كنت أتجول في العاصمة البولندية وارسو، متتبعًا مواقع تصوير عُشارية «ديكالوج»، مسلسل كريستوف كيشلوفسكي المقتبس عن الوصايا العشر للعهد القديم، والذي بدأ مشروعًا تلفزيونيًا محليًا ثم تحوّل أيقونة يُنظر عليها كأحد أهم ما أنتجته السينما عبر تاريخها. الزيارة ضمن مشروع كتاب أعمل عليه منذ سنتين لإعادة قراءة العمل الكبير من وجهة نظر ناقد نشأ داخل ثقافة مختلفة، عربية وإسلامية.
كنت برفقة صديقتي الناقدة عُلا سلوى نزور المجمع السكني ذي المعمار الشيوعي، الذي خلده المسلسل بجعله محل إقامة شخصيات الحلقات العشر، عندها خطرت على ذهني فكرة شاركتها إياها، مفادها أن هذا الفنان الخالد، الذي نتتبع سيرة أحد أعماله بعد قرابة الأربعة عقود من إنجازه، لم يعش سوى ثماني سنوات فقط من الشهرة المستحقة، بدأت بعرض «ديكالوج» عام 1988 ليكتشف العالم أعماله السابقة بأثر رجعي، وانتهت بوفاته الصادمة عام 1996 خلال عملية قلب مفتوح قبل أن يُكمل عامه الخامس والخمسين (بعد تسعة أشهر بالضبط من رحيل المخرج المصري عاطف الطيب في ظروف مماثلة وهو في السابعة والأربعين).
لا نتحدث هنا عن واحد من أولئك المخرجين المُقلين، أصحاب الأعمال المعدودة التي يستلزم كل منها أعوامًا من التحضيرات، كنموذج ستانلي كوبريك مثلًا، وإنما عن مخرج غزير الإنتاج، لم يتوقف منذ منتصف الستينيات عن صناعة الأفلام، عملًا تلو الآخر، أفلام طويلة وقصيرة، روائية ووثائقية، سينمائية وتلفزيونية، لكنه احتاج أكثر من عشرين عامًا حتى ينتبه العالم لامتلاكه موهبة أكبر بكثير من أن يكون صاحبها مخرج بولندي ينشط في محيطه المحلي. وما أن نال تلك الشهرة التي فتحت له أبواب الإنتاج الكبير، حتى سارع باستغلالها بشكل لاهث في إنتاج أربعة أفلام طويلة مدهشة، وكأنه يعلم أن لحظات المجد لن تطول كثيرًا، على الأقل في حياته.

لأكون صادقًا، لا أحب تلك الروايات الرومانتيكية حول إدراك الفنان لرحيله المبكر ومسارعته الزمن لإنهاء أكبر عدد ممكن من الأفلام، وهي الرواية التي صارت في حكم المسلمات عند الحديث عن عاطف الطيب مثلًا. فمن ناحية، هي تفسير للأمور بأثر رجعي، لم تكن لتحمل أي أهمية لو سارت الأقدار بشكلٍ مغاير، ومن جهة ثانية -أهم- يُهمل قائلها الفارق المنطقي بين الكم والكيف، فالفنان لا يصنع أسطورته بإنجاز أكبر قدر ممكن من الأعمال، بل يمتلئ التاريخ بموهوبين صنعوا عملًا واحدًا عظيمًا كفل لهم الخلود، في مقابل آخرين صنعوا قوائم أعمال لا تنتهي لا يكاد أحد يذكر سيرتهم.
البحث عن الإيقاع السحري
المتأمل في مسيرة كريستوف كيشلوفسكي سيجد أن رحلته الفنية هي بالأساس رحلة داخل الذات، للبحث عن صوت المبدع الخاص وبلورة بصمته الفريدة التي يُمكن أن تلمح إرهاصاتها في أعماله المبكرة. لكنها إرهاصات كانت في حاجة للمزيد من الوقت، للتفاعل مع العالم المحيط وهضمه، وتجربة أشكال سردية وأنماط عوالم وشخصيات مختلفة، لحين الوصول إلى النغمة الملائمة تمامًا، التي بلغها في نهاية الثمانينيات فصنع في فترة زمنية قياسية ما يمكن اعتباره أربعة عشر فيلمًا طويلًا مدهشًا.
نعم الرقم صحيح ولا يحمل أي مبالغة، فمسلسل «ديكالوج» مكوّن من عشر حلقات منفصلة، زمن كل منها ساعة، يمتلك كل منها مُصوّرًا وفريق تمثيل مختلف، صوّرها كيشلوفسكي بالتزامن بما يُشبه الإعجاز، لدرجة إنه يروي قيامه بتصوير مشاهد من ثلاث حلقات مختلفة، مع ثلاثة فرق مختلفة، خلال اليوم الواحد. ليقوم بعد نجاح «ديكالوج» الفائق بإنجاز إنتاجه المشترك الأول في الفيلم البولندي الفرنسي «الحياة المزدوجة لفيرونيكا The Double Life of Véronique»، قبل أن يتم التعاقد لإنجاز ثلاثية مستوحاة من ألوان العلم الفرنسي «أزرق» و«أبيض» و«أحمر»، ليُنجز الأفلام الثلاثة سريعًا فتُعرض كلها خلال عامي 1993 و1994. هذا ليس إيقاع فنان يسابق الموت، وإنما مبدع وجد أخيرًا إيقاعه السحري، أمسك بلحظة الخلق المثالية فأراد أن يطيلها قدر الإمكان.

المدهش إنه وبينما انطلقت شهرة كيشلوفسكي الدولية مع هذه الأفلام السبعة عشر أو الأعمال الثلاثة (ديكالوج وفيرونيكا وثلاثية الألوان)، وهي الأفلام التي عادة ما يذكرها محبوه حول العالم ويدرجونها ضمن قوائم الأفضل في التاريخ، فإن المُحب المخلص والمشاهد العتيد سيتمكن من الإمساك بجذور كل ما في هذه الأعمال من فرادة ضمن أفلام صانعها الأقدم والأقل حظًا من الشهرة.
مرحلة التحرر من الشيوعية
كريستوف كيشلوفسكي بدأ بأفلام أكثر ارتباطًا بالواقع السياسي والاجتماعي المُعاش في بولندا الشيوعية. عوالم الأفلام تُشبه سينما الواقعية الاشتراكية، لكن تتمرد عليها بالانحياز للفرد في مقابل الجموع. بالنظر إلى جوهر أفلامه الأولى سنجدها أفلام ناقدة للشيوعية، لكن ليس من مدخل سياسي أو حقوقي، وإنما انطلاقًا من فهم مُبسط للتاريخ مفاده أن أي نظام يؤدي إلى تعاسة من يعيشون داخله، هو نظام فاشل بالضرورة. لم تصرخ الأفلام بذلك الموقف بالطبع، فصاحبها ظل حريصًا على تفادي الحدود الرقابية الصارمة، لكن بما يسمح له بتمرير ما يكفي من رؤيته لبلده وما يحدث فيه.
بطل «الندبة The Scar» (1976) شيوعي مخلص للحزب، يعود لبلدة عاش فيها قديمًا ليدير مشروع بناء مصنع جديد للكيماويات. البطل الشريف يصطدم بواقع المجتمع المحلي والإدارة السياسية التي تعطل خططه لتحسين وضع البشر، والذين يربطه بهم علاقات إنسانية تُمثل الإرهاصة الأولى لسينما كيشلوفسكي الجميلة. السينما التي لا تنشغل بالسياسة، ولكن بما تُحدثه السياسة من ندوب في نفوس البشر، لاحظ الإشارة في العنوان لهذه الفكرة المبكرة التي ستتكرر كثيرًا: ما يترك ندبة في نفس البشر يستمر حضورها للأبد.

في العام نفسه أنجز كيشلوفسكي فيلمًا تلفزيونيًا بعنوان «الهادئ The Calm» ظل حبيس الأدراج حتى عُرض عام 1980، عن رجل يخرج من السجن بعد عقوبة ثلاث سنوات، ويحاول إنشاء حياة هادئة مع زوجة ومهنة في أحد المصانع، ورغبة في الهدوء والسلام تجعله يرفض الانخراط في الإضراب الذي يُقدم عليه زملائه فيعتبرونه عدوًا لهم، بالرغم من كونه في الحقيقة يشاركهم نفس الأحلام في الحياة. يعاني الفيلم من أغلب عيوب البدايات المتقشفة، لكنه كان بداية أحد أهم الشراكات الفنية في تاريخ صانعه، وهي شراكته ببطل الفيلم، الممثل الشاب آنذاك ونجم السينما البولندية لاحقًا يرزي شتور الذي سيستمر ظهوره في أفلام المخرج الموهوب حتى نهاية حياته.
التحفة السينمائية الأولى
يرزي شتور سيلعب عام 1979 بطولة أول أفلام كيشلوفسكي البديعة بحق، وهو أول فيلم سيحقق له بعض الشهرة الدولية المحدودة كصانع أفلام شاب موهوب، نقصد «مهووس بالكاميرا Camera Buff» الذي يظل فيلمًا صالحًا لإعادة الاكتشاف حتى يومنا هذا، بذكاء موضوعه وانطلاقه من مفارقة فريدة، تلامس أفكارًا كالموهبة الفطرية، وحياة الفنان عمومًا، وحياته تحت نظام شمولي خصوصًا.
بطل الفيلم عامل بسيط في مصنع، يقتني كاميرا هواة مقاس 8 ملليمتر ليصوّر ابنته المولودة حديثًا، يتورط في تكليف مسؤول الحزب له باستخدام الكاميرا لتصوير احتفال خاص بالمصنع، ليصوّر ما يتراءى له فيكتشف الجميع أنهم أمام فنان موهوب صنع فيلمًا صالحًا للعرض، يُمكن أن يكون مثالًا لما تنتجه المجتمعات العمالية من مواهب فطرية، فيجد الرجل الذي لم يخطط أبدًا للأمر نفسه أمام حزمة من التحديات، فعليه التعامل مع وضعه الجديد كفنان صاعد هناك من ينتظر أعماله ومن يريد أن يستغلها، مع مديريه وزملائه الذين يشعرون بالغرابة والغيرة مما طرأ على زميلهم، ومن زوجته التي لم تتخيل أن تقلب تلك الكاميرا الصغيرة حياة زوجها رأسًا على عقب.

ينتهي «مهووس بالكاميرا» بواحد من أشهر المشاهد في تاريخ السينما البولندية، عندما يقرر البطل إدارة عدسة الكاميرا تجاه نفسه، أي يترك الانشغال بما يحدث في العالم باعتباره منعزلًا عمّا يحدث لشخصه. يمكن اعتبار هذه اللحظة السينمائية نقطة انتقال مفصلية في سينما كريستوف كيشلوفسكي، وجد عندها المسار الذي ميّزه عن مجايليه من صناع السينما ليس فقط في بولندا، وإنما في العالم بأكمله. ولعله كان شعورًا عامًا مُسيطرًا على الأجواء لمن يملك القدرة على استقراء الأمور قبل عقد واحد فقط من انهيار المعسكر الشرقي. لاحظ أنه نفس الوقت تقريبًا الذي أنهي فيه المصري خيري بشارة، الذي عاش وتعلّم وتدرب في بولندا، فيلمه «العوامة 70» بقرار مماثل يتخذه البطل المخرج بعمل فيلم عن فرد من أسرته، أي مرة أخرى يوجه الكاميرا ناحية الذات، تجاه الإنسان لا السياسة.
السمات الأسلوبية تتبلور
أفكار أخرى كيشلوفسكية بامتياز تظهر في فيلميه الأخيرين قبل انطلاق شهرته العالمية. الفكرة الأولى هي تعقد العلاقات الشخصية بما يتجاوز الحسابات الأخلاقية التقليدية التي لطالما كرّستها السينما، ففي «لا نهاية No End» (1985) تخوض أرملة محامي حقوقي رحلة للدفاع عن حق وسمعة زوجها الراحل، بالرغم من إدراكنا أن زواجهما لم يكن في أفضل صورة، وعثورها على صورة قد تؤكد خيانة زوجها لها. بعض تفاصيل الحبكة مقاربة كثيرًا لما سيعيد المخرج تقديمه في «الألوان الثلاثة: أزرق» بعد سنوات، لكن الجوهر يتجلى أكثر في كافة أجزاء «ديكالوج»، بما فيها من ضبابية أخلاقية، تجعل الأمور التي قد تبدو للبعض بسيطة جدًا، تظهر في أفلام كيشلوفسكي كمعضلات أخلاقية شديدة التعقيد، يصعب الخروج منها بقرار تعاطف أو إدانة لموقف أو شخص ما.

الفكرة الثانية هي ما صار الكثيرون يسمونه «أثر الفراشة»، أي قدرة التفاصيل البسيطة والقرارات العابرة التي يأخذها الإنسان في لحظات دون تركيز -على إحداث تغييرات هائلة في مصير الفرد ومن حوله، تصل لحد الموت والنجاة، الزواج والطلاق، وغيرها من الأمور التي لا يدرك صاحبها أن قراره العابر كان له أثر فيها. في «صدفة عمياء Blind Chance» (1987) يعرض المخرج ثلاث نسخ مختلفة من حياة بطل الحياة، تختلف كل منها كليًا بسبب لحظات تُغير مسار موقف عابر تعرض له عندما كان يحاول اللحاق بقطار في شبابه.
يمكن اعتبار «صدفة عمياء» فيلمًا شكلانيًا، يحمل الكثير من السطحية إذا ما قورن بإسهامات صانعه الكبيرة في تاريخ السينما، والذي صنع أهمها «ديكالوج» بعد شهور معدودة من عرض «صدفة عمياء». لكن يمكن اعتباره أيضًا مسوّدة أخيرة اختبر فيها كريستوف كيشلوفسكي اختياراته الفكرية والسردية، ليكتمل بها نضجه ويصل إلى الذروة الإبداعية التي ستستمر طوال السنوات الثماني الأخيرة في حياته.

هل للعالمية قيمة حقيقية؟
وإذا كنا نتحدث دومًا، نحن المُبشِّرين بفرادة سينما كيشلوفسكي، عن قدرته المدهشة على سبر أغوار النفس البشرية، على تجاوز أي تشويش خارجي سببه السياسة أو الاقتصاد أو هوس المخرج بالشكل، والانشغال بما يجعل البشر بشرًا: ضعفهم ورهافتهم وقدرة نفوسهم على الجمع بين التناقضات، وكفاءتهم المفاجئة في أن يكونوا أبرياءً ومذنبين في آن، فإننا في معرض إعجابنا بالأعمال الكبرى في حياته، نغفل أحيانًا أن سيرته السينمائية تضم تُحفًا أخرى بخلاف «ديكالوج» و«ثلاثية الألوان»، حتى لو لم يكن الحظ قد صادف صانعها لينال احتفاء كان وفينسيا والأوسكار وغيرهم من حراس بوابة العالمية.
وعلى طريقة أثر الفراشة، وإن افترضنا سيناريو مغاير لحياة كريستوف كيشلوفسكي، لم ينتبه فيه المبرمجون والمُنظّرون الأوروبيون لقيمة «ديكالوج»، فظل مسلسلًا تلفزيونيًا تقتصر شعبيته على الجمهور البولندي، وبالتالي لم ينل صانعه فرص السفر إلى فرنسا وإنجاز أفلام من بطولة جوليت بينوش وإيرين جاكوب وجولي ديلبي، وظل في سنواته الأخيرة يصنع أفلامًا داخل وطنه، فستظل موهبته نفسها، وقدرته على النفاذ إلى الروح ذاتها، بل ربما لكان قد أنجز أفلامًا أروع، في ظل ما يراه البعض من أن الحس الكوني في «الألوان الثلاثة» و«فيرونيكا» نال قليلًا من أصالة العالم البولندي المتماس مع البشرية في «ديكالوج».

يبدو هذا الفهم لقيمة النجاح حيويًا في حالة الجمهور العربي، فنحن نملك مخرجين على نفس شاكلة كيشلوفسكي 1987: حققوا نجاحًا دوليًا محدودًا، لكنهم أحدثوا أثرًا خالدًا في المُشاهد المحلي. ذكرنا في معرض حديثنا عاطف الطيب وخيري بشارة، ونضيف إليهما -على سبيل المثال لا الحصر – محمد خان وداود عبد السيد ورأفت الميهي، نوري بوزيد وفريد بوغدير ومفيدة التلاتلي، ميشيل خليفي ورشيد مشهرواي ومي مصري، مارون بغدادي وبرهان علوية، محمد ملص وعبد اللطيف عبد الحميد، وكثيرين غيرهم ينتمي أغلبهم إلى نفس الجيل أو ما يقاربه. صناع أفلام مدهشين، ربما لم يترشح أحدهم للأوسكار أو ينال سعفة كان الذهبية، ربما لا يعرف أسمائهم في الغرب سوى مئات من مهاويس سينما العالم الثالث. لكن من قال أن اعتراف الناقد النيويوركي أو المشاهد اللندني أهم في المطلق مقارنةً بالمُشاهد المغربي أو الناقد السوري؟ أو أهم من الجمهور البولندي الذي أحب كريستوف كيشلوفسكي وتأثّر بأفلامه قبل أن تكتب عنه «كراسات السينما»؟
لذلك عندما نتحدث في ملف بعنوان «أسبوع المخرجين»، ينبغي أن نؤكد أن فرادة كيشلوفسكي وأي فنان عظيم آخر، تنبع من داخل نفسه وأعماله، ومن أثرها ولو في جمهورها المحلي فحسب. صحيح أن الفنان يسعد باحتفاء العالم به، وأن الجوائز تأتي مع مزيد من الفرص، وبانتشار يساعد الأعمال على الوصول لجمهور آخر في بلاد بعيدة. لكن كم من فيلم احتفى به العالم كله ثم سقط من مدوّنات التاريخ، وكم من مبدع اكتفى بإحداث أثر إنساني رقيق في محيطه القريب، فبقى في الذاكرة للأبد!
اقرأ أيضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية