من النادر أن يتلاعب الفيلم السينمائي بإعدادات السينما. هناك «مقدّسات» تبقى ثابتة مهما بلغ المُنتَج البصري درجة من التمرد على القوالب الجاهزة والأنماط المستهلكة. لا أقول أن «صمّاء Sorda» للمخرجة الإسبانية إيفا ليبرتاد نجح في كسر «الثوابت»، بيد أن النية موجودة، إذ أنه يحاول أن يفعل شيئًا من هذا، ما يشكّل سببًا كافيًا للاطلاع عليه، أقله كتجربة مغايرة.
نال الفيلم جائزة الجمهور في مهرجان برلين الأخير (شباط الماضي)، بعد مشاركته في قسم «بانوراما». جائزة في مهرجان يستمد شرعيته من المشاهدين الذين يتوافدون بالآلاف طوال 11 يومًا، لا بد أن تحمل دلالات، مشيرةً إلى جودة معينة.
في أي حال، الجائزة هي التي حملتني إلى مشاهدة هذا العمل المرهف، كونه لم يكن على جدول مشاهداتي. صدف أني كنت أمر بالقرب من الصالة التي كانت برمجته، في اللحظة التي تلقيتُ فيها رسالة إلكترونية عن جوائز «بانوراما»، وذلك قبل ساعات من الختام، فوجدتني أنضم إلى الطابور الذي كان أمام القاعة. وأقل ما يُقال إنني لم أندم.
العنوان، «صمّاء»، يحمل في داخله الفيلم كله. فأنخيلا (ميريام غارلو) صمّاء بكماء، أي أنها لا تسمع سوى ذبذبات ولا تتكلّم إلا بلغة الإشارات، ترى العالم الذي من حولها لكنها محرومة من الأصوات. تجهل صخب هذا العالم وضجيجه المتواصل. حيزها مغلق على ذاته. تعيش في شرنقة تعزلها عن إحدى الحواس المهمة لدى البشر. يفتتح الفيلم مع غياب تام للصوت، مسرعًا على الزجّ بنا في مكانها، لنرى ما تراه بعينيها و«نسمع» ما تسمعه بأذنيها، لكننا ندرك على الفور استحالة استبدالنا بها. سنتعرف إلى محيط أنخيلا الاجتماعي، من أصدقاء ومعارف صم يتواصلون بعضهم مع بعض بلغتهم الخاصة. هناك أيضًا في عداد الناس الذين سنلتقيهم، والداها اللذان لا يتوقّفان عن اقناعها بضرورة اللجوء إلى جهاز سمعي. لكن أنخيلا، تفضّل القراءة على الشفاه. ونحن من جانبنا، سنقرأ الترجمة كلما هي فهمت فقط من الإشارات وحركة الشفاه، في وحدة حال بيننا وبينها. باختصار، يعمل الفيلم على تعدد وجهات النظر. هناك جزء سنرى فيه الأشياء من وجهة نظر السامعين، وآخر ترويه لنا سيدة لا تتشارك معنا حاسة السمع.

أنخيلا متزوجة من هكتور (ألفارو ثرفانتس)، ومعاً ينتظران مولودهما الأول. لا يعرفان إذا كانت الطفلة الصغيرة سترث ما تعانيه الأم. بعد انتظار يتخلله الكثير من القلق والشك والتفكير، ستأتي الطفلة إلى الحياة وهي سليمة. لن نعرف شيئًا عن حالتها، إلا بعد فترة انتظار تتيح للأطباء التأكّد. هذا كله سيضعنا ويضع الأم والأب في حال من التريث والارتباك وتسمح للفيلم بأن يلملم أجزاءه. الهم الجديد: كيف أن المولود الجديد سيعيد صوغ علاقة الأم بنفسها وبالعالم.
شتّان بين إنسان عادي يعاني إعاقة، وأم تعاني منها فتصوغ كلّ علاقتها الحسية بالعالم. ومن هذا الفرق يولد الفيلم الذي سيرينا خوف أم من فشل التواصل مع طفلتها السليمة سمعيًا، خصوصًا أن علاقة زوجها بالطفلة ستشعرها بأنها ما عادت أولوية في حياته وتدفعها إلى المزيد من الانعزال. وفي هذه النقطة الأخيرة، تبرع المخرجة في جعلنا نتماهى مع محنة البطلة، عبر أسماعنا العالم بأذنيها.

يمهّد الفيلم لأسئلة عدة ذات معضلة أخلاقية من دون أن يعالجها بالضرورة: هل يجوز إنجاب طفل ونحن نعلم مسبقًا بأنه سيحمل أمراضنا وإعاقاتنا وعيوبنا؟ الولادة في الفيلم لست مهمة في ذاتها، بقدر أهميتها في مناقشة الأمومة والتوريث ونظرة المرأة إلى الحياة بعد الإنجاب. في دورة برلينالية كان فيها العديد من الأمهات اللواتي يتنظرن مولودهن، لا بد أن نذكر أن «صمّاء» يتقاطع مع فيلم آخر يُدعى «طفل الأم» للنمسوية يوهانا مودير، وكلاهما يخرجان من جبّ التجربة الشخصية، لكن تنتهي المقارنة عند هذا الحد، إذ إنهما يختلفان أكثر ممّا يتشابهان.
انطلقت إيفا ليبرتاد من أرضية متينة، فمن أجل فهم أعمق للأمومة ضمن مجتمع الصمّ، أجرت مقابلات مع نساء صمّ شاركن تجاربهن خلال الحمل والولادة ومراحل تربية أطفالهن، لكن هذه المعطيات كلها ذابت في قِدر الفيلم، إذ لا نرى شيئًا منها كخطاب مصوّر.
لعل ما يثير الانتباه في «صمّاء» هو كيف حاولت ليبرتاد أن تنجز فيلمًا يتصالح فيه الشكل مع المضمون، في نوع من تأمل لفكرة التلقّي، خصوصًا في كيفية توظيف الصوت والصمت. هذا حوّل الفيلم إلى ميدان اختبار وتجارب ولو أنها لا تذهب بعيدًا. فالصوت شيء أساسي، إنه عنصر يساهم في صناعة الانفعال، ومثله الصمت الذي يختلف تمامًا عن غياب الصوت. لذلك، ينطلق الفيلم بغياب للصوت سرعان ما يجعلنا نتماهى مع أنخيلا. ثم، عندما يعود إلى «طبيعيته»، وإلى التواصل السمعي البصري مع العالم المحيط بنا، سنشعر حينها بالفرق. هذا التفصيل البسيط يقول لنا إن الناس الذين يتمتّعون بكامل حواسهم، يتعاطون مع الموضوع كتحصيل حاصل. لكن، في المقابل، لا تختزل ليبرتاد تجربة تصوير الصم بحيلة تقنية، بل تجعلها تجربة كاملة متكاملة، تعكس حياة الصماء من الألف إلى الياء.

الفيلم يتعاطى أيضًا مع موضوع التغريبة، ومع شعور الإنسان المنتمي إلى مكان ما بالغربة عنه، وهذا الشيء يخرج إلى النور تدريجاً، فتصوّره ليبرتاد بتفهّم عميق وإلمام بالتفاصيل يوحيان بأن هناك علاقة شخصية مع ما هو مطروح على الشاشة. فهناك دائمًا ما يعيد أنخيلا إلى حالتها الصحية الخاصة، نازعًا منها إنسانيتها، ومغلقًا عليها الأبواب.
كنت أجهل كلّ شيء عن الفيلم قبل مشاهدته، لكن ما يطفو على السطح من عناصر شخصية، دفعني إلى قراءة الملف الصحافي، فعلمتُ أن الممثّلة التي تلعب دور أنخيلا هي شقيقة المخرجة وهي فعلًا صمّاء. وهذا يشرح ما نراه في الفيلم من إدراك للخفّة التي يتعامل بها بعض الأفلام مع موضوع الصمم، أي معالجة بطريقة اعتباطية من دون أدنى رغبة في فهم حقيقة ما يعاني منه الأصم. بالإضافة إلى أن هذه الأفلام لا تتوافق مع تجربة الصم وغناها وتعقيداتها. تروي ليبرتاد: «حتى عندما يتجنّب المخرج الكليشيهات التقليدية، لا يمكن استبعاد فكرة ان الشخصيات الصماء دائمًا ما تُبنى من أجل «إظهار» العالم الذي يسمع ما يعنيه أن تكون أصمّ. كانت الفكرة في «صمّاء» تتمحور على موضعة الشخصية في عالمها ونقل تجربتها من خلال هذا العالم».

«صمّاء» من الأفلام التي تسعى إلى الفهم والاستجواب، ولو انه يتركنا في المجهول في نهاية المطاف، واضعًا إيانا داخل حالة قد نفهمها لكن لا يمكن أن نشعر بها. هذا كله من دون أن نجد أنفسنا داخل محاضرة علمية مملّة. القصة بتفاصيلها الإنسانية هي التي تحكم، فتنشأ علاقة بيننا وبين أنخيلا، لا سيما بسبب قدرتها على جعلنا نتماهى معها. هذا الصدق الذي يتسرب قطرات قطرات من مسامات الفيلم، يحوّله إلى رسالة حبّ من مخرجة إلى أختها. «إنها امرأة تكافح كي لا تستسلم للتحديات، ولكنها أيضًا مليئة بالتناقضات التي تبرز أكثر فأكثر عندما تصبح أمًا. هي قوية وضعيفة في الوقت نفسه». هكذا تلخّصها المخرجة.
اقرأ أيضا: «يونان»… قصيدة عن التيه الوجودي