فاصلة

مقالات

كتابة السيناريو.. فن وصف العدم

Reading Time: 7 minutes

كتابة السيناريو هي أغرب أنواع الكتابة، فهي المخطوطة الوحيدة التي لا تُقرأ، بل تُرى. إذ أن السيناريو قصة أو حكاية تروى بالصور. فهي مزيج عجيب بين الأدب والفن. لكن في رأيي، فأن الشروع في كتابة السيناريو ليست سوى الخطوة الأخيرة من عملية كتابة الفيلم أو المسلسل!

إذ يعد من الجنون الانتقال من الفكرة إلى كتابة السيناريو مباشرة، دون المضي عبر عدة مراحل تطويرية لصياغة القصة في هذه العملية المعقدة. يقول سِد فيلد*: «المسألة أشبه بتسلق الجبل، فعندما تصعد إلى القمة فإن كل ما تراه هو الصخرة أمامك والصخرة من فوقك، وعندما تبلغ القمة يكون بوسعك عندئذ أن تلقي نظرة على المنظر من تحتك. أصعب ما في كتابة السيناريوهات هو أن تعرف ماذا تكتب، فعندما تكتب سيناريو عليك أن تعرف وجهتك، يجب أن يكون لديك اتجاه يقودك إلى الحل.»

وفي هذا المقال سأرافقكم في غياهب تلك العملية، وصولًا إلى معرفة كافية بكيفية العبور من الفكرة إلى السيناريو. ليس لأنني أعرف خبايا تلك المتاهة المظلمة، ولكن أزعم أني أمتلك كشافًا صغيرًا، نستطيع من خلاله أن نُبصر الدرب على الأقل.

كما تبدأ كل الأشياء بفكرة، يجب أن يبدأ بها السيناريو. فالأفكار كثيرة، كالمطر المنهمر تكاد تُلقى علينا من السماء، وللناس في استعمالها مشاربٌ عدة؛ هناك من يُنشأ مشروعًا تجاريًا بسبب فكرة سقطت عليه، وهناك من يغير العالم.. وبالطبع، هناك من يكتب فيلم. ولنفترض في هذه الحالة أن لديك فكرة تعتقد أنها جيدة، وتريد تحويلها إلى سيناريو، ومن هذا الافتراض نبدأ. 

الفكرة:

كنت تشاهد فيلمًا أو تستمع إلى أغنية جميلة أو تتحدث بارتياح مع صديق تحبه، وفجأة سقطت عليك فكرة من السماء. احمل جوالك أو جهازك أو ورقتك، واكتب الفكرة كما هي فورًا، فإن الأفكار لا تسقط على رأس واحد مرتين. 

ثم عد إلى المنزل أو أذهب إلى مكتبك وأضف عليها الصبغة السينمائية؛ إذ إن فكرة الفيلم يجب أن تعرض بوضوح الصراع الذي يشكل أساس الفيلم، ثم دع فكرتك تُجيب على هذه الأسئلة: 

ماذا يحدث؟

من يقع عليه هذا الحدث؟

أين؟

*سِد فيلد: كاتب سيناريو أمريكي 

سِد فيلد
سِد فيلد

ماذا يحدث؟ هنا تضع الفكرة في إطار قصصي، ماذا يحدث؟ ما هو الحدث المثير الذي تملكه في هذه الحكاية؟ مثلًا «سلسلة جرائم قتل تُكتشف بالصدفة» هذه بداية مثيرة للاهتمام، ينقصها أشخاص، وهنا ننتقل إلى السؤال التالي. 

من يقع عليه الحدث؟  خالد، طالب إعلام،  مهووس بالعمل الصحفي ويود أن يكون له شأن في المجال. يحب المغامرة ولا يتردد في سلك أصعب السُبل لتحقيق مُراده.

أين؟ محافظة صغيرة، تندر فيها المشاكل وحالات القتل.

الآن وبعدما أجبنا على هذه الأسئلة نكتب الفكرة لتصبح كالتالي: 

«طالب صحافة يحقق في خبر يظنه رئيس التحرير تافه غير أن التحقيق يسفر عن اكتشاف سلسلة من جرائم القتل في المحافظة الهادئة»

الآن أصبح لدينا فكرة معقولة لفيلم سينمائي، والخطأ الأكبر الذي يقع فيه الكثير من الكُتاب هو الانطلاق الآن لكتابة السيناريو فورًا.. وسرعان ما يُصاب بخيبة أمل، حينما يرى تلك الفكرة التي كان يظنها عظيمة، قد حُرقت في سيناريو هش غير متماسك.

 لذا عليك أن تتريث وتأخذ الفكرة لتطوّرها في ملخص قصير.

الملخص:

وهو إيجاز القصة في بضعة أسطر، ويجب أن توضح في الملخص بعض معالم الهيكل الدرامي الذي ستعمل عليه. وكما أسلفت، الملخص مهم جدًا، «فكلما عرفت أكثر عن قصتك، أصبحت قادرًا على سردها بشكل أفضل»

يتراوح الملخص في العادة بين أربع أسطر إلى صفحة أو صفحة ونصف، بحسب مدة الفيلم. وهو نص قصير يجب أن يكون فعال وصادق ومُتقن لكي يخلق لدى القارئ -المنتج / المخرج/ الممول لمشروعك، الرغبة الملحة في قراءة السيناريو لاحقًا.

وعندما أقول مُتقن فأنا لا أعني أن يكون مثالي كتابيًا، لا. بل أعنيّ أن يكون كافيًا لكي يفهم القارئ الفيلم بأقل عدد من الكلمات، إذ لا بد للملخص أن يشمل  الشخصيات الرئيسية والسياق الزمني وبعض الأحداث المحورية..

فلو كانت الفكرة التي لدينا الآن هي: طالب صحافة يحقق في خبر يظنه رئيس التحرير تافه غير أن التحقيق يسفر عن اكتشاف سلسلة من جرائم القتل في المحافظة الهادئة.

وبناءً على ما ذكرنا أعلاه سيكون الملخص هنا كالتالي: 

«خالد طالب جامعي في مرحلة التدريب التعاوني، بسبب حماسه ورغبته في تجربة تحقيق صحفي ميداني، يُوكِل إليه رئيس التحرير التحقيق في مقال لقضية قديمة منذ عشرات السنين لكي ينشغل بها ويكف عن ازعاجه كل يوم. فيبدأ خالد في البحث عن الشخصيات ذات الصلة بالقضية، ويجري لقاءات صحفية معهم. وسرعان ما يتوصل إلى اكتشافات مثيرة للاهتمام تؤدي إلى الكشف عن سلسلة من جرائم القتل في المحافظة الهادئة.»

من خلال هذا الملخص يستطيع القارئ التنبه إلى عدة أشياء أهمها، شخصية خالد  والمكان الذي يعمل فيه، وعلاقته بمديره الذي يبدو منزعجًا من كثرة مداخلته واقتراحاته التي لا تناسب الصحيفة التي يتضح أنها قديمة ولا تملك موارد أو قوة إعلامية لمتابعة القضايا المجتمعية، وأنه أجرى لقاءات عدة وبالنظر إلى شخصيته المتحمسة قد تطرأ عدة مواقف من تلك المقابلات وصولًا إلى اكتشاف جرائم القتل.

وبعد كتابة الملخص، ننتقل إلى المعالجة وهي أقرب أشكال السيناريو إلى الرواية.

المعالجة:

وصف لأحداث الفيلم من البداية إلى النهاية في عشر أو عشرين صفحة، تُكتب فيها المشاهد على شكل قصة بدون تقطيع. حدث كذا، ثم كذا، ثم كذا… وإذا كان هناك حاجة لكتابة حوار في أحد المشاهد فلا بأس، لكي يفهم القارئ الشخصيات أكثر. 

وتعتبر المعالجة «الأولى» بمثابة الاختبار الأول لفكرتك. فمن خلال المعالجة تستطيع معرفة نقاط ضعف القصة ومكامن قوتها، فتستطيع من خلال المعالجة الإسهاب في الحكاية وخلق مشاهد جانبية «عقدة ثانوية» تساهم في وضع القصة في إطار قصصي متكامل. 

انتهيت من المعالجة؟

اقفل جهازك واذهب في نزهة صغيرة، وانسَ أنك كتبت أي شيء، أخرج مع اصدقائك ألعب، اقرأ، نام، تأمل.. ثم عُد إليها بعد عدة أيام أو أسبوع، واقرأها مرة أخرى كأنها قصة.

ستكتشف بعض العيوب فيها بالطبع، وبعض الاستعجال -وذلك طبيعي لأنك تعرف النهاية المشوقة وتود قولها بسرعة- صلّح العيوب، وأضف المزيد من التفاصيل المشوقة.

انتهيت؟

أرسل المعالجة بنسختها الثانية إلى أي صديق تعتقد أنه مهتم بالقراءة، ولو كان غير قارئ من الأساس أفضل. فهو غير متذوق ويعرف النص الممل من المشد. اسمع آراءه بكل حرص، ثم أرسلها لصديق آخر.. ولو اتفقوا جميعًا على ذات العيوب فتأكد أن لديك مشكلة في الهيكل، لا بأس، أفتح جهازك مرة أخرى اقرأ المعالجة بعين ناقدة غاضبة من كثرة العيوب، وطوّرها من جديد.. 

وهكذا.. حتى تصل إلى نسخة تعتقد أنها كاملة.. الحكاية فيها واضحة، والعقدة واضحة والشخصيات واضحة. 

انتهيت؟

ها قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة، التي يظن الجميع أنها المرحلة الأولى، وهي كتابة السيناريو

السيناريو:

للسيناريو صيغة كتابة مختلفة عن جميع ما سبق، إذ يُعد الملخص والمعالجة ليس إلا توطئة وخارطة لكتابة السيناريو بأسهل طريقة ممكنة. 

وبعدما أصبح لديك معالجة مكتملة لا يكون عليك سوى تقطيع المشاهد التي في المعالجة ووضعها في السيناريو.

لو كان لديك في المعالجة المشهد كالتالي:

«في اليوم الأول لخالد في التدريب التعاوني، يدخل مقر الصحيفة فيرى مكاتب الموظفين مجتمعة في الساحة في المنتصف، وفي نهاية الممر نرى مكتب رئيس التحرير الزجاجي، يشاهدهُ خالد يكلم بالهاتف ويبدو من طريقة كلامه أنه يتحدث عن أمر شخصي، يرتطم به عامل النظافة ليجعله يستعيد تركيزه، ثم يدخل العامل مكتب المدير فنسمع محادثته بشكل واضح»

سيكون السيناريو كالتالي:

«1/ داخلي. مقر الصحيفة – ساحة المكاتب – نهار»

يدخل خالد مقر الصحيفة، يقف بحماس وهو يرى مكاتب الموظفين الموزعة بشكل منظم في الساحة الكبيرة، نرى برادة المياه بجانب أدوات القهوة التي يتضح هجر الموظفين لها، نسمع نقرات أصابع الكُتاب على لوحات المفاتيح، وأصوات رنين الهاتف بين الفنية والأخرى، يتأمل خالد المنظر مدهوشًا، حتى يرى المدير وهو يتحدث بالهاتف في مكتبه الزجاجي في نهاية الممر، ويضحك بشكل هستيري مما يكشف أنه لا يجري مكالمة عمل. 

أثناء وقوفه في المنتصف وهو يتأمل كل ذلك، يرتطم به عامل النظافة الذي يحمل «صينية» فيها كوب شاي وماء

خالد:

معليش صديق!

العامل:

ما فيه شوف طريق أنته!؟

خالد:

بس أنت الي كنت تمشي أنا واقف!

ينصرف العامل بغضب دون أن يُجيب، يفتح العامل مكتب المدير، فنسمع صوته يدوي في الساحة ويتضح أنه يتكلم عن مباراة الأمس.

قطع

المشهد في السيناريو يجب أن يتضمّن معلومات مهمة:

رقم المشهد 

داخلي أو خارجي

اسم المكان وموقع المشهد في المكان مثل: «شقة خالد – المطبخ»

ليل أو نهار

التتابع الدرامي (الوصف والحوار) 

يتكون السيناريو بطبيعة الحال من عدة مشاهد، والمشهد هو العنصر الأهم في السيناريو، وغاية المشهد هو دفع القصة إلى الأمام، وحتى لا تصل إلى منطقة لا نهاية فيها. يجب عليك أن تعرف نهايتك، أو على الأقل أن تعرف ما الذي تود قوله في نهاية هذه القصة. النهاية وجهة، ولكن طريقة وصولك لهذه الوجهة هو اختيارك. 

بناء السيناريو:

يُقال أن كل شيء في الحياة يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: بداية وعقدة ونهاية. وذلك ينطبق على حياة الإنسان وحال الأمم وكل شيء. هناك بداية ونشوء الحدث ثم عقدة أو أحداث عظيمة تحدث ثم نهاية، إمّا استقرار أو دمار. 

وكذلك الفيلم فهناك البداية، تمهيد القصة والعالم، والتعريف بشخصية البطل وما الذي يسعى إليه. عليك أن تكون واضحًا في نوايا الشخصيات منذ البداية. 

والعقدة هي المشكلة التي يتوجب على البطل مواجهتها في الفيلم سواء كانت أحداث تمنعه من الوصول إلى الهدف أو شخصيات مضادة له. وداخل هذه العقدة عُقد صغيرة تجعلنا نشعر أن البطل وصل إلى حافة الانهيار، ومن ثم النهاية أو الحل، وهنا حيث يجد البطل طريقة في تحقيق حلمه والانتصار أو ينهار تمامًا.

هذه قاعدة، ولكنها ليست أساس. فدعنا ننظر إلى الفيلم من زاوية أخرى. 

الفيلم مكون من شخصيات وأهمها شخصية البطل. أولًا عليك معرفة مالذي يريد البطل تحقيقه أو أن يحصل عليه من خلال السيناريو الذي تكتبه. أكتب سيرة البطل في ورقة خارجية، أفهمه أكثر وتعرف على جميع جوانبه. 

 فلو كان البطل مثلا يريد تحقيق الشهرة والنجاح كحال «خالد» في نموذجنا. اسأل نفسك لماذا يريد تحقيق النجاح؟ ما هو دافعه الخفي، بعيدًا عن الكلام المبتذل الذي قد يقوله هو. لا بد أن لذلك علاقة بماضيه، لماذا يسعى دائمًا لتحقيق ذاته؟ كلما وضعت أسئلة أكثر حول الشخصية، كلما فهمت قصتك بشكل أعمق. 

حينما تحدد حاجة الشخصية الأساسية وتفهمها بشكل إنساني، تستطيع بكل سهولة أن تضع عقبات تحول دون بلوغ الشخصية لهذه الحاجة. الأمر بهذه البساطة، وعليك استخدام العقبات بشكل صادق وحقيقي.

هناك نوعان من العقبات: 

العقبات الخارجية وهي الأشياء التي تحدث في العالم الخارجي مثل حينما يذهب خالد إلى الشخص الوحيد الذي يملك معلومة جوهرية عن القضية، لا يجد أحدًا في المنزل أو أن يكون الرجل مُسن حاد الطباع فلا يساعده. 

العقبات الداخلية وهي التي يكون أصلها شخصية خالد وعيوبه الشخصية، مثل اندفاعه الذي يوقعه في مشاكل. 

 العقبات بكل أشكالها، هي المحرك السردي لأي سيناريو. بدون عقبات لا يوجد صراع، وبدون صراع لا تتقدم القصة. 

ختامًا، هذه أشياء يجب عليك من وجهة نظري معرفتها ككاتب سيناريو:

عليك كتابة التفاصيل التي لا يراها غيرك، تلك الأفكار النابعة من خيالك في المكان والأصوات المحيطة بالمشهد، ولكن من غير الاحترافية كتابة تفاصيل الكاميرا، مثل: لقطة مُقربة أو تقترب الكاميرا من وجهه الشخصية فهذا عمل المخرج لاحقًا، ولا حاجة لك ككاتب إشغال نفسك بهذه التفاصيل.

لا تكتب «خالد حزين لأن المدير رفض طلبه».. لأن ذلك يستحيل تصويره -تذكر أنك تكتب السيناريو ليتم تصويره، فكل وصف سيتم تصويره-  وبدلًا من ذلك أكتب مشهد ذكي يجعل المشاهد يستشعر غضب خالد من رفض المدير لطلبه. 

حينما تصف شخصية «خالد» أنه مندفع ويحب المغامرة هذا ما يجب أن تكون عليه تصرفات وردود أفعال خالد طوال الفيلم، وأي تصرف مختلف من خالد يجب عليك التمهيد له، فلو تريد كتابة مشهد يجعل خالد يفقد الأمل وييأس، عليك التمهيد لذلك عبر عدة مشاهد وأحداث تهشم مجاديفه، لا تجعل خالد فجأة يفقد الأمل من أول عثره، لأن البشر لا يتصرفون هكذا. 

اقرأ أيضا: السينما والأدب.. تاريخ من الاقتباسات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق