أفلام قصيرة من مختلف أنحاء العالم تُعرض كلّ عام في مهرجان كليرمون فيران السينمائي. يملأ الجمهور الصالات الكثيرة طوال أيام الأسبوع، والسينمائيون، غالبيتهم من الشباب، يخطون أولى خطواتهم نحو العالمية مزهوين وسعداء بحضورهم في هذا المنبر الدولي الذي اكتسب شهرة واسعة ومكانة ثقافية محترمة عبر السنوات.
لم تختلف هذه الدورة (31 كانون الثاني – 8 شباط) عن سابقاتها على مستوى الإقبال الجماهيري وتنوّع الاقتراحات الفيلمية وعدد البلدان المشاركة، وهذا ما يلمسه الواحد منّا من خلال معاينة تفاصيل المسابقة الدولية التي تضم 64 فيلمًا سيتم اختيار بضعة أعمال منها لتمييزها عن البقية على يد لجنة تحكيم خاصة في ختام هذه التظاهرة التي تُعد الأبرز في العالم على مستوى الفيلم القصير، علمًا أنها تسلمت 6368 فيلمًا لهذه الدورة، ممّا يعني أن مجموع ما اختير لا يتعدّى الواحد في المئة.

طوال تسعة أيام متتالية، وضع المهرجان عدداً كبيرًا من الأفلام في تصرف مشاهدين توجّهوا إليه من أقطار العالم كافة بحثًا عن كلّ ما هو مستجد ومثير في عالم الأفلام القصيرة. ثمة أفكار فيلمية لمّاحة جريئة طليعية متفردة تخرج عن الدروب التقليدية، مرغمة على التعايش مع أعمال أخرى أكثر تقليديةً، يحول انعدام الخيال الذي فيها دون وجود أي لمسة إبداع. أما إنتاجيًا، فهناك مَن حظي بموازنة كبيرة في مقابل الذين عملوا وفق مبدأ «السينما المحمولة على الظهر»، مبتكرين حيلًا وحلولًا، كلّ حصّة من الحصص الـ12 التابعة للمسابقة الدولية التي عُرض فيها من خمسة إلى ستّة أفلام، وفّرت لنا رحلة إلى إتجاهات نادرًا ما تحضر على الشاشة. شاهدنا أفلامًا من بلدان لا تبخل علينا سينمائيًا، من مثل كوريا والبرازيل والولايات المتحدة وبريطانيا والسويد وألمانيا، في مقابل بقع جغرافية أقل حضوراً في المشهد السينمائي، كالبوسنة والسنغال والنرويج وكولومبيا وغيرها.
مشاهدة هذا الكم من الأفلام القصيرة في بضعة أيام معدودة، تفتح المجال واسعًا لتساؤلات لا بد أن تحملنا إلى التفكير في التعريف الأكثر صوابًا للفيلم القصير باعتباره شكلًا وصياغة. ما هو الفيلم القصير وكيف يجب أن يكون؟ هل ثمة أفكار خُلقت لتكون أفلامًا قصيرة وأخرى أنسب للفيلم الطويل؟ هل هو مجرد تأشيرة مرور إلى السينما الروائية الطويلة التي تملك مهرجاناتها الكثيرة، أم أنه فنّ قائم في ذاته؟ وأخيرًا، هل له القدرة على تبيان موهبة المخرج أم أن الامتحان الوحيد لتأكيد الموهبة يبقى الفيلم الطويل؟ هذه بعض الأسئلة التي شغلتني خلال متابعتي عددًا غير قليل من الأفلام القصيرة الدالة على حيوية معينة على صعيدي الأفكار والتنفيذ، وأخرى لا تزال حبيسة الكسل الفكري. غنّي عن القول أن الأجوبة عن هذه التساؤلات نجدها مباشرةً في العديد من الأفلام.
في ما يتعلّق بالمستوى العام لأفلام المسابقة الدولية، ما عاد يُخفى على أحد أن ثمة تراجعًا واضحًا منذ بضعة أعوام، يعزوه البعض إلى تغيير الإدارة وإيلاء الأهمية للقضايا على حساب القيمة الفنية.
بيد أن أكثر ما لفتني هذه المرة، ظاهرة تتكرس عامًا بعد عام، تتجسّد في حضور نوعين من الأفلام يتصارعان داخل المسابقة ولا يلتقيان. فهناك من جانب، الفيلم القصير الذي يمدّنا بانطباع أنه ليس أكثر من مشهد في فيلم طويل وكان من الممكن أن يستمر إلى ما لا نهاية لو قرر المخرج ذلك، وهناك في المقابل الفيلم القصير الذي يزجّ بنا في «حالة» سينمائية نخرج منها بقناعة أن ما شاهدناه ما كان ممكنًا ألا أن يكون فيلمًا قصيرًا، نظرًا لطبيعة فكرته التي تبدأ في نقطة محدّدة وتنتهي في أخرى، ولا تنفع معه الاطالة.

مثل صارخ للفيلم الذي تنتهي فكرته مع آخر لقطة إذ لا لقطة بعدها يمكن أن تُضاف إليها: الفيلم السعودي «ميرا ميرا ميرا» لخالد زيدان الذي عُرض ضمن المسابقة الدولية بين باقة من الأفلام العربية داخل هذه المسابقة. نحن حيال شاب (إسماعيل الحسن) يفقد القدرة على النطق، ويصبح كلامه عبارة عن مفردة واحدة وحيدة: «ميرا». هذا الشاب يعمل خياطًا في أحد أحياء جدة المهدّدة بالهدم. الفيلم الذي يقع في عشرين دقيقة، ليس سوى تتّبع لمحاولته اليائسة إيجاد علاج يتيح له استعادة الكلام، وبالتالي استعادة الحياة الطبيعية، وهذا ما سيحمله إلى استشارة معالجة ثم زيارة أحد الشيوخ للأخذ بنصيحته. وسينتهي كلّ شيء في اللحظة التي يعلم فيها أن هناك فتاة تعاني من العلّة التي يعاني منها. فيلم خالد زيدان لمّاح، ذكي، مصوَّر بعناية وبحس سينمائي، مستوفيًا كلّ مواصفات السينما الحديثة. والأهم أنه لا يدور في حلقة التوظيفات المستهلكة للمجتمع السعودي. كان يمكن مثل هذه القصّة أن تحدث في أي مكان، إذ لا شيء فيه ذو خصوصية سعودية، وهذه ميزة وليسا عيبًا، ويعني أن السينما السعودية بدأت تخرج من عباءة الإكزوتيكية. باختصار، وفي العودة إلى موضوعنا الأساسي، لقد أنجز زيدان ما يمكن وصفه بالفيلم القصير، فكرةً وشكلًا ومضمونًا، لا مجرد مقطع من فيلم طويل، ممّا يدل على فهم عميق لماهية الفيلم القصير المحصور في إطار زمني محدد يملي عليه أنماط اشتغال معينة.

هذان الإيجاز والتكثيف هما أيضًا ما يلفتان في «إذا الشمس غرقت في بحر الغمام» للبناني وسام شرف الذي عُرض في مناسبة التحية للفيلم اللبناني القصير التي أقيمت هذا العام في كليرمون. حكاية حارس مكلَّف منع الناس من الاستمتاع بمشهد البحر في بيروت المعاصرة تتحوّل إلى كوميديا عبثية أمام كاميرا المخرج. واجهة بيروت البحرية هي مسرح الأحداث، وهي من الأماكن القليلة في المدينة التي يمكن الناس أن ينعموا بفسحة من الهواء غير الملوث. لكن الدولة خصّصته جزءًا من مشاريع توسعية، فظهرت مجموعة من الحراس يقفون عائقًا بين الناس والبحر. هكذا سنتعرف إلى الحارس (رائد ياسين) الذي كان جزءًا من هذا النظام، لكنه يجد نفسه فجأةً خارجه، متحوّلًا إلى إنسان قادر على التفكير والاعتراض على الوضع. السينما التي يعتمدها وسام شرف تنحاز إلى البساطة كأسلوب تعبير، ممّا يمنح الفيلم جمالية خاصة تنبع تحديدًا من هذه البساطة. في عشرين دقيقة، ينجح الفيلم في مناقشة فكرة قوية: قدرة النظام السياسي على جعل الضحايا في صراع بعضهم مع بعض، بينما «الكبار» يراقبون من بعيد دون أن يلوثوا أيديهم.
مثل ثالث ودال على هذا التكثيف السينمائي الذي يطرح قضية اجتماعية مثلما يطرح قضية سياسية (الحرب الروسية الأوكرانية) من خلال السيرة الشخصية: فيلم التحريك «متُّ في إربين» (مسابقة دولية) المطعَّم بمشاهد حية، الذي أخرجته الأوكرانية أناستازيا فاليليفا. في 24 شباط 2022، يوم انطلاق العدوان الروسي على أوكرانيا، قررت المخرجة وصديقها الانتقال من كييف إلى إربين. أمضيا عشرة أيام في المدينة التي كانت تحت الحصار وتمكّنا من الهروب مع آخر قافلة إجلاء. مر الوقت، لكن الشعور أنها ماتت في إربين لم يغادر المخرجة. من خلال اعادة كتابة قصّة النجاة التي عاشتها بصريًا، وفي أقل من 11 دقيقة، قدّمت فاليليفا أطروحة تترك تأثيرًا بالغًا في المتلقي، وذلك بقدرتها على مخاطبة الكائن التائه وسط حقل الألغام الذي في داخل كلّ منا.

نقاش بين سائق كوري ركن سيارته في المكان الخطأ ومسؤول عن تحرير المخالفات. في تسع دقائق، وبلقطة واحدة مستمرة، قدّم المخرج الكوري الجنوبي جاون جانغ مع «468-6 مانغوون-دونغ» (مسابقة دولية) فيلمًا لا تستطيع أن تشيح نظرك عنه. كلّما كانت الفكرة السينمائية مبتكرة وخاصة، قلّت الحاجة إلى موازنة كبيرة. هذا مبدأ يذكّرنا به الفيلم كونه لم يكلّف الكثير لإنتاجه.

وببضع دقائق إضافية فقط، يروي المخرج البولندي يان بونوفسكي سقوط الشيوعية في بلاده العام 1989، من خلال «الرقص في زاوية» (مسابقة دولية)، متناولًا التحول الذي شهدته شاشات التلفزيون بعدما فقدت مكانتها كمنتَج فاخر، وأصبحت تنقل ما يجري في البلاد. الخطاب واضح، النظرة لئيمة. أنه، ببساطة، الفيلم القصير مع كلّ ما يحمله من تفنّن وحنكة لإيصالنا على وجه السرعة إلى حيث يجب أن نصل.
اقرأ أيضا: جولة شخصية وعامة في مهرجانات العام 2024