فاصلة

مقالات

«زوجة رجل مهم».. الحب والسلطة في زمن ممزق

Reading Time: 6 minutes

عندما ماتت جدتي، كان لي الحظ أن أرث معظم متعلقاتها العاطفية: الصور الفوتوغرافية وشرائط الكاسيت القديمة، وعلب مليئة بخيوط تطريز ذات ألوان مميزة وغيرها من متعلقات الشخصية عبرت عن شخصية جدتي وروحها الرقيقة والرومانسية، إرث ربما لا زلت أحتفظ به في كل زاوية من بيتي ليذكرني بسيدة عرفت معنى الرقة والذوق بشكل أكبر من أي شخص آخر في عائلتنا. تذكرني تفاصيل «زوجة رجل مهم» وبطلته منى دائمًا بجدتي، صحيح أن الأخيرة تُيمت بوردة أكثر من عبد الحليم حافظ على عكس منى، لكن محمد خان قد التقط تفاصيل شخصية منى بشكل دقيق، وعبر عن شخصية ربما لا تتكلم كثيرًا، لكنها تشعر وتحس وينقل هو هذا الشعور والإحساس كما في معظم أفلامه وبطلاتها الرقيقات الباحثات عن الحب والحرية.

يفتتح محمد خان فيلمه بشاشة سوداء كُتب عليها «إهداء إلى زمن وصوت عبد الحليم»، ثم يُكتب على الشاشة شتاء 1962 ونرى في المشهد الأول فتاة مراهقة هي منى تجري بسرعة لتلحق فيلمًا في السينما، نراها هي وصديقتها في لقطة واسعة ثم تبتعد عنهما الكاميرا وتصعد إلى أعلى مصورة مُشغل السينما وهو يقرأ الجريدة التي كُتب عليها «ثم تكلم عبد الناصر»، نراه يقرأ الجريدة وصوت السينما في الخلفية، ثم أصوات جماهير معترضة إذ قُطع عرض الفيلم في الأغلب لعطل في شريط الخام يتطلب تدخله، يدخل إلى الغرفة لإصلاحه، ثم نرى منى في السينما كالمجذوبة، تحاول ألا تفارق عينيها الشاشة في الوقت ذاته الذي تبحث فيه عن مقعد، تجلس وتعرض عليها صديقتها أن تأكل فلا تجاوبها، تعطي كامل تركيزها للفيلم المعروض وخاصة مع بطله عبدالحليم حافظ، ويُقطع بين مشهد السينما ومشهد تال له لكن بفارق 13 عامًا إذ نذهب إلى ربيع عام 1975 بينما يربط المشهدين غناء عبدالحليم حافظ لأغنية أهواك. 

زوجة رجل مهم (1988)
زوجة رجل مهم (1988)

هكذا نتعرف على شخصية منى بلا أي حوار، مراهقة تتحول إلى الشباب بذات الروح الرومانسية الغارقة في الحب كما تسمعه من عبدالحليم وكما تشاهده على شاشات السينما، تسكن في المنيا مع أسرتها الصغيرة، وتنزل في ساعة متأخرة من الليل لتلحق شراء شريطي كاسيت لتسجيل حفلة عبدالحليم في شم النسيم، ذلك النزول الذي يجعل هشام أبو الوفا، الضابط الشاب يراها لأول مرة، لا يتكلمان، لكن ذلك اللقاء سيغير مصيرها للأبد. 

بعد رحيلها، يبدأ هشام في مسائلة صاحب المحل العجوز عنها، سؤال ظاهره الود لكن باطنه يشي بما يشبه تحقيقات الشرطة، يوضح ذلك الحوار شخصية هشام أيضًا، يود أن لا يفوته شيء، وأن يعرف كل شيء وأن يحصل على كل شيء يريده بأي طريقة كانت. نعود إلى منى في بيتها وهي تُسجل على الشريط حفلة عبد الحليم المُذاعة على التلفزيون، قائلة في البداية بصوتها «المنيا، عبد الحليم، ليلة شم النسيم».  

تتحرك الأحداث وفقًا للشخصيتين بشكل كبير، أو وفقًا لشخصية هشام بشكل أكبر ونرى منى وهي تحاول مرارًا وتكرارًا إيجاد مساحتها معه من خلال مشاجرات بينها وبينه، أو من خلال إيجاد شيء ما يذكرها بالرقة والرومانسية، سواء شرائط الكاسيت وصوت عبد الحليم أو جارة لها أو بالعودة إلى الكلية بعد انقطاع طويل. لكن كيف تتحرك الأحداث منذ البداية وفقًا لهشام؟ 

زوجة رجل مهم (1988)
زوجة رجل مهم (1988)

بعد اللقاء الأول السريع، يبدأ هشام ما يبدو أنه ملاحقة بوليسية لمنى، يبدأ في السير ورائها بسيارته ومراقبتها، سواء وهي ذاهبة إلى الدراسة أو وهي تأكل الغداء على النيل مع أسرتها، يجلس دائمًا في موقع يمكنه من ممارسة تلك المراقبة. هشام مثله مثل أي محب يسعى لمعرفة كل شيء عن منى، لكنه بشكل ما لا يعرف إلا لغة السلطة، يُعرف نفسه من خلالها، نراه بينما يراقبها هي وأهلها وهم يأكلون، ملاحظًا لأن الطعام لا يروق لهم، فيطلب من المطعم تغيير الأكل فورًا، وتلاحظ منى ذلك فتتضايق من تلك الملاحقة بشكل ما. نراه يذهب إلى خطبتها مصطحبًا مدير الأمن، وليس والده أو أحد من أسرته، يلاحقها في القطار المتوجه إلى أسيوط ليتعرف عليها في مكان انتقالي لا تستطيع هي الفرار منه أبدًا، يتحدث معها ليقول لها أن هذا هو المكان الأنسب ليتعرفا على بعضهما البعض، تبدو منى متحيرة في أمرها منه بشكل ما، بداخلها رغبة في إيجاد الحب، ربما يجعلها لا ترى كيف لا تتوافق أبدًا مع هشام، بينما هشام يراها الزوجة الأنسب بشكل محسوب تمامًا، امرأة في مقتبل الشباب، يكبرها بثمان أعوام، ويمتلك هو خبرة كبيرة بحكم عمله، بينما هي تمتلك خبرة قليلة وخيال واسع. 

في المشاهد التالية نرى هشام وهو يقود كل تفاصيل إجراءات الزواج بأسرع طريقة، حتى مع اعتراض والد منى، لأنه قد ترقى وسينقل إلى القاهرة، في سنة تسبق بسنتين اثنتين فقط أحداث جسام حدثت عام 1977 سُميت بأسماء مختلفة وبينها انتفاضة الخبز أو انتفاضة الحرامية على حسب موقف الرائي لها، وكانت نتاجًا لسياسات تسعيرية قاسية فرضتها الحكومة آنذاك. 

زوجة رجل مهم (1988)
زوجة رجل مهم (1988)

يشترك منى وهشام في شيء واحد فقط، حب كلا منهما لشيء بشدة، فبينما تحب منى عبدالحليم حافظ، يحب هشام موقعه في العمل، لا لخدمة وطنه وإنما حبًا في السلطة وما تمنحه من مهابة وكبرياء، ربما نشأت منى في أسرة محبة فصارت باحثة عن الحب الرومانسي الساذج بينما هشام يبدو وكأنه قد ولد في أسرة حرمته من الحب، فصارت السلطة هي طريقته للحظي باحترام الغير، وصار ذلك هوسًا له، فأصبح شخص مستغل للسلطة إلى أقصى حد لتحقيق أسرع ترقي دون أي اعتبارات أخرى.

يخلق ذلك التناقض الواسع بين شخصيتي هشام ومنى، قصة الفيلم المدفوع بشخصياته، فكلا منهما يسبح في فلك، فلا تنجح علاقتهما أبدًا في أن تكون علاقة تحقق مشترك أو حتى علاقة عاطفية طبيعية وإنما تكون علاقة سامة يستكمل فيها هشام أبو الوفا اللوحة التي رسمها لنفسه ورأى به زوجته الجميلة كتفصيلة أخرى يستكمل بها صورته الاجتماعية ليصل إلى مزيد من السلطة. حسنًا فقدت منى مع الوقت أي أمل في أن تحظى بحياة رومانسية، وأصبح كل أملها في أن تعيش حياة عادية، أو أن يعيرها هشام بعض الاهتمام، فحتى وقت مخاضها، استكمل هاتفه المرتبط بالعمل قبل أن يذهب لنجدتها! لكن ماذا يحدث لهشام إن فقد سلطته؟ 

زوجة رجل مهم (1988)
زوجة رجل مهم (1988)

هذا هو السؤال الآخر الذي يُثار في الفيلم، فبعد إخفاق هشام في تأدية عمله بشكل نزيه أثناء أحداث 1977 وتلفيقه التهم للعديد من المتهمين للأبرياء يحال إلى المعاش، ليفقد الشيء الذي يُعرف نفسه من خلاله، إنه كانكسار لصورته أمام نفسه (ويتجسد ذلك الانكسار في لقطة له يقف فيها أمام مرآة يكسرها هو بذاته). نراه يبدأ في تمثيل ذات الحياة التي عاشها كضابط، لكن أحدًا لن يعيره الاهتمام الكافي بعد سقوط السلطة الفعلية، فيظهر ذلك الاحترام الذي يوليه الناس له على حقيقته: مجرد خوف من رجل باطش متسلط سقط وتحول إلى ازدراء وسخرية.  

يحكي محمد خان حكاية منى وهشام، خلال فترة السبعينيات الصعبة من خلال فصول مختلفة في السنة، هي فصول في علاقة زواج الاثنين، ونستطيع من خلال مشاهدة تلك الفصول ملء فراغات الأحداث بينهم. انتقالات زمنية تحكي فقط المهم في الحكاية، سواء من حيث تطور الشخصيات أو حتى تطور الأحداث السياسية التي تُحيط بهم والتي تؤثر بشكل كبير عليهم وعلى حالتهم المزاجية، فلا يتحرك الفيلم في فترات بشكل عبثي تجرد الشخصيات عن سياقهم الاجتماعي والسياسي، بل على العكس، فإن تلك السياقات ربما تكون بطلًا فاعلًا من أبطال الفيلم، ما يمنح الفيلم مستويات عدة للقراءات المختلفة سواء السياسي منها المرتبط بفترة الانتقال من حكم عبدالناصر إلى حكم السادات، أو الاجتماعي المترتب عليه من فترة السياسات الاشتراكية إلى الانفتاح، أو على المستوى الأضيق، علاقة حب بين مهووس بالسلطة ومستغل لها وفتاة رومانسية بريئة لا تحلم إلا بالحب الذي رأته على شاشات السينما وهي مراهقة. المذهل في الفيلم، أنه بشكل ما لا يمكن فصل السياقات عن بعضها وقت مشاهدته، فكل تغيير كبير يحدث على المستوى السياسي أو الاجتماعي نراه ينعكس على مستوى أصغر في تلك العلاقة النووية الصغيرة. 

زوجة رجل مهم (1988)
زوجة رجل مهم (1988)

لكن بعيدًا عن سيناريو الفيلم المُتقن في تفاصيله، فإن خان يستخدم أسلوبًا سينمائيًا بامتياز، سواء على مستوى التفاصيل الصغيرة الملتقطة باللقطات المقربة والمعبرة عن دواخل الشخصيات وما ترغب به فعلًا، أو من خلال اختيار الممثلين ميرفت أمين في دور منى وأحمد زكي – المعروف بتقمصه الزائد للشخصيات لدرجة عيشه لحياة الشخصية خارج التصوير – في دور هشام، ومرورًا بموسيقى المصري الأرميني جورج كازازيان المقل في أعماله السينمائية، الذي يعبر منذ البداية بموسيقى تحمل مزيج من أصوات العود وإيقاعات إلكترونية وأصوات طبول بوليسية عن الجمع والتضاد بين الشخصيتين، فهما مرتبطان ببعضهما بالزواج فقط، لكنهما كخطين متوازيين لا يلتقيان أبدًا، وصولًا إلى اللقطات التسجيلية لمظاهرات الخبز أو جنازة عبد الحليم، ليخلق فيلمًا هو واحد من أكثر أفلام السينما المصرية تميزًا. 

يعبر خان إذا عن شخصيتين ربما ينتميان إلى نفس الحقبة الزمنية، لكن كلا منهما قد اختار العيش في جزء منها فقط، منى التي تعيش أيام عبدالناصر وزمن عبد الحليم المليئة بالشعارات الرومانسية الحالمة المنتهية بالهزيمة الفعلية للبلاد في النكسة، وهشام الذي يعيش أيام السادات المنتصرة في الحرب والمنقلبة على أي مبدأ إنساني حالم تبناه النظام السابق لها. علاقة إنسانية صغيرة للغاية تعبر عن حالة بلد بأكملها في وقت صعب.  

اقرأ أيضا: ما بعد المنع: أفلام أثارت الجدل

شارك هذا المنشور

أضف تعليق