تعد المخرجة البلجيكية شانتال آكرمان واحدة من أبرز المخرجين على مدار تاريخ السينما، أولًا لكونها تنتمي لمدرسة المخرج المؤلف (Auteur)، فهي تمتلك عالمًا خاصًا فريدًا من نوعه لا يجيد خلقه سواها، يشمل شخصيات وأماكن وحبكات هي بالأحرى امتدادات لشخصها، وهي سمات نجدها مشتركة بين جميع أفلامها، وثانيًا لكونها وجدت صوتًا مختلفًا للنسوية في السينما، انطلاقًا من كونها ذاتًا كلية تتجاوز وجودها كامرأة، لتصبح بمثابة كينونة وجوهر، تعبر عن إنسان عصر النيوليبرالية، والتي لم تتوان شانتال عن نقد منظومتها وقيمها التي أودت بالإنسان للضياع والتيه، وهو ما أفضى به إلى اغتراب كامل \ كلي عن نفسه والعالم.
يتجلى هذا الاغتراب بوضوح في فيلمها «أخبار من المنزل – News from Home» (1977)، وهو فيلم تسجيلي يتكوّن من مشاهد توثيقية لمدينة نيويورك، تُرافقها قراءة شانتال آكرمان لرسائل والدتها القادمة من بروكسل. تصور آكرمان المدينة ببرود وجفاء، دون أي حميمية، في انعكاس واضح لحالة الانفصال التي تعيشها، ليس فقط عن المكان، ولكن عن ذاتها أيضًا. تتقاطع الصور البصرية للمدينة الصاخبة مع صوت الرسائل الحميمية، مما يعكس التوتر القائم بين الوجود الفيزيائي والعاطفي، وبين الغربة الجغرافية والنفسية. ولا يقتصر الفيلم على نقد المدن الكبرى التي تبتلع قاطنيها، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك منظومة العلاقات الإنسانية في العصر الحديث.

يتكرر هذا الصدى في جميع أفلام شانتال الأخرى، فبطلاتها تعشن دومًا في وحدة قاتلة، وفراغ كبير، يسعين لملئه، متوهمات أنه لسد تلك الفجوة الناتجة عن الشعور بالانفصال عن العالم يجب أن يتواصلن مع الآخر، الذي يعرَف وجودهن، عن طريق السعي لعلاقة عاطفية أو توطيد أخرى أسرية، لينتهي الأمر في الغالب بالخيبة والخذلان، لهذا السبب، تخوض بطلات شانتال رحلات تبدو كبحث مضنٍ عن شخص متفهم يستطيع التواصل بعمق. ويتجلى ذلك بوضوح في أفلامها، مثل «مقابلات آنا – The Meetings of Anna» (1978) و«أنا، أنت، هو، هي – Je tu il elle» (1974).
في «مقابلات آنا» ترصد شانتال رحلة طويلة وشاقة لمخرجة أفلام تحاول إيجاد إجابات لفهم نفسها وما تريد فعله، وعندما تلتقي بأمها ترتاح نسبيًا، لكن معاناتها تتجدد مرة أخرى في النهاية بمجرد أن تجلس في شقتها في بروكسل وحيدة، بلا رفقة تؤنسها، لتكتشف أنها معاناة الوحدة التي لا يبددها وجود الآخر، بل تنبع من جوهر الوجود ذاته، لتدرك آنا في النهاية أن أزمتها ليست في علاقتها بالآخرين، بل هي أزمة وجودية بحتة.

فيما تأتي نهاية فيلم «أنا، أنت، هو، هي» بشكل مغاير تمامًا، وهو أكثر الأفلام التي استغلت فيها شانتال المساحات والفراغ، ليبدو الفراغ المهيمن على الصورة وكأنه انعكاس لداخل البطلة. تبدأ شانتال فيلمها بالبطلة- التي تؤدي دورها هي نفسها- في غرفتها معزولة عن الخارج، تحكي عن مللها الدائم وحبها للعزلة، ولكن في لحظة ما تقرر تلك البطلة الخروج من عالمها الضيق الصغير، لتقابل بعض الأشخاص في محاولة للتواصل معهم، لتجد أن محاولة التواصل في كل مرة تظل ناقصة، ذلك النقصان ناتج عن فقدان شيء ما جوهري، تدركه البطلة أثناء مقابلتها لصديقة تشعر معها بحميمية كبيرة تفضي بهما في النهاية إلى ممارسة الجنس سويًا.
تبدو تلك النهاية سعيدة ومثالية بالنسبة لشانتال، فهي عادلة كنهاية لشخصية بدت حائرة ويائسة على مدار الفيلم، ومن جهة أخرى فهي تعبير عن ما تفتقر له شانتال في الواقع، وهو الحميمية والألفة في عصر لا يعترف بهما، فتبدو تلك النهاية أشبه بيوتوبيا مفتقدة ترجوها شانتال، ليبدو الجنس كفعل متسامي، متجاوز لما هو مادي وغريزي، معبر عن تواصل حميمي عميق بين آخر مُتفهم، لينتهي الأمر بحرية مطلقة ناتجة عن الاتحاد والتماهي معه.

بالعودة إلى فيلمها الأول «تفجير مدينتي – BLOW UP MY TOWN» (1968)، يمكن تلمّس ملامح أسلوب شانتال آكرمان والمواضيع التي ستتعمق فيها لاحقًا على امتداد مسيرتها السينمائية. في هذا الفيلم، نرى شابة – تؤدي دورها شانتال نفسها – وحيدة ويائسة داخل مطبخها، تتنقل بين اللعب والغناء والتمرد، محاولةً الهروب من الفراغ القاتل، قبل أن ينتهي بها الأمر إلى الانتحار. ليس من الغريب أن تكون هذه النهاية المأساوية انعكاسًا لحياتها الحقيقية، إذ رحلت شانتال بنفس الطريقة، مما يؤكد مدى صدقها الفني وإخلاصها في نقل معاناتها منذ اللحظة التي قررت فيها أن تصبح صانعة أفلام. لكنها لم تكتفِ برصد معاناتها الشخصية، بل وسّعت رؤيتها لتشمل معاناة النساء عمومًا، في مواجهة عصر فوضوي وقمعي بطبيعته.
يتجلى هذا التوسع بوضوح في تحفتها السينمائية «جين ديلمان – Jeanne Dielman» (1975)، حيث تخرج حالة الملل والضجر من المطبخ الضيق في فيلمها الأول، لتتمدد عبر شاشة السينما في سرد يمتد لثلاث ساعات، توثق فيها شانتال تفاصيل الحياة الرتيبة لربة منزل تكافح للبقاء وسط دوامة من الروتين اليومي والفراغ الوجودي، محاولةً الصمود في وجه الملل الطاحن.
يعد «جين ديلمان» هو أكثر أفلام شانتال تركيزًا على فكرة الاغتراب النابع من الملل والتكرار، ولا يمكن تجاهل أن الاغتراب يصلح كمدخل مثالي لسينما شانتال. «الاغتراب» هو المصطلح الذي صكه ماركس ومن قبله هيجل ونراه متمثلًا في شخصية جين وروتينها اليومي، ففي المجلد الثاني من كتابه «فلسفة الواقع» أطلق هيجل مصطلحه الفلسفي «Entaeusserung» وهو ما يعني الاغتراب، حيث أوضح هيجل من خلاله أن عمل الإنسان أو فعله لشيء ما ذات قيمة يعد بمثابة وجود آخر يبتعد بالإنسان عن ذاته الأولى التي عرفها، متجهًا إلى ذات جديدة فاعلة لم يسبر أغوارها بعد، بالتالي يكون العمل بمثابة محاولة لإيجاد قيمة ما حقيقية، ولذلك كان للاغتراب هنا مفهومًا إيجابيًا، فيعد مدخلًا لما أسماه هيجل بـ«الديزاين» أي الوجود هناك.

فيما بعد، وفي كتابه ظاهريات الروح يُعرف هيجل مصطلح «Entfremdung» بأنه الاغتراب، ولكن تلك المرة بمدلول سلبي، فرآه هيجل كنتيجة نهائية معبرة عن استلاب إنسان العصر، وهو استلاب نابع من عمل مجهد – مستمر – دون تحقيق أي قيمة حقيقية – ضمن سياق تاريخي واقتصادي قمعيان بطبيعتهما للإنسان، وهو بالمثل ما صكه ماركس فيما بعد حين تعريفه للاغتراب، حيث رأى بأن العامل في العصر الحديث أصبح بمثابة ترس في آلة نتيجة عمله الشاق الشبيه بالعبودية والذي لا يفضي إلى الوصول لأي غاية إنسانية، وبذلك فهو يفقد قيمته ومعناه.
نرى ذلك بوضوح في شخصية جين وروتينها اليومي القاتل للروح، فحياتها عبارة عن تسوق، طبخ، اهتمام بابنها، وفي الأخير نراها كمومس تتقاضى أجرًا، ومن ثم يعاد يومها كل مرة من جديد على نفس الوتيرة. ويعد الفيلم جامعًا لكل سمات سينما شانتال، بين الملل والعزلة والتيه، غياب الذكر كأب ومن ثم تمثله كسلطة وفي الأخير الاغتراب عن العالم والذات.
الوقت مهيمن في بيت جين، ساعة الحائط تعلوها دومًا في منتصف الكادر، تذكرها وتذكرنا بمعاناتها، إن تكرار الأنشطة المملة والتي تمارسها جين بشكل ميكانيكي (آلي) في كل أركان البيت يعطيه معنًا رمزيًا، فيصبح البيت أشبه بمؤسسة قمعية من ناحية اقتصادية ومجتمعية، حيث تمارس فيه جين أنشطة غير مفيدة، لا تضيف أي قيمة، بل على العكس يساهم البيت في هلاك جين، فيتحول البيت، المعبر عن الأمن إلى أداة تقتل جين بالتدريج، بينما يؤكد فعل الجنس الذي تتقاضى عليه جين أجرًا – بينما لا تتمتع به بأي شكل من الأشكال -على تلك الفكرة، وهي كون جين مستلبة ومسلوبة الإرادة.

كل ذلك هو ما يفضي إلى نهاية مغايرة عن قرينتها في فيلم «تفجير مدينتي» فإن كان الأول يرى المنزل بوصفه مؤسسة تقضي على صاحبته وتودي بها إلى الانتحار، ففي نهاية فيلم جين ديلمان تقتل البطلة رجلًا كان يمارس الجنس معها بكل برود وهدوء تام، في تعبير أخير عن التمرد والحرية، وهو تعبير نسوي شديد اللهجة يرفض الخضوع لتلك المنظمات القمعية، بالتالي بدلًا من الانتحار تختار جين فعلًا متمردًا وثوريًا لتعبر في رفضها في الأخير لتلك القيم المفروضة عنوة.
اقرأ ايضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية