فاصلة

مقالات

«زوجتي والكلب».. الرجل في متاهته

Reading Time: 6 minutes

ربما يكون المخرج الراحل سعيد مرزوق أحد أقل مخرجي السينما المصرية حصولًا على التقدير الذي يستحق. فالمخرج الذي بدأ مسيرته في صناعة الأفلام الطويلة عام 1971 وقدم 14 فيلمًا طويلًا وفيلم قصير وبعض المسلسلات التلفزيونية. لكن على غزارة إنتاجه ونجاحه الذي جمع بين النقدي والجماهيري؛ لا يُذكر اسم مرزوق إلى قليلا. لا يبدو هذا منصفًا للمخرج الذي يعد فيلمه الطويل الأول «زوجتي والكلب»، فيلمًا متكاملًا. ويحتاج آخرون إلى خوض تجارب للوصول لمستواه.

 بعض الأفلام المهمة وذات التأثير لا تنجو مع اختبار الزمن، وبعضها الآخر تزداد قيمته كلما أعدنا زيارته، وهو ما ينطبق على هذا الفيلم.

فيلم زوجتي والكلب 1971
فيلم زوجتي والكلب (1971)

يمكن قراءة هذا الفيلم الاستثنائي من عدة مقاربات، لكننا سنكتفي في السطور التالية بتحليل النظرة للذكورة كما أوردها سعيد مرزوق في فيلمه. فبينما تناولت عدة أفلام مؤخرًا مفاهيم الذكورة والأنوثة، وأعادت النظر في بعض المفاهيم الخاطئة المنتشرة، أو على الأقل قدمت وجهات نظر تختلف عن وجهات النظر السائدة والراسخة مجتمعيًا؛ نجد أن هذا الفيلم يقدم نظرة مغايرة قبل أكثر من 50 سنة. للإنصاف، لا بُد أن نذكّر أن بعض أفلام الستينيات والسبعينيات كانت أكثر تقدمًا من الناحية الفكرية مقارنة بكثير من الأفلام الحديثة. لكننا سنتوقف هنا عند نظرة «زوجتي والكلب» لمفهوم الفحولة، والقدرة الجنسية للرجل، وهو ما يتناوله الفيلم بشكل مختلف ولا يخلو من جرأة.

فيلم زوجتي والكلب (1971)
فيلم زوجتي والكلب (1971)

الرجل في مواجهة الرجل

الفيلم الذي كتب له السيناريو سعيد مرزوق ولم يكتف بإخراجه؛ يُعدّ معالجة حديثة لمسرحية شكسبير الشهيرة «عطيل»، التي تدور حول القائد الذي يقتل زوجته لأنه شك في ولائها له، وهو ما حدث نتيجة وشاية كاذبة نقلها إليه من يظنه صديقًا وناصحًا مخلصًا. 

يتناول مرزوق في فيلمه تيمات الشك والغيرة، لكنها يزيد من وقعها بحذف عنصر الوشاية واستبداله بخيالات الزوج وأشباح ماضيه، فأرًا يجري في المتاهة التي رسمها لنفسه: مرسي (محمود مرسي) الذي يعمل في فنار مع ثلاثة عمال آخرين. يعود إلى الفنار بعد قضاء شهر العسل، ومن باب تزجية الوقت يروي لزميله نور (نور الشريف) عن علاقاته الغرامية السابقة، وخاصة تلك التي كانت مع زوجات أصدقائه. يذهب نور في إجازة ويرسل معه مرسي خطابًا لزوجته سعاد (سعاد حسني)، وعندما تختفي صورة سعاد من حقيبة مرسي فإنه يشك في أن نور سيخونه ويقيم علاقة مع زوجته.

محمود مرسي
فيلم زوجتي والكلب (1971)

يقدم الفيلم بشكل واضح نوعين من الرجال: الأول هو الكهل مرسي ذي الملامح الذكورية الحادة، والذي نتعرف عليه في أول مشاهد الفيلم وهو على الفراش مع زوجته وكلاهما يستمتعان بممارسة الجنس.

ورغم ما يبدو على مرسي من تعقل ونضج، فإننا لا نتعرف على تاريخه إلا من خلال قصص مغامراته الجنسية السابقة التي يحكيها. بينما المقابل له هو نور (نور الشريف) الشاب ذي الملامح الناعمة نسبيًا، والذي يعيش في خيالات دائمة عن الجنس والنساء. ولكن على العكس من مرسي، لا يواري نور هوسه الجنسي، بل ينشره حرفيًا أمام أعين الجميع، من خلال قص صور النساء من المجلات المختلفة وتعليقها على جدران غرفته في الفنار.

فيلم زوجتي والكلب (1971)
فيلم زوجتي والكلب (1971)

لا يتعامل مرسي مع مغامراته كشيء جانبي أو ماضٍ لا يعنيه كثيرًا، ولا هو يندم عليها بأي حال. بل يرويها بكل فخر إلى نور، ويستمتع بالإسهاب في السخرية من أصدقائه الرجال الذين كان يستغلهم ويخونهم ليقيم علاقة مع زوجاتهم لاحقًا، بينما ينظر نور له كل نظرات الإعجاب والاعتداد فهو بالنسبة له المثل الأعلى. ولهذا عندما رجع الشاب إلى المدينة كان يحاول بالفعل تجربة ما علمه له مرسي، بأن يحاول استغلال زوجته التي رافقته صورتها. 

لا يتبادل الزميلان الآخرَان في الفنار الأحاديث نفسها عن الجنس، ويبدو أن هناك تاريخًا أسود مسكوت عنه بين مرسي وبين أحد الزميلين (عبد المنعم أبو الفتوح)، وهو ما يشبه ما يحدث بين مرسي ونور، إذ يخشى الأول أن يسأل الثاني إن كان قد وقع أي شيء بينه وبين زوجته.

الرجل في مواجهة نفسه

بعد أن يدخل الشك إلى نفس مرسي، نراه في غرفته المستديرة وحيدًا مع الكلب، لكنه في الحقيقة يواجه أسوأ شياطينه، يواجه نفسه. يُحول سعيد مرزوق غرفة مرسي إلى حلبة ملاكمة، مرسي في جهة، وخيالاته في الجهة المقابلة، ومكافأة الفوز هي راحة البال، بينما الخسارة أن يظل مرسي أسيرًا لأفكاره السوداوية. ليست مشكلة مرسي الحقيقية هي الخيانة في حد ذاتها، بل أن يُصبح رجلًا مغفلًا منقوص الرجولة -كما يرى- مثل أصدقائه السابقين. وأن يُصبح مُضغة في أفواه من سيروي لهم نور حكايته وقصصه لاحقًا.

يستخدم سعيد مرزوق المونتاج بشكل شديد الاحترافية. مونتاج الفيلم لعطية عبده، وليست مبالغة إن قلنا إنه من أفضل الأفلام المصرية في تلك الفترة توظيفًا للمونتاج من حيث كونه تركيب للقطات يعطي معانٍ مختلفة، وليس مجرد ترتيب للمشاهد.

محمود مرسي
فيلم زوجتي والكلب (1971)

يتحرك الفيلم بين عدة خطوط زمنية أولًا، وبين خيالات وأفكار مرسي ثانيًا. في الفصل الأول، تسير الأحداث بترتيبها: مرسي مع زوجته في بيته قبل أن يغادر للفنار، وهناك استغراق في ذكرياته مع زوجته في مشاهد واضحة وطويلة، يستمتع مرسي بتفاصيلها في ذهنه، ويسير نتيجتها منتشيًا على الممر الطويل خارج الفنار.

محمود مرسي
فيلم زوجتي والكلب (1971)

لاحقًا عندما يجلس مرسي مع نور فإنه يتذكر مغامراته قبل الزواج، ونشاهدها على خلال مشاهد متقطعة، تتخللها لقطات لجلسة مرسي ونور، بينما في الفصل الأخير من الفيلم، تختلط جميع هذه الذكريات معًا، وكأن مرسي أصبح يرى نفسه محل أحد الأصدقاء الذين سخر منهم، أو كأن جهازه العصبي لم يعد يحتمل معالجة هذه الاحتمالات، وبالتالي أصبح يرى كل شيء في آن واحد.

وفي لحظة أمل أخيرة، يستدعي عقله زوجته إليه، وهو يستعين بكلماتها في الرسالة التي أرسلتها مع نور، لنشاهد سعاد للمرة الأول داخل الفنار، في خياله. وعقله يستغيث بها للنجاة من أفكاره السوداء. 

يمنحنا سعيد مرزوق هنا لحظة راحة، إذ نشعر أن مرسي ربما يكون ارتاح البال وقد وثق في زوجته وألقى عنه الشك خارجًا، لكنه نظرة واحدة من الأعلى إلى الأسفل حيث يقف نور، تعيد إلى مرسي كل مخاوفه، على العكس من المشهد الذي كان قرب بداية الفيلم، عندما يقف نور في أعلى الفنار يراقب مرسي وهو يتحرك في انتشاء متذكرًا زوجته؛ نشاهد مرسي محل نور، وهذا الأخير هو من يتحرك بحيوية، دون أن نعرف ما يدور في ذهنه، ولكننا نعلم ما لا يعلمه مرسي، وهو أن زوجته لم تَخُنه، بينما مرسي سيستعيد في لحظة جميع خيالاته، التي ستعصف به دون رحمة.

فيلم زوجتي والكلب (1971)
فيلم زوجتي والكلب (1971)

ماذا عن المرأة؟

رغم أن مشاهد المرأة قليلة في هذا الفيلم، فإن المخرج يقدم صورة غير نمطية لها. في الكثير من الأفلام المصرية تكون المرأة التي تجهر باستمتاعها بالجنس منحلة، أو تعمل في الجنس التجاري بشكل واضح، بينما الزوجات الفاضلات يستمتعن في صمت. ولكن في «زوجتي والكلب» فالحديث عن شخصية الزوجة تحديدًا تحضر فيه ضحكات سعاد أثناء المداعبة، وتكون أول ما نسمعه في شريط الصوت، وهو ما يتكرر في عدة مشاهد، إذ لا تخجل من إعلان استمتاعتها وطلب المزيد. بل هناك ما هو أكثر، إذ عندما يخبرها زوجها عن حلم الرجال بالعيش في جزيرة منعزلة مع امرأة جميلة، تخبره «والستات كمان»، فلا تجد غضاضة في الاعتراف بذلك، عكس ما قد يُظن عن أن المرأة المثالية هي التي لا تتحدث عن رغباتها.

سعاد حسني
فيلم زوجتي والكلب (1971)

 ولكن عندما يتعرض وفاء سعاد للاختبار فإنها تنجح، عكس خيالات زوجها وصديقه عنها. ويمكن قول الكثير عن براعة سعاد حسني في منح الإحساس المطلوب لشخصية سعاد في مشاهدها مع مرسي ومشهدها مع نور، عندما يمنحها خطاب زوجها وتستقبله بمنتهى البساطة والاحترام، حتى تُغلق باب خيالاته المريضة. هكذا قدم سعيد مرزوق شخصية المرأة بشكل غير معتاد في الفيلم.

ينتهي الفيلم وجانب من حلم مرسي يتحقق، فقد أصبح يعيش على جزيرة وسط الماء بالفعل، ولكن بدلًا من أن تكون معه امرأة حلوة، يصاحبه نور وأفكاره التي انهزم أمامها وأمام ماضيه.

اقرأ أيضا: «جواهر السينما العربية»: ذاكرة بصرية لهويتنا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق