فاصلة

مقالات

«للحب قصة أخيرة».. عن سينما لم تخشَ الأسئلة الكبرى

Reading Time: 5 minutes

عام 1986، طرح المخرج المصري رأفت الميهي، واحد من أكثر المخرجين المصريين تفردًا سواء كسيناريست أو كمخرج، فيلمه الروائي الطويل الثالث «للحب قصة أخيرة» من بطولة يحيى الفخراني ومعالي زايد، ويحكي قصة رفعت، المدرس الذي يعاني مرضًا عضالًا في القلب، وزوجته سلوى التي تنتظر أملًا في شفائه، يسكنان بيتًا جميلًا في جزيرة الوراق الواقعة في وسط النيل شمال القاهرة والمنعزلة بشكل ما عن المدينة، والمُحتفظة بشكل ما يجمع بين المدن الصناعية الصغيرة بمصانعها البدائية وبين التريف بأراضيها الخضراء والطينية، وعلى أرض هذه الجزيرة يعيش عدد من الناس أغلبهم بسطاء ريفيين وبينهم بعض المتمدنين وبينهم رفعت وسلوى والطبيب حسين. 

أفلام ومحاكم

مع طرح الفيلم، وُجه اتهام من نيابة الآداب العامة إلى مخرج الفيلم رأفت الميهي والفنانين يحيى الفخراني ومعالي زايد ومنتج الفيلم حسين القلا، بارتكاب فعل علني فاضح بسبب مشهد حب بين يحيى الفخراني ومعالي زايد، رغم تصريح الرقابة بعرض الفيلم. إثر ذلك، ثار المثقفون وعقدوا مؤتمرًا عامًا للدفاع عن الفيلم وحرية أصحابه في التعبير وأفرج عن الجميع بكفالة وجُمدت الدعوى المقامة ضدهم. الغريب في الأمر أنه ربما حتى الآن لا يعلم أحد على وجه الدقة كيف وجهت تلك التهمة من مباحث الآداب وليس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية. 

للحب قصة أخيرة (1986)
للحب قصة أخيرة (1986)

لم تكن تلك هي التهمة الأولى التي وجهت إلى رأفت الميهي، إذ حُكم عليه وقت فيلمه الثاني «الأفوكاتو» هو وبطل الفيلم عادل إمام بالسجن لمدة عام بتهمة إهانة القضاء، لكن الحُكم قد أوقف وقتها أيضًا بتدخل من نقابة السينمائيين. ورغم أن الفيلمين يتميزان بأسلوبين سينمائيين مختلفين إلا أن كلاهما قد أثارا حفيظة بعض الأفراد الذين تعاملوا مع الفيلمين بطريقة تتجاهل جوهرهما وتنظر فقط إلى بعض التفاصيل باجتزاء مخل لمضمون الفيلمين. رغم تلك الدعاوي والقضايا التي حُركت ضد الفيلمين، إلا أنهما قد استمرا في قلوب الشعب المصري بقصصهما سواء الساخرة أو الحزينة أو بشخوصهما التي تتماس قصصهم مع الجمهور المصري بشكل كبير. 

لكن بعيدًا عن ذلك، لننظر إلى ما فات هؤلاء الأشخاص في فيلم الميهي، المتعرض لمسائل كبرى عن الموت والحياة والمميز وسط مسيرته بميزات فنية عدة. يبدأ الفيلم بـ«معدية» أو مركب ينقل البشر والماشية من شاطئ شُبرا وحتى جزيرة الوراق. على المركب نساء متشحات بالسواد يبدو عليهن حزن قديم الأزل، حُفر بشكل ما في ملابسهم وقسمات وجوههن، ويدعم ذلك الإضاءة الخافتة للمركب في الليل. وسط هؤلاء النسوة والرجال، نرى سلوى للمرة الأولى، تبدو غريبة عنهن، مرتدية ملابس ملونة، ويخبر وجهها عن أملٍ قلقٍ. عند نزولها من المركب تخبرها سيدة (تحية كاريوكا) تبدو ذات مقام كبير وسط أهالي الجزيرة بأنه «لو رفعت جراله حاجة، ملكيش قعاد في الوراق»، نعلم في ما بعد أن تلك السيدة هي أم رفعت زوج سلوى.

 للحب قصة أخيرة (1986)
للحب قصة أخيرة (1986)

ضفة وقارب.. انتظار ووصول

البداية إذا تعبر بشكل ما عن ما يدور في الفيلم بشكل كبير، هذا فيلم عن حزنٍ واكتئابٍ سائدٍ وانتظارٍ مشؤومٍ، وشخصية تحاول مواجهته، كما أنه فيلم عن مرحلة انتقال وعبور بين الحياة والموت في هذا القارب الذي ينتقل وسط النيل من ضفة إلى أخرى. اعتاد المصريين القدماء أيضًا دفن موتاهم على الضفة الغربية من النهر، بينما عاشوا في الأغلب في شرق النهر، وبموقع الجزيرة المتوسط للضفتين، فإن تلك الجزيرة أيضًا تعبر عن ذلك المعنى الانتقالي، إنها بمثابة مرحلة انتظار بين الحياة والموت، وربما تكون هذه هي قصة رفعت وسلوى.

الحكايات الأخرى الفرعية أيضًا هي حكايات انتظار مُعلقة، طبيب ينتظر كل يوم موت أمه الطاعنة في السن والراقدة في سريرها لأكثر من 15 عامًا، أبٌ وأمٌ ينتظران عودة ابنهما القاتل والمحكوم عليه، وآخرون ينتظرون حدوث معجزة ما بالشفاء لأحد الأقارب، المهم أن كل من على الجزيرة المنعزلة عن المدينة الظاهر أبراجها وعماراتها الشاهقة في الأفق، ينتظرون حدوث شيء ما يحقق رغباتهم.

 للحب قصة أخيرة (1986)
للحب قصة أخيرة (1986)

لكن كيف تتصرف تلك الشخصيات أمام انتظار الموت أو تلك المعجزة؟ هذا ما يحرك قصص فيلم الميهي الذي لا يحتوي أحداثًا كبيرة وإنما حكايات عادية مليئة بالحزن والحب والحياة والموت. إذا نظرنا إلى رفعت فسنراه يتعامل مع الأمر بإنكار شديد، يتجاهل مرضه ويخبر الطبيب حسين بأن يكذب على زوجته لتهدئتها، ويمضي أوقاته في ركوب العجلة أو المرح والضحك مع زوجته في حديقة بيتهم، لكنه أيضًا يقرر تعطيل إنجابه منها حتى لا يترك لها حملًا ثقيلًا بعد وفاته. الطبيب حسين ينتظر كل يوم وفاة أمه، لكنه رغم علمه بمرضها الشديد، إلا أنه لا يستطيع التحديد بالضبط متى ستموت، ويعيش معها تاركًا زوجته وأولاده في المدينة.

هناك أيضًا أم رفعت، التي ترى الحل في إنجاب رفعت لطفل وتلوم سلوى على ذلك، حيث ترى أنه لا بد من وجود نسلٍ لرفعت ليرث ميراث عائلته الثرية على الجزيرة، وأم هناء الخادمة التي تؤمن ببركات الشيخ التلاوي الذي يدعي أهل القرية أنه قد عاد من الموت وأنه قادر على صنع المعجزات، وصالح الصعلوك العدمي الذي لا يؤمن بتلك الخرافات ولا يؤمن بأي أمل أبدًا. وسط هذا كله تقع شخصية سلوى التي تنتظر إجابة على سؤالها: «لم يُسلب منها حب عمرها في هذه السن المبكرة؟» تحاول طرق أبواب الطب والعلم من خلال الدكتور حسين، وتحاول أحيانًا حيل أهالي القرية بالتشفع بالشيخ التلاوي لكن مستوى ثقافتها ربما يمنعها من ذلك. 

الحب كعلاج للترقب

يناقش الفيلم إذًا ذلك السؤال، سؤال الانتظار والتعامل مع الفقد والموت، سواء من خلال حوارات بين شخصياته أو مونولوجات لشخصيات فرعية تتحدث عن ذات الأمر، وبين اقتناع بعضهم بالطب واقتناع البعض الآخر بالخرافة أو اليأس والتسليم، يبرز الفيلم إجابة ليست بالمباشرة عن الأمر مفادها أن الحب ربما لا يكون قادرًا على شفاء الأمراض أو أوجاع الفقدان أو حل مآسينا، لكنه ربما يكون الترياق لذلك الانتظار، ربما يتوجب علينا إذا كنا نخاف الموت بهذه الطريقة أن نعيش حياتنا بكل الطرق الممكنة، وأن نتحلى بالتعاطف والتراحم بيننا لتهوين تلك اللحظات الصعبة المليئة بالانتظار. 

للحب قصة أخيرة
للحب قصة أخيرة (1986)

يتجلى ذلك بشكل أساسي في قصة رفعت وسلوى، وهنا يكون المشهد الرومانسي الحميمي الذي أثار حفيظة أحد المشاهدين هو بمثابة لحظة التصالح مع فنائنا المنتظر، وهو لحظة الوداع اللائقة في تلك العلاقة بين زوجة وزوجها المريض، لحظة ربما نظر إليها المشاهد المُستفز بتجريد عن ما قبلها وما بعدها، وربما هو ذاته قد أزعجه ذلك السؤال فقرر أن ينتقم من طاقم عمل الفيلم لألم لم يستطع تحمل ذلك السؤال. إلى جانب ذلك، نرى الحب أيضًا هو المحرك لكل شيء، حب أم رفعت لابنها والذي ربما يدفعها للقسوة عليه وعلى زوجته، حب الأب والأم العارفين بمصير ابنهما لكنهما يخفيان تلك المعرفة عن بعضهما حرصًا على مشاعرهما وعلى أملهما الزائف ربما في عودة الابن، بل وحب أهالي الجزيرة البسطاء للشيخ التلاوي حتى وإن علموا بأنه وهم. 

للحب قصة أخيرة فيلم شاعري مليء بأسئلة عن الحياة والموت والوجود وطريقة عيش حياتنا ومسكنات آلامها اليومية سواء كانت طبية أم لا. فيلم تستطيع التعاطف مع كل شخصياته من أكبرها إلى أصغرها، في عالمٍ لا وجود به لأشرارٍ أو ملائكةٍ وإنما شخصياتٍ دوافعها الحب والخوف، ورغم أن ذلك قد قوبل بشكل عنيف وقتها وقضى طاقمه ليلة  في قسم الشرطة، إلا أن تلك القضية الآن لم تصبح إلا قصة أخرى عن الفيلم الذي أتاحته التكنولوجيا وتطور الزمن، ليكتشف الجمهور مدى عذوبته مرارًا وتكرارًا. 

اقرأ أيضا: لماذا لم يحبوا «السيما» كما أحبها أسامة فوزي؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق