فاصلة

مقالات

سكورسيزي.. المسيح بعيدًا عن التبشير

Reading Time: 5 minutes

على مدى سنوات اختلف اللاهوتيون المسيحيون في ما بينهم بشأن تقديم تصوير فنّي للمسيح. كان القديس يوحنا الدمشقي من الأوائل الذين دافعوا عن الأيقونات كوسيلة للتكريم. ثم أعلن «مجمع نيقية الثاني» في سنة 787، أنّ الأيقونات والصلبان لا تُعتبر وثنية، معتبرًا أنّ «إنتاج الفن التمثيلي وسيلة لتصبح كلمات الربّ حقيقية لا مجردّ خيال». بعد ذلك، ظهرت معضلة جديدة تمثلت في أنّ العديد من المسيحيين واجهوا صعوبة في تخيّل المسيح كإنسان، ما أدى أحيانًا إلى إهمال إنسانية المسيح. كانت المسيحية تؤيد الفن وإنسانية المسيح، وجاءت السينما لتمنح المسيح إحساسًا أكمل كإنسان. كانت الأفلام الأولى عن المسيح والمسيحية رسالتها واضحة، وهي التبشير. رويدًا رويدًا، بدأت الأفلام التي تجسّد المسيح تتّخذ منحى مختلفًا، وراح المخرجون يخاطرون في مقاربة المسيح وطرح جدلية الإيمان. لقد كان الحديث عن المواضيع الدينية المسيحية في السينما مهمةً حساسةً على الدوام، خصوصًا إذا كانت تقدم رؤية للمسيح لا تستند إلى الأناجيل. كانت تلك هي الحال مع يسوع المسيح الذي نُزعت ألوهيته في فيلم «المسيح سوبر ستار» (1973 ــ Jesus Christ Superstar)، للمخرج نورمان جويسون. أو فيلم «حياة براين» (1979 ـــ Monty Python’s Life of Brian)، الكلاسيكي للفرقة الكوميدية مونتي بايتون، الذي روى بسخرية الأحداث الموصوفة في الكتاب المقدس من خلال حياة رجل ولد في يوم ميلاد يسوع وأخطأ الناس في اعتباره المسيح.

The Last Temptation of Christ (1988)
The Last Temptation of Christ (1988)

في سنة 1988، عُرض «الإغواء الأخير للمسيح» (The Last Temptation of Christ)، الذي أراد المخرج مارتن سكورسيزي من خلاله تفكيك وهدم الأساطير التي حددتها المؤسسة الدينية الرسمية، وكما قال: «صنعته لنفسي، من أجل ايماني بالله. لأشعر في هذه اللحظة من حياتي بالقرب منه». لم تكن رحلة الفيلم سهلة قبل عرضه وبعده. بعد أربع سنوات من المحاولة الأولى لإطلاق المشروع، لم يكن لدى سكورسيزي أمل كبير في أن يصبح الفيلم حقيقة واقعة. مع ذلك، واصل المحاولة بصبر. بالنسبة إلى رجل مثله، قادم من تقاليد كاثوليكية إلى درجة أنّه فكر حتّى في أن يصبح كاهناً في شبابه، كان هذا الفيلم بمثابة تحدٍ شخصي، خصوصاً عندما قدمت له رواية نيكوس كازانتزاكيس (التي تحمل الاسم نفسه والمقتبس عنها الفيلم)، وجهة نظر تشبه إلى حد كبير خصوصيته الفنية. فقد تمكن من خلالها من صياغة خطاب عن يسوع كان أكثر شخصية، وبطريقة ما، بعيداً كل البعد عما قد يتوقعه المرء من قصة من هذا النوع.

 بدأت الضغوط من الجماعات الكاثوليكية قبل الشروع بتصوير الفيلم. نجحت في تعقيد الأمور، خصوصاً المادية، إلى أن جاء غاريث درابينسكي، صاحب أهم امتياز سينمائي في أميركا الشمالية وكندا. ضمن له التوزيع، بعدما أُعجب بالمشروع كثيرًا إلى درجة أنّه وضع على الطاولة نصف الأموال اللازمة لجعله حقيقة واقعة. قرر سكورسيزي تنفيذ الفيلم بميزانية منخفضة جدًا، وكان الممثل الذي كان مقررًا أن يلعب دور المسيح هو أيدان كوين، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، قائلًا إنّه نُصح بعدم المشاركة في الفيلم. على الفور، بدأ التفكير في خيارات أخرى مثل كريستوفر واكن أو إريك روبرتس أو ويليم دافو، الذي حصل أخيرًا على الدور.

مارتن سكورسيزي
The Last Temptation of Christ (1988)

لم تكن رواية كازانتزاكيس، التي توفي عام 1957، مادة سهلة لنقلها إلى السينما، لكن بول شريدر العظيم، الذي تعاون مع سكورسيزي للمرة الثالثة، قدم سيناريو يجسد بشكل كبير قلب القصة: تصوير المسيح البشري، المليء بالمخاوف والشكوك والألم، أقرب إلى جسد إنسان منه إلى إله. فهو ليس إلهًا متجسدًا على الأرض، بل كائن يسحقه وضعه المسيحي، ولا يدرك أسباب رحلته، فضلاً عن دوافع وطبيعة مصيره. وبهذا الشكل، رسم سكورسيزي، يسوع المسيح الأكثر إنسانية. يصاحب هذا الرجل شعور عميق بالازدواجية. إن يسوع في الفيلم رجل مكسور يسمع الأصوات، ويرى الشيطان، ويذهب إلى حد الاعتراض على قرار الله بجعله يموت على الصليب. وبالتالي، يتردد في إتمام الذبيحة من أجل جلب الخلاص للبشرية.

 يقدم مارتن سكورسيزي المسيح بكل عواطفه وقلقه وإغراءاته، وحربه مع نفسه قبل الجميع. تدور الأحداث في فلسطين، أيام الإمبراطورية الرومانية، وتروي المغامرات الأخيرة، والمعجزات، والاضطهاد، والاعتقال، والموت، مع طاقم تمثيل استثنائي، مثل العظيم هارفي كيتل في دور يهوذا الإسخريوطي (تفسير الخيانة في الفيلم يشكل أيضًا تحديًا لتفكير المؤمنين)، وباربرا هيرشي في دور مريم المجدلية، وهادي دين ستانتون في دور بولس الطرسوسي، وفيرنا بلوم في دور مريم العذراء، وفيكتور أرجو في دور بطرس، وحتى ديفيد بوي في دور بيلاطس البنطي.

مارتن سكورسيزي
The Last Temptation of Christ (1988)

غُرض الفيلم في الولايات المتحدة الأميركية في أغسطس 1988، على الرغم من الضغوط التي مارستها الجماعات الدينية الأميركية على شركة الإنتاج لإلغاء العروض. في الولايات الجنوبية الأكثر محافظة، كان لا بد من إلغاء العروض خوفًا من الهجمات. وكان أحد أكثر المنتقدين صراحة للفيلم هو المخرج فرانكو زيفيريللي الذي صرح: «أود أن أرى فيلم سكورسيزي محترقًا ربما يرغب هو أيضًا في ذلك». كما وصفت الأم أنجليكا، الراهبة الكاثوليكية الفيلم بأنه «أكثر سخرية من القربان المقدس وأكبر تجديف ارتُكب على الاطلاق في هذا العالم. فيلم لديه القدرة على تدمير الأرواح إلى الأبد». كانت التهديدات كبيرة بما يكفي إلى درجة أنّ سكورسيزي اضطر إلى استخدام حراس شخصيين للظهور علناً لبضع سنوات.

وصف البابا يوحنا بولس الثاني الفيلم بأنه «تجديف»، وتم حظره في تركيا ولبنان والمكسيك وتشيلي والأرجنتين والعديد من البلدان ذات الجذور الكاثوليكية. في فرنسا، أصيب 14 شخصًا عندما ألقت مجموعة كاثوليكية قنابل مولوتوف على سينما سان ميشيل في باريس أثناء عرض الفيلم. كما قال رئيس أساقفة باريس وليون، من دون أن يشاهد الفيلم، إنّ: «موت المسيح لا ينتمي إلى الروائيين أو كتّاب السيناريو، بل إلى عدد لا يحصى من تلاميذه الأحياء والأموات». وفي إيطاليا، رفع محام دعوى قضائية ضد القائمين على مهرجان البندقية السينمائي مطالباً بمصادرة الفيلم قبل أن يعُرض أخيرًا وسط مشاهد من الهستيريا الجماعية والرقابة غير العادية من الشرطة.

مارتن سكورسيزي
The Last Temptation of Christ (1988)

الأسوأ من هذا كله أن الضجة والمنع كانت مدفوعة من قبل أشخاص لم يشاهدوا الفيلم ولم يقرأوا كتاب كازانتزاكيس، الذي طردته الكنيسة الأرثودوكسية اليونانية في عام 1955. إنّ تصوير سكورسيزي للمسيح يتناقض مع القدر المقدس ليسوع كمخلص للبشرية. وكان الضعف النفسي ليسوع يسيء إلى حرمة المسيحيين، وكان ضروريًا الحظر بالنسبة إليهم للحفاظ على عقيدة الكنيسة في المجتمع، لأن أغلبية المواطنين لن يكونوا قادرين على تجريد الخيال الفني من القصة التوراتية.

 لذلك، كانت الرقابة أساسية للحفاظ على النظام العام، لأن الفيلم من شأنه أن يعزّز الانحرافات الاجتماعية والدينية التي تضرّ بالتعايش الأسري في بلاد كاثوليكية في الأساس. كما نشأ رد فعل عنيف ضد الفيلم بسبب انحراف الفيلم عن سرديات الأناجيل، خصوصاً علاقة يسوع بمريم المجدلية، وبعض المشاهد الجنسية العفيفة العابرة والعري، إلى جانب مشهد الصلب، عندما يغوى المسيح بالتخلي عن الصلب، ليتخيل حياة مريحة مع مريم كزوج وأب.

مارتن سكورسيزي
The Last Temptation of Christ (1988)

«الإغواء الأخير للمسيح» هو التزام من سكورسيزي تجاه نفسه. من المثير للغاية رؤية القوة التي تمتلكها السينما لتقديم ثروة من وجهات النظر لقصة روحانية مماثلة مع شخصية مثل المسيح، الذي يثير الجدل على الفور في الفيلم بأقواله وأفعاله، وفي تناغم صورة الانسان المسيح من لحم ودم. «الإغواء الأخير للمسيح» هو القلق والشكوك والاحباطات والأفراح والاحتجاجات والثناء. هو بحيرة طبريا، والقدس، والأردن، والناصرة، وبيت مريم ومرثا ومريم المجدلية، هو كفرناحوم والجلجلة. قدم سكورسيزي كلّ هذا في فيلم يتحرك عبر الصوفية من دون أن تفقد موطئ قدمه الأرض. فيلم بني لإعطاء المسيح فرصة ليكون شخصاً قادراً على الاختيار والمعاناة والشك… والانتصار بالموت.

اقرأ أيضا: ينابيع مارتن سكورسيزي

شارك هذا المنشور