فاصلة

مقالات

سعيد مرزوق.. فيلسوف السينما المصرية وشاعرها

Reading Time: 8 minutes

في عام 2013، أصدر المهرجان القومي للسينما في مصر كتاباً توثيقياً عن حياة وأعمال المخرج الراحل سعيد مرزوق، احتفاءً به مُكرّماً على هامش دورة المهرجان. وبسبب من هذا الكتاب الذي وضعه الناقد الراحل مجدي الطيب واختار له عنوان “فيلسوف الصورة” بات هذا اللقب علامة على المخرج الراحل، يذكره محبوه من مشاهدين ونقاد كلما تعرضوا لأعماله. 

عانى سعيد في طفولته فقد رحل والده ناظر المدرسة بعد تقاعده وإصابته بالمرض، فاضطر سعيد للعمل والتخلّي عن إنهاء تعليمه الجامعي في كلية الحقوق، كي يعيل أسرته. وكانت بداية رحلته المهنية في إذاعة البرنامج الأوروبي (إذاعة مصرية عامة تقدم باللغات الأجنبية) مسؤولاً عن اختيار الفواصل الموسيقية. هذه التجربة منحت سعيد رهافة وحساسية ومعرفة ووعي بأهمية الصوت والموسيقى وكيف يكون الاستخدام الأمثل لهما، إضافة الى الاختلاط مع أشخاص من خلفيات ثقافية متنوعة مما أثرى تجربته الحياتية.

سعاد حسنى و الخرج والمخرج سعيد مرزوق من كواليس فيلم زوجتى و الكلب
سعاد حسنى و الخرج والمخرج سعيد مرزوق من كواليس فيلم زوجتي و الكلب

 لم يدرس سعيد مرزوق السينما، لكنه أحبها وتعلق بها وحاول تعلمها بعد انتقاله للعمل بالتلفزيون المصري في بداية الستينيات مخرجاً مساعد للمخرج إبراهيم الشقنقيري، فبادلته السينما هذا الحب وكرَّمته باختيار ثلاثة من أفلامه ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري في القرن العشرين وهي: زوجتي والكلب، والمذنبون، وأريد حلاً.

سعيد مرزوق
أريد حلاً (1975)

أثناء عمله في التلفزيون المصري، أخرج سعيد مرزوق عدة أفلام تسجيلية قصيرة من أبرزها فيلم “أعداء الحرية” عام 1967، والذي فاز بالمركز الثاني في مهرجان “لايبزيغ” بألمانيا. وفي العام التالي أخرج فيلم “طبول” من بطولة سمير غانم وجورج سيدهم. 

في “طبول” قدم مرزوق أول رسالة حب حقيقية للسينما، حيث يروي الفيلم حياة شخص يعيش على هامش المجتمع، وتسلط عدسة مرزوق الضوء على تفاعل البطل مع الأحداث التي يمر بها خلال يومه.

تجربة مرزوق في فيلم “زوجتي والكلب” تعود جذورها إلى “طبول”، حيث نجد تشابهًا واضحًا في نوعية اللقطات والكادرات والمهارة في استخدام المونتاج. فضلًا عن استبدال الحوار بالصورة، ودمج الواقع بالخيال، مع التأكيد على دور الصوت في السرد السينمائي.

من خلال “طبول”، يمكن ملاحظة تأثر مرزوق بالسينما الأوروبية بشكل عام، وبخاصة تأثيرات شرق أوروبا وروسيا، بالإضافة إلى روح التمرد الشابة التي ظهرت بعد نكبة 1967، وحركات الاحتجاج والمقاومة الشبابية المنتشرة حول العالم.

تستحق تجربة سعيد مرزوق السينمائية التأمل العميق والدراسة، فهي رحلة فنية بدأت في عوالم السينما النفسية، حيث جسدت أفلامه الأولى مخاوف النفس البشرية وتناقضاتها، لتتحول بعد ذلك إلى إدانة شاملة للمجتمع بكل أطيافه، دون أن تنحاز لطرف على حساب آخر. لقد سعى مرزوق، من خلال أفلامه، إلى نقد ما هو مسكوت عنه، محذرًا من المجهول القادم، ومطلقًا صرخة إنذار للمجتمع تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة والمخاوف.

فيلم زوجتي والكلب (1971)
فيلم زوجتي والكلب (1971)

في فيلمه الروائي الأول “زوجتي والكلب”، والذي أبدع في بطولته محمود مرسي وسعاد حسني ونور الشريف، تناول مرزوق مفاهيم الخوف والشك والغيرة، والوحدة والشهوة المكبوتة، مستعرضًا إياها من خلال سرد بصري شاعر يعتمد على التلاعب والمراوغة بين الضوء والظلال، حيث غاب الحوار بين الشخصيات في اغلب المشاهد لتبقى الكلمة الأهم للصورة، وهذا هو أصل السينما، فالحكاية كانت تُروى من خلال الصورة في بدايات السينما وعصر الأفلام الصامتة.

تدور القصة حول معالجة مصرية عميقة لمسرحية “عطيل” لشكسبير، حيث يعود الريس مرسي من المدينة بعد قضائه شهر العسل مع زوجته سعاد، للفنار المعزول والبعيد عن ملامح الحياة الطبيعية. يزجي مرسي أوقات فراغه بالحديث مع الشاب نور، الذي يعاني من فراغ عاطفي وشهوة جنسية طاغية. يتفاخر مرسي ببطولاته مع النساء، وبعضهن زوجات أصدقائه، وفي أحد الأيام يغادر نور الفنار في زيارة للمدينة ويحمل معه رسالة من مرسي لزوجته سعاد. يكتشف مرسي أثناء غياب نور اختفاء صورة زوجته سعاد لتبدأ الشكوك والأوهام بالتسلل إلى قلب مرسي.

تقوده هذا الشكوك للغرق في دوامة من الهواجس؛ هل سيكون نور مثل مرسي؟ هل ستسقط زوجته سعاد في فخ الخيانة، تمامًا كما فعل مرسي مع زوجات الآخرين؟ أسئلة تطارد الريس في عتمة الليل وتحت ضوء الشمس، تنسج الشكوك والخوف شباكها حول ليظل عالقًا في دائرة لا يمكن الخروج منها.

محمود مرسي
فيلم زوجتي والكلب (1971)

لا يمكننا أن نغفل الدور العظيم لمدير التصوير عبد العزيز فهمي في تشكيل هذه التحفة السينمائية. آمن عبد العزيز فهمي بإبداع سعيد مرزوق فأقدم على المغامرة بإنتاج فيلم لمخرج مغمور في أولى تجاربه السينمائية.

تحمل الإضاءة في الفيلم جزءًا كبيرًا من عبء السرد، فكانت أغلب المشاهد بإضاءة خافته تمنح السرد لمسة شاعرية، أبدع عبد العزيز في تصوير الإطارات المتداخلة واللقطات الواسعة لتعزيز الشعور بالوحدة والعزلة. 

يضع مرزوق المشاهد في أزمة وهو يشاهد ذات المشهد مرتين بين المُتَخَيّل كما يراه عقل الزوج الشكاك مرسي، وبين الفعل الحقيقي الذي لا يحمل في ملامحه أية صورة للخيانة. مرزوق يعول كثيراً على وعي المشاهد والفضول ومهارات العقل النقدية؛ لذا هو لا يسرد حوارات بين ابطاله حتى نفهم الحكاية لكنه يرسم ملامحهم بكاميرته ويرتبهم داخل الاطار ويستخدم الصوت والصمت لفهم الحكاية.

سعيد مرزوق
فيلم زوجتي والكلب (1971)

تتجلى عبقرية مرزوق في مشهد النهاية حينما نرى بطله يسير بين الفنار والسور متردداً عالقًا بين الشك والحقيقة، تزداد الشكوك من خلال لقطات متسارعة ومتتابعة مقارنه ببداية المشهد، يرتفع صوت الرياح وتلاطم الأمواج، تبدو على مرسي علامات التوتر الشديدة، يغلق أذنيه، ويسود الصمت لمدة 18 ثانية تبتعد خلالها الكاميرا وتصبح اللقطة أوسع. يكسر الصمت لحن سيد درويش زوروني كل سنة مرة، تزداد الكاميرا في الابتعاد واللقطة اتساعاً ببطء حتى نرى جسد مرسي واقفاً على الجسر بشكل مشابه للعواميد الخشبية على شاطئ البحر وحيداً ومنكسراً. 

“ما عدتُ بعد الحربِ أدري من أنا” هذا الشطر من قصيدة الشاعرة الكويتية سعاد الصباح والذي يصور الأثر النفسي والذهني للحرب على الروح الإنسانية، هو محرِّك فيلم سعيد مرزوق الثاني “الخوف” 1972، والذي واصل فيه العمل مع سعاد حسني ونور الشريف. في هذا الفيلم نرى الأثر النفسي لهزيمة عام 1967 على سعاد، الفتاة التي فقدت أهلها في الحرب فقررت الرحيل من السويس للقاهرة. هناك تتعرف على المصور والصحفي والذي يقوم بدوره نور الشريف وتنشأ بينهما علاقة حب في محاولة للهرب من الدمار والخيبة والخوف والقهر. واصل مرزوق في هذا الفيلم استعراض امكانيته الفنية وقدرته كمخرج بالاستغناء عن الحوارات المطولة بالسرد البصري والمونتاج. 

سعيد مرزوق
فيلم الخوف (19729

في منتصف السبعينيات، تحولت بوصلة أعمال سعيد مرزوق نحو إدانة المجتمع، فقدم في عام 1975 فيلم “أريد حلاً” من بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة. يصور الفيلم معاناة فاتن حمامة في سعيها للحصول على الطلاق من زوجها الذي استحالت الحياة معه. قامت فاتن حمامة بترشيح سعيد مرزوق لإخراج الفيلم بعد تجربتها معه في الفيلم التلفزيوني “أغنية الموت”، الذي كان عن مسرحية لتوفيق الحكيم وسيناريو الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، إيمانًا منها بموهبته وإبداعه.

تنقلنا كاميرا مرزوق إلى المحاكم لنشهد حجم الظلم الواقع على النساء والقهر الذي يعانين منه. ومع كاتبة الفيلم – الصحفية حسن شاه-، حاول مرزوق الانتصار للمرأة ودعم حقها في طلب الطلاق، مقدمًا قراءة للتراث الديني من خلال تسليط الضوء على حق الخلع. حقق الفيلم مبيعات عالية في شباك التذاكر وأثار جدلاً وحراكًا واسعًا شاركت فيه أطياف متنوعة من المجتمع المصري. حتى أن السيدة جيهان السادات أبدت إعجابها بالفيلم، مما أسهم في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر.

فيلم المذنبون (1976)
فيلم المذنبون (1976)

بعد عام واحد، في 1976، قدم سعيد مرزوق أكثر أفلامه إثارة للجدل، وفي الوقت نفسه كان أقلها نصيبًا في الحديث والتناول النقدي، وهو فيلم “المذنبون” المقتبس عن قصة الأديب العالمي نجيب محفوظ. الفيلم من بطولة نخبة من نجوم السينما المصرية مثل كمال الشناوي، عمر الحريري، زبيدة ثروت، صلاح ذو الفقار، عماد حمدي، حسين فهمي، سهير رمزي، يوسف شعبان، عادل أدهم، وتوفيق الدقن.

تدور أحداث الفيلم في أجواء بوليسية حول البحث عن الجاني في جريمة قتل راحت ضحيتها فنانة مشهورة. تُجري النيابة التحقيق مع كل المشتبه بهم الذين كانوا ضيوفًا في فيلتها ليلة مقتلها، حيث جمعتهم الحفلة التي أقامتها الفنانة المغدورة. أثناء التحقيقات، تكتشف النيابة أن كل شخص من المشتبه بهم مدان في قضية أخرى لا تقل في فسادها عن جريمة القتل، مثل جرائم الفساد والرشوة وتسريب الأسئلة وتهريب الذهب. 

ينتهي الفيلم بمشهد عبقري حيث يُودع جميع المشتبه بهم داخل الزنزانة، ليترك مرزوق رسالة مفادها أن المجتمع بأسره فاسد وفاسق ومدان. أعار مرزوق عماد حمدي بيجامة والده ليرتديها، مستعيدًا بذلك تلك اللحظة التي كان فيها والده يتكئ عليه وهو يتجول في الشوارع، يعاني من التيه، حمل مرزوق في ذاكرته تلك اللحظة بكل تفاصيلها ليستعيدها ويرويها على الشاشة.

سعيد مرزوق
فيلم المذنبون (1976)

 عُرض الفيلم في الدورة الأولى من مهرجان القاهرة السينمائي، وحصد فيها عماد حمدي جائزة أفضل ممثل عند دوره في الفيلم، وحظي الفيلم بإعجاب النقاد الأجانب وصناع السينما.

على العكس من فيلمه السابق أريد حلاً، الذي حظي بدعم واهتمام حكومي، أثار فيلم “المذنبون” موجة من الغضب، وصلت إلى الرئيس الراحل أنور السادات، الذي قرر منعه لاحقًا من العرض في دور السينما. تبِع ذلك قرارات صارمة، شملت إقالة مديرة الرقابة، والتحقيق مع اللجنة التي أجازت الفيلم، إضافة إلى تعديل قانون الرقابة على المصنفات الفنية، حيث فُرضت قيود أكثر صرامة على المشاهد الجريئة، وتم التشديد على عدم تناول المشكلات الاجتماعية بأسلوب قد يُفسَّر على أنه دعوة لليأس. 

لم يقتصر الغضب على النخبة السياسية وامتد إلى المجتمع المصري نفسه، حيث واجه الفيلم اعتراضات واسعة. تلقى مجلس الشعب ووزارة الإعلام العديد من الشكاوى والمطالبات باتخاذ موقف حاسم ضد الفيلم، خاصة من المصريين المغتربين في الدول العربية، الذين رأوا فيه إساءة لصورة المجتمع المصري وتصويره كبيئة يطغى عليها الفساد. 

كان فيلم “المذنبون” بمثابة جرس إنذار يحذر من عواقب الانفتاح الاقتصادي، لكن هذا التحذير لم يلق استجابة، سواء من المجتمع أو من دوائر صنع القرار. وبصفته فنانًا صاحب رؤية وموقف، لم يكتفِ سعيد مرزوق بإطلاق الصرخة، بل عاد في منتصف الثمانينات ليقدم فيلم “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، ليكون امتدادًا لمخاوفه السابقة وتجسيدًا لنتائج التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

فيلم إنقاذ ما يمكن إنقاذه (1985)
فيلم إنقاذ ما يمكن إنقاذه (1985)

 جمع الفيلم نخبة من النجوم، منهم محمود ياسين، مديحة كامل، ميرفت أمين، سمير غانم، دلال عبد العزيز، وحسين فهمي. وسلط الضوء على التداعيات العميقة لهذه للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجارية. ومن يتابع مسيرة مرزوق السينمائية، سيدرك أن “المذنبون” و”إنقاذ ما يمكن إنقاذه” مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، فالأخير جاء بمثابة استكمال للرؤية النقدية التي طرحها فيلم “المذنبون”. ولعل أحد أبرز الروابط بين الفيلمين هو اختيار مرزوق لإعادة زيارة القصر الذي ظهر في “المذنبون”، وكأنه بذلك يعيد إحياء رمزية المكان ليؤكد على استمرارية الأزمة التي سبق وأن حذر منها. 

سعيد مرزوق
فيلم المرأة والساطور (1996)

يُعتبر فيلم “المرأة والساطور” 1997 محطة بارزة في مسيرة المخرج سعيد مرزوق، حيث استلهم أحداثه من جريمة حقيقية هزّت الرأي العام. تدور القصة حول زوجة أدّت دورها ببراعة نبيلة عبيد، أقدمت على قتل زوجها، والذي جسّده أبو بكر عزت، ثم تقطيع جثته إلى أشلاء وضعتها في أكياس سوداء. عالج مرزوق القصة بأسلوب سينمائي مميز، مقدمًا رؤيته العميقة مما جعل الفيلم واحدًا من أكثر الأعمال جرأةً في تناول قضايا المجتمع.

قدّم سعيد مرزوق للتلفزيون الخليجي مجموعة من الأعمال الدرامية التي قد تكون طواها النسيان، لكنها تستحق إعادة الاكتشاف. استوحى هذه الأعمال من شخصيات بارزة في التاريخ الإسلامي، حيث أخرج “صقر قريش” وهو إنتاج مشترك بين التلفزيونين السعودي والقطري، بالإضافة إلى “ابن سينا” والذي عُرض على التلفزيون الكويتي، مقدمًا من خلالهما رؤى درامية تسلط الضوء على شخصيات شكلت مهمة في التاريخ الإسلامي. 

سينما سعيد مرزوق كانت مثل عين حورس، تنظر إلى المستقبل بعين حذرة، محاولة حماية الانسان والمجتمع من تعقيدات الذات البشرية واعتلالات المجتمع بكافة أطيافه. هي سينما جادة تطرح رؤية فنية تعيد بناء الواقع، وتنسج خيوطًا من التحذير والتنبؤ، كأنها دعوة للتأمل فيما سيأتي.

اقرأ أيضا: «زوجتي والكلب».. الرجل في متاهته

شارك هذا المنشور

أضف تعليق