فاصلة

مقالات

«عيون مغلقة على اتساعها».. كيف صار الفيلم الممنوع عملًا خالدًا؟

Reading Time: 8 minutes

بدأت الحكاية عام 1999. كنت لم أكمل الخامسة عشر من عمري عندما عُرض «عيون مغلقة على اتساعها Eyes Wide Shut» للمرة الأولى. مراهق مصري يعيش في إحدى محافظات دلتا نهر النيل، يحب السينما كما يتيحها له محيطه، ولنأخذ بعض الوقت في وصف ذلك المحيط. 

أربع قاعات عرض في المدينة كلها، اثنتان تعرضان الأفلام المصرية الجديدة، واثنتان من قاعات الدرجة الثانية التي تعرض أفلامًا قديمة، مصرية وأجنبية، يعود تاريخ أحدثها لعقد مضى، يُمثل عرضها ذريعةً لاستمرار القاعات التي تحتضن الطلبة الهاربين من مدارسهم، والعشاق الذين يجدون مكانًا سريًا، وقائمة من الأفعال المشينة التي جعلت الاقتراب من القاعتين المتجاورتين محرمًا عليّ. بديل القاعات المحدودة كان انتشار نوادي تأجير شرائط الفيديو، التي يفخر كل منها بمكتبته المكوّنة غالبًا من مزيج من الأفلام المصرية والأمريكية الحديثة والمسرحيات الكوميدية. تصل الأفلام التي تمتلك موزعًا محليًا، بعدما عبرت من مقص الرقابة، ورؤية الموزعين الذين اشتهروا بمنح الأفلام عناوينًا مثيرة لا علاقة لها بالعنوان الأصلي، واختيارات صاحب نادي الفيديو الذي يُقدر أي أفلام يُمكن أن يُقبل عليها عملائه.

التلفزيون يعرض نفس نوعية الأفلام تقريبًا، مع جرعة أسبوعية محدودة من الثقافة السينمائية الرفيعة في برامج مثل «نادي السينما» و«أوسكار»، لكنها بالطبع ثقافة أكثر محافظة بحكم عبورها من الرقيب التلفزيوني الأكثر تشددًا من نظيره السينمائي. أما الثقافة السينمائية المقروءة فتتمثل في المقالات النقدية التي تنشرها الصحف والمجلات بمعدل مرة أسبوعيًا، والتي بدأنا من خلالها نكتشف أن الأفلام تُنسب لمخرجيها لا لأبطالها، وأن هناك أنواع أخرى من السينما تختلف عن أعمال عادل إمام وأفلام الأكشن الشعبية لسيلفستر ستالون وجان كلود فان دام وتشاك نورس وزملائهم. لكن لا مجال لمشاهدة أي أفلام خارج تلك التصنيفات. لاحظ أن قناة mbc2 لم تنطلق إلا عام 2003 لتُدخل فكرة الأفلام المعروضة مجانًا بلا توقف لثقافتنا العربية، ولم يصير الانترنت متوفرًا بشكل واسع -وبسرعات بطيئة- إلا في توقيت مقارب.

عيون مغلقة على اتساعها
Eyes Wide Shut (1999)

وسط هذا العالم ذي الاختيارات المحدودة، أقرأ ومعي أصدقائي المهتمين عن فيلم جديد جريء لدرجة فاضحة، لعب بطولته نجما المرحلة توم كروز ونيكول كيدمان ليُعلنا طلاقهما بعد الانتهاء منه، مع شائعات بأن محتوى الفيلم هو ما تسبب في انفصال أشهر زوجين في هوليوود. نقرأ أيضًا أن صانع الفيلم مخرج اسمه ستانلي كوبريك، مات بعد أيام من عرض نسخة الفيلم على الشركة المنتجة، فلم يشهد عرضه الأول ولم يتابع ما أثير حوله من جدل. لم نكن نعرف الكثير عن كوبريك، لكن رحيله ساهم في بناء تلك السمعة الأسطورية حول الفيلم، التي جعلت مشاهدته وقتها دربًا من الخيال، فكيف يُمكن في ذلك السياق أن تُشاهد فيلمًا أمريكيًا تطلّق بطلاه ومات مخرجه بسبب محتواه الفاضح؟

هذه مجرد مبالغات بطبيعة الحال، لكنها كانت حقائق في أذهاننا آنذاك، لذلك وبمجرد أن أعلن صديق عن وصول نسخة مهربة من الفيلم على شريط فيديو أحضره أحد العائدين من الخارج خلال عام 2000، إلا وكانت تلك النسخة كنزًا يجب أن تدفع ثمنها وتنتظر أن يأتي دورك للحصول على الشريط لليلة واحدة أو ليلتين، تدعو خلالهما أن تتمكن من مشاهدته دون أن ينتبه والداك أو يعتقدا أنك قد أحضرت أفلامًا إباحية للمنزل.

يصل الشريط أخيرًا فتكتشف عدة عوائق إضافية: زمنه الممتد الذي يقترب من الثلاث ساعات، والذي يجعل مشاهدته في جلسة واحدة شبه مستحيلة، وغياب الترجمة العربية بطبيعة الحال، فهي نسخة مهربة من الخارج لم يقم موزع بترجمتها. عليك أن تجد وقتًا وظرفًا مناسبًا، توظف انجليزيتك المتوسطة خلال المشاهدة، وتحاول إتمام مشاهدة الفيلم بأسرع وقت ممكن حتى تُعيد الفيلم لصاحبه أو تسلمه لمن يليك في قائمة المشاهدين المُنتظرين.

النتيجة: لم أكد أفهم شيئًا من الفيلم. لم أتمكن من التفاعل مع الشخصيات أو فهم دوافعها أو إدراك تفاصيل الحكاية، ولم يعلق في الذهن إلا بعض المشاهد الجريئة التي صارت مثارًا لمزاح متداول بين من شاهدوا الفيلم، وجميعهم تقريبًا كوّنوا نفس الرأي أو الموقف تجاه الفيلم، الذي سقط سريعًا من الذاكرة لننشغل بحياتنا ودراستنا، وبأفلام عديدة تعلقنا بها تباعًا بمرور السنوات.

عيون مغلقة على اتساعها
Eyes Wide Shut (1999)

الفصل الثاني للحكاية

أدرك بعدها قيمة ستانلي كوبريك. مع بدأ ممارستي للكتابة النقدية كهاوٍ عبر مدوّنة إلكترونية، شاهدت أفلامه الشهيرة الأسبق «البريق The Shining» و«أوديسا الفضاء 2001: A Space Odyssey» و”برتقالة آلية A Clockwork Orange” وغيرها، لتظل القناعة الراسخة في ذهني أن «عيون مغلقة على اتساعها» هو ذلك الفيلم السيئ الذي صنعه المخرج العظيم قبل رحيله، ولا أجد ما يكفي من الوقت أو الحماس كي أبحث عنه وأعيد مشاهدته، حتى بعدما صار ذلك أمرًا يسيرًا.

نقفز بالزمن إلى عدة سنوات مضت، عندما اقتنيت كتابًا أنيقًا حول الأوراق الشخصية لكوبريك، يتناول أفلامه بالرصد التاريخي والتحليل النقدي، فقررت أن أعيد مشاهدة الأفلام بترتيب صناعتها بالتزامن مع قراءة ما كُتب عنها، فأصل تدريجيًا للفيلم لأشاهده في ظروف حياتية مختلفة كليًا: صرت ناقدًا محترفًا مهنته مشاهدة الأفلام والكتابة عنها، تعرضت لمئات الأفلام الجريئة والفاضحة التي يُعد فيلم كوبريك جوارها عملًا مهذبًا فلم يعد الأمر يُشكل أي تشويش على تجربة المشاهدة، تزوجت وصرت أبًا لطفل صغير يُمثل ثمرة وميزان شراكة الحياة. باختصار: صرت شخصًا مختلفًا تمامًا عن ذلك المراهق الذي فشل في فهم الفيلم والتفاعل معه.

فجأة وجدت نفسي مستسلمًا لتجربة مشاهدة نادرًا ما يخوضها الناقد المحترف: تجربة مشاهدة أولية، تنغمس فيها في الفيلم كليًا فتتعطل أدواتك النقدية مؤقتًا، لتخوض الرحلة مع الشخصيات متفاعلًا مع مشاعرهم وأفكارهم، ومسقطًا ما تراه على نفسك وحياتك، عاقدًا المقارنات ومحاولًا الوصول للحل والقيمة. انتهى الفيلم لأقوم مباشرة بإعادة تشغيله مرة جديدة، وهو فعل نادر لا أذكر أنني قمت به خلال السنوات العشر الأخيرة مع أي فيلم آخر. وجدت الفيلم ببساطة يتحدث لي مباشرة، يقدم في حكايته التي تبدو غرائبية يصعب الإمساك بتفسير محكم لها، ما يُمكن أن يلمس حياتي ورؤيتي للعالم، وعلاقتي بأقرب الناس لي، وهي العلاقات التي يضعها كوبريك على المحك من اللحظة الأولى للأخيرة.

ستانلي كوبريك
ستانلي كوبريك وتوم كروز

أسرة مثالية ولكن

بيل هارفورد طبيب ناجح، يعيش حياة زوجية سعيدة مع زوجته الجميلة أليس وابنته الوحيدة هيلينا. يبدأ الفيلم بالزوجين يستعدان لحضور حفل خاص في منزل أحد مرضى بيل الأثرياء. يدخل الزوجان الحفل الأنيق معًا لكنهما يفترقان داخله كما يحدث في أي تجمع، ليتعرض كلًا منهما لتجربة غواية محدودة لا تُسفر عن شيء، لكنها تتسبب في حوار بينهما في الليلة التالية، يبدأ حميميًا قبل أن يتطور لتراشق كلاميّ، تُفجر فيه أليس مفاجأة تتلخص في اعترافها له بأنها تعرضت للحظة غواية سحرية خلال أجازتهما العائلية في العام الماضي، عندما شاهدت ضابطًا شابًا وتبادلا النظرات فحسب. لكنها نظرات جعلت الزوجة والأم المُحبة تندفع بأفكارها، لتصل لكونها مستعدة لأن تهجر زوجها وابنتها وحياتها كلها، فقط كي تكون مع هذا الرجل الغريب الذي لا تعرف عنه شيئًا.

قد يبدو اعتراف أليس لوهلة أمرًا هينًا، ففي النهاية لم ترتكب أي فعل مشين، كل ما الأمر أن تلك الأفكار دارت في ذهنها وسيطرت عليها لليلة واحدة. لكنها لو كانت قد اعترفت لبيل بارتكابها خيانة فعلية، ربما لم يكن الأمر ليُحدث فيه نفس الأثر المزلزل، الذي يهز كيانه ويقلب حياته رأسًا على عقب، ويجعله يخوض رحلة عجيبة مدتها ليلتين في شوارع نيويورك، يتعرض فيها لطيف من الشخصيات والمواقف والحقائق التي لم يكن يتخيل يومًا وجودها.

Eyes Wide Shut (1999)
Eyes Wide Shut (1999)

مركزية الاعتراف والغواية

على شبكة الإنترنت ستجد عددًا لا نهائيًا من التحليلات لفيلم “عيون مغلقة على اتساعها”، منها ما ينظر للفيلم بشكل عام، ومنها ما يُركز على مشهد واحد أو تفصيلة بعينها. نصيب الأسد بالطبع لتتابع الحفل الغامض الذي يتسلل بيل إليه، والذي يربطه البعض بالماسونية وبعشرات التفسيرات الأخرى. التحليلات تمتد كذلك إلى أمور هامشية. أذكر مثلًا مقطع فيديو طويل يحاول تفسير موضع عربة أطفال كانت موجودة أمام شقة فتاة الليل التي يزورها بيل في ليلتين متتاليتين. ثراء الفيلم فكريًا وبصريًا، مع الغموض المسيطر على موضوعه هي أمور تمنح تلك التفسيرات ما يبررها، لكن في نظري يظل مشهد المواجهة واعتراف أليس بالغواية النقطة المركزية التي ينطلق منها ويعود إليها كل شيء آخر على مدار الفيلم.

اعتراف أليس لزوجها بأنها اشتهت رجلًا آخر غيره، بل كانت مستعدة لترك حياتها معه وراءها من أجل ليلة واحدة مع ذلك الرجل، هو اعتراف مزلزل بكل المقاييس، يضرب في لحظة واحدة منظومتين من القناعات الراسخة: ثقة الذكر المهيمن، وفرضية السعادة الأبدية.

عيون مغلقة على اتساعها
Eyes Wide Shut (1999)

كوبريك اختار توم كروز للعب دور البطولة، بوسامته وجاذبيته التي لا يختلف عليها اثنان خاصةً في تلك المرحلة العمرية، وبالفعل على مدار الأحداث لا تكاد امرأة تقابل بيل إلا وتقع بصورة أو بأخرى تحت سحره. ذلك الامتياز الذكوري مع وظيفته المقدرة من الجميع وحياته الاجتماعية التي تبدو في صعود مستمر، كلها أمور تجعل ثقة بيل في نفسه لا نهائية، وتجعل إخلاص زوجته له أمرًا بديهيًا لا يحتمل التفكير. بيل لم يشعر أبدًا بالغيرة على أليس، ليس لأنه يثق فيها كما يقول خلال النقاش معها، ولكن لأنه ببساطة لا يعتقد أن من الوارد أن تجد شريكة حياته رجلًا يفوقه جاذبية.

تلك الصدمة التي تحطم ثقة بيل في ذكورته تقوده إلى رحلته الليلة التي ينقلب فيها معنى كل شيء للنقيض، ففي كل مرة تبدى امرأة انجذابها له، لا يُفسر هذا كما هو معتاد بكونه نتيجة لسحره، وإنما يُسقط الحالة على زوجته فورًا، فيجد إقدام المرأة عليه مماثلًا لما يُمكن أن تفعله أليس مجددًا إذا ما تعرضت للغواية نفسها. يعيد الطبيب تعريف كل شيء في حياته، وما رحلته بين الحانات وبيوت العاهرات والحفلات الماجنة المخيفة إلا تجسيد لإعادة التعريف تلك.

عن السعادة الأبدية

المنظومة الأخرى التي يهزها اعتراف أليس في نفوس الجميع، لا لدى زوجها فقط، هي الحياة الزوجية الهانئة، أو فرضية السعادة الأبدية. من ينظر إلى حياة بيل وأليس سيجدها مثالية تقريبًا: زوجان جميلان، ناجحان اجتماعيًا، يعيشان في بيت أنيق مع ابنة مُحبة، يرتقيان اجتماعيًا، ويحافظان في الوقت نفسه على حُب متبادل وانجذاب جسدي لم يخفت بمرور السنوات. حياة يمكن أن تكون حلمًا لأغلبية البشر على سطح الأرض، ويُفترض منطقيًا أن تستمر للأبد بلا مُنغصات. لكن الزوجة تفجر في وجوهنا قنبلتها، بأن كل هذا يُمكن الاستغناء عنه مقابل لحظة من الغواية. حتى لو كانت قد تراجعت عن الأمر فظلَّت مجرد هاجس طرأ على خيالها لليلة، فإن حضور الفكرة في حد ذاتها يُقوّض الفرضية المذكورة نهائيًا، فما حدث قد يتكرر في أي لحظة، وليس في كل مرّة تفلح الكرّة، أو تسلم الجرّة.

أليس تدفعنا جميعًا للاعتراف بتبدد الإيمان المطلق بفكرة المحبة والسعادة الأبدية، لذلك فحتى عندما يصل الزوجان إلى صيغة تصالح مع كل ما جرى، فإن ما يثير حفيظتها هو قول بيل بأنها يحبها “للأبد”، فتطلب منه ألا يستخدم هذه الكلمة مجددًا لأنها تخيفها. لا تحاول الزوجة هنا التمهيد لأي غواية مستقبلية، لكنها تقول ببساطة أن ما جرى وشاهدناه يقول أن ثقة أي إنسان في دوام حياة أو علاقة أو شعور للأبد، هو محض وهم يتجاهل حقيقة النفس البشرية.

عيون مغلقة على اتساعها
عيون مغلقة على اتساعها (1999)

للناضجين فقط

«عيون مغلقة على اتساعها» فيلم يجمع إذن سمات تبدو متناقضة، فمن جهة يتمتع بقدر من الفرادة، بل والغرابة، كفيلٌ بجعله عملًا ملائمًا لخلق طائفة من المحبين، فيلم كَلت cult يجتمع حوله عشاق مخلصون، يغوصون في تفاصيله ويخرجون بتأويلات بعضها منطقي وبعضها أقرب للشطط منه لمقاصد صانع الفيلم. من جهة أخرى هو عمل بسيط في انطلاقه من فكرة مركزية تضرب وترًا يملكه كل إنسان، أو للدقة يملكه كل إنسان بعد مرحلة ما في حياته.

أصل بهذا إلى تأويلي الخاص لتلك الرحلة التي أسهبت في سردها في البداية، والتي تحوّل فيها عمل غامض صالح للنسيان إلى واحد من الأفلام التي يُمكن وضعها بأريحية ضمن قوائم الأفضل في التاريخ. ثمّة أعمال تحتاج أن ترتكز على تجارب المُشاهد الحياتية، تحتاج جمهورًا لديه بالفعل خبرة تكفل له هضم التساؤلات التي يطرحها الفيلم والتفاعل معها، جمهور يُمثل بقاء الأسرة ودوام الحياة الهانئة، وأفكار كالغواية وعلاقتها بالحب -أسئلةً ذات أهمية حقيقية تستحق التوقف عندها. باختصار، ثمّة أعمال تحتاج مشاهدًا ناضجًا، لو شاهدتها قبل أن تكون جاهزًا لتلقيها ستفقد الهدف منها برمته.

وإذا كان آخر أفلام ستانلي كوبريك قد اكتسب شعبيته لوهلة قبل ربع قرن باعتباره ذلك الفيلم الممنوع المليء بالمشاهد الجريئة، فربما يكون الوقت قد حان – على الأقل لمن هم في عُمري – للتأكيد على أنك وبمجرد أن تتخلص من تشويش المراهقة (بما فيها التعامل المراهق مع محتوى الأفلام ولو جاء من كهول)، سيكون بإمكانك إدراك ما في هذا الفيلم من فرادة فنية وفكرية وإنسانية.

اقرأ أيضا: «أحلام (جنس حب)».. لماذا صار فيلم مغمور الرابح الأكبر في برليناله 75؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق