين، لم يسبق أن اقترب فيلم سينمائي إلى هذا الحد من الأسرة المسيحية، رغم تواجد شخصيات مسيحية في بعض الأعمال المحدودة، ولكن من النادر أن يتعرض فيلم سينمائي إلى دور الدين داخل الأسرة بهذه الصورة، واختلاف الطوائف عن بعضها، بل واختلاف شكل الكنائس وطقوس الزيجات طبقًا للطائفة. على العكس في بعض الأفلام نشاهد القس ذو الزي الأرثوذوكسي (الطائفة السائدة في مصر) يصلي في كنيسة بروتستانتية أو العكس، دون أي اهتمام بالتدقيق في أمر جوهري مثل هذا. ثم جاء «بحب السيما».
يتحدث هذا الفيلم بأريحية عن تعدد الطوائف والاختلاف بينها، الزوج أرثوذوكسي والزوجة بروتستانتية (إنجيلية)، ولهذا فهو يصوم طبقًا لطقوسه، بينما هي لا تمارس الطقوس نفسها. يمتد هذا الفهم والإشارة إلى التفاصيل الدقيقة في الديانة المسيحية خلال الأحداث بشكل غير مسبوق. هذا الظهور الواضح في قلب الأحداث والتعرض لبعض المشكلات أحدث ربكة لبعض المشاهدين المسيحيين تحديدًا، إذ لم يعتادوا أن تظهر الشخصية المسيحية بشكل اعتيادي من الأساس وبالتالي عندما ظهرت ومعها مشاجرات وقبلات داخل الكنيسة كان الموضوع صادمًا، وهكذا يمكن إلى حد ما فهم التحفظ الذي بعض هؤلاء، خاصة ممن لم يعتادوا مشاهدة أي نوع مغاير أو مختلف من الأفلام.
من بعض التعليقات التي قيلت عن الفيلم، إنه لم يقدم نموذجًا جيدًا في مقابل النماذج السلبية التي قدمها، وهو ما يدل على النظرة التقليدية للسينما، أو المعالجات التي تمسك العصا من المنتصف والتي اعتاد بعض كتاب السيناريو اللجوء إليها عند طرح موضوعات شائكة، ولكنه لم يكن اختيار أسامة فوزي بالتأكيد، الذي لم يرضَ بالحلول الوسطى سواء في هذا الفيلم أو أفلامه الأخرى.

«دي لوحات، ده فن»
يُضاف إلى ما سبق توقيت عرض الفيلم. 2004 كان عز موجة «المضحكين الجدد»، التي انطلقت من خلال جيل جديد من الممثلين من بعد «إسماعيلية رايح جاي» عام 1997. بجانب الانحياز الواضح للكوميديا في هذه الفترة، فقد كانت من العلامات المميزة أيضًا لهذه الفترة ما سُمّي بـ«السينما النظيفة» في إشارة للأفلام الخالية من مشاهد القبلات أو الجنس تحديدًا. رغم وجود بعض المحاولات المتباعدة لصناعة أفلام فنية ومختلفة عن السائد، مثل ما قدمه أسامة فوزي نفسه في «جنة الشياطين» عام 2000 أو «أحلى الأوقات» لهالة خليل عام 2004، أو حتى الفيلم صاحب النجاح الجماهيري الملحوظ «سهر الليالي» الذي عُرض قبل عام واحد من «بحب السيما» فإن هذه المحاولات كانت بمثابة مغامرات، ونجاح «سهر الليالي» كان استثناءً وليس قاعدة، وقد عُرض بعد عدة تأجيلات لأنه مغاير للسائد في ذلك الوقت.
هذه الظروف أيضًا لعبت ضد «بحب السيما»، فالشريحة الأكبر من الجمهور كانت قد اعتادت على شكل واحد من الأفلام، ووجود قبلة في أي من الأفلام آنذاك كان حدثًا في حد ذاته، وبالتالي ففيلم مثل هذا هو بمثابة شحنة كهرباء تسري في جسد خامل. فيلم يطرح أفكارًا عن الدين، وتتخلله مشاهد جنسية، ولا يخلو من الإشارات السياسية، ثالوث المحرمات الشهير في فيلم واحد. الطريف في الأمر أن الفيلم كان ينتقد النموذج المقاوِم للفن بكل أنواعه، أو الذي يسمح بشكل محدد من الفنون، تحديدًا في شخصية الزوج، وكأنه كان يتنبأ بنوع الجمهور الذي سيقاوم ويرفض الفيلم نفسه.

«تقدر تخلي واحد متدين بالعافية؟»
لكن الأمر لم يكن يتعلق بالمتشددين أو بنوعية الفن المطروح آنذاك فقط، بل أيضًا بمفهوم الإيمان الذي عرضه الفيلم. الإيمان من الأمور التي قد تكون مناقشتها مخيفة، بغض النظر عن أي دين. وخلال مسيرة السينما المصرية سنجد أعمالًا قليلة التي اقتربت من مناقشة أمور إيمانية بشكل واضح، ربما كان فيلم «طريد الفردوس» للمخرج فطين عبد الوهاب (1965) أحد هذه الأعمال القليلة.
في «بحب السيما» نشاهد الشخصيات تناجي إلٰهها عدة مرات، وكل بطريقته وحسب فهمه. الطفل يحاول أن يعقد صفقة، مثلما يفعل معه والديه «انهِ طبقك، لتحصل على مكافأة»، فيطلب أن يُسمح له بالذهاب إلى السينما مرة أخيرة في مقابل أن يُكثر من صلاته. بينما الأب في لحظة اعتراف عميقة يناقش الفرق بين الحب والخوف تحت مظلة الإيمان في مشهد قد يجعل أي شخص مؤمن يعيد التفكير في مفهومه الحقيقي عن الإيمان. أليس هذا مخيفًا في حد ذاته؟

يقدم الفيلم شخصية عدلي (محمود حميدة) كشخص متدين إلى حد التطرف، ينظر إلى كل شيء في الحياة من خلال عدسة الحلال والحرام، وقد يرى فيه الكثيرون إنسانًا مثاليًا، ولهذا عندما بدأ عدلي يفكر في ماهية إيمانه، كان هذا بمثابة صدمة أخرى للمشاهدين. ورغم المباشرة في الطرح في هذا المشهد تحديدًا، فإن الكلام الذي جاء على لسان الشخصية يناسب تمامًا اللحظة الدرامية التي أتى فيها هذا الحوار، مما جعل هذا المشهد من أكثر ما يتذكره المشاهدين عند الحديث عن هذا الفيلم.
لكن ماذا لو عرض هذا الفيلم الآن؟ رغم كل المضايقات التي مر بها «بحب السيما» وقت عرضه فإنه نجح في الخروج إلى النور وشق طريقه سريعًا ليصبح من علامات السينما المصرية، بل صار عنوانه علامة مسجلة لمحبي السينما، إذ يقولون بحب «السيما» وليس السينما. وربما لو كان أسامة فوزي قد حاول صناعة الفيلم في الفترة الأخيرة لما كنا لنشاهده من الأساس، فأفلام أقل جرأة بكثير لم ترَ النور.
اقرأ أيضا: «جنينة الأسماك».. نداءٌ للذات المختبئة رعبًا