من بين كل صناع موسيقى الروك، تقف الأيسلندية بيورك في مساحة مميزة لا يشاركها فيها أحد، ولا يشبها أي موسيقي آخر. تشبه بيورك في فرادتها فرادة ميشال أوسلو في صناعة أفلام التحريك، لهذا كان من المنطقي أن نبدأ من عندها الحلقة الثالثة من حوارنا مع المخرج الفرنسي الذي قابل فاصلة خلال مشاركته في فعاليات الدورة 22 للمهرجان الدولي لسينما التحريك بمكناس المغربية.
في الحلقتين الأوليين تحدثنا عن بداياته ورحلته الوعرة ليصبح علمًا في عالم سينما التحريك، ثم تحدث إلينا عن علاقته بأفريقيا وكيف كانت طفولته فيها وراء نجاحه الكبير في ثلاثية كيريكو Kirikou trilogy التي أخرج أول أفلامها في 1998 وثالثها في 2006.
سألته: بعدها أخرجت فيديو أغنية النّجمة الأيسلندية بيورك «دخلاء الأرض Earth Intruders» (من ألبوم Volta 2007). ما قصة هذه التّجربة؟
– أولًا، شعرت بالإطراء الشديد لأنها فكرت بي. وعندما أتت إلى منزلي قلت لها: أعلم أنّك أتيتِ إليّ بفضل «كيريكو»، لكنّي انتهيت للتو من الاشتغال على فيلم جديد عنوانه «أزور وأسمر Azore and Asmar»، وأقترح عليك إن شئت العمل معي أن تشاهديه.
استجابت وأخرجتُ جهازي «الماكينتوش» الأبيض الصغير وشغّلت الفيلم، وجلست تشاهده عليه.
ينبغي القول أنها نجمة تتحكم في حياتها وتفعل ما تريد. لو كانت أمريكية، لكانت هناك لجنة إشراف وراءها تهتف: «كلا! هذا فيلم مدّته ساعة و44 دقيقة، ليس لدينا وقت لإضافة ذلك إلى جدول أعمالك». لكنها لم تهتم. جلست القرفصاء وشاهدت الفيلم. وعند نهايته صفقت. ثم أخرجت نفس جهاز الماكينتوش الأبيض خاصتها وقالت: «هذا ألبومي»، فاستمعت إليه.
في النهاية، لم أصفق لأنّي لم أرغب في تقليدها، وعلى أي حال، أنا لست ميالًا للموسيقى. أخبرتني بالأغنية التي أرادت مني أن أرفقها بالصور، فاكتشفت أنها عبارة عن «فوغا» (صنف من التأليف الموسيقي الغربي يعطي الانطباع للمستمع بمطاردة عن طريق الدخول المتتالي والمتعاقب للأصوات وتكرار نفس المقطع ـ المحرّر)، ثم قلت لها: «لماذا أتيت إليّ بنص أجده غير متناسق وعنيف بعض الشيء، بينما ما أحاول فعله هو البحث عن الهدوء والانسجام؟». في البداية، استغربت قليلًا من أني أبدي ردّ فعل كهذا بدلًا من أن أمدحها، لكنها وجدت منفذًا مناسبًا حين أجابت «لهذا السبب بالتحديد جئت لأبحث عنك»، أو بين قوسين «تدبّر أمرك لوحدك!».
هل ترى أن اختلافكما أثر على الأغنية في صورتها النهائية أو في طبيعة عملكما معًا؟
– نعم، لقد أخبرتني بأنّي كنت محقًا بشأن عدم تناسق الكلمات، مؤكّدةً أنها كتبتها تحت ضغط عاطفي. فمن ناحية، كان هناك تسونامي عنيف ضرب الشرق الأقصى في 2004 (زارت بيورك إندونيسيا في أعقاب التسونامي مباشرة). ومن ناحية أخرى، [كانت غاضبة من] القرارات الحمقاء التي كانت تتخذها الحكومة الأيسلندية آنذاك في استسلام كامل للسياسة الأمريكية. لذلك كانت في حالة من الحيرة، ولم تستطع أن تتخلص منها اثناء كتابة نص الأغنية. لكنها قالت لنفسها «لقد كتبت هذا كما تداعي في ذهني وسأتركه كما هو».
وافقت على تحليلي بعدم تماسك النّص، ونتيجة لذلك خمّنت أني بدوري سأفعل ما يخطر ببالي. أعدت قراءة الكلمات، ثم فكّرت بكيريكو لأنها جاءتني بناء على مشاهدته، وكانت حفيدتها تعشق الفيلم. في النّهاية جاء الكليب كنوع من المزيج بين التقاط واقعي لصورة برأسها وهي تغنّي، ورقصة فيلق من الباليه مكون من صور ظلية صينية تمثّل شخصية كيريكو في مرحلة الشّباب. أدى راقص وممثل رائع في سن العشرين دور كيريكو على المسرح (في مسرحية أعدها وأخرجها أوسلو نفسه قبل الأغنية بعدة سنوات) وبفضل تكنولوجيا الكمبيوتر، قمت بمضاعفة صورته لتشكيل فيلق الباليه.

بعد ذلك، أصدرت عملك الرائع «أزور وأسمرAzore and Asmar» في 2006. هذا الفيلم مهم على نحو خاص لمقابلتنا هذه لأنك تتناول فيه الثقافة العربية الإسلامية. كيف جاءتك تلك الفكرة؟
– بعد كيريكو، ودّعتُ حياتي كشخص عاطل عن العمل منذ فترة طويلة، وكل ما كان يرافقها من إذلال مطلق وخزي ويأس من عدم تحقيق ما كان يجب أن أحققه من أعمال، وعجزي عن «أن أكون حدادًا عبر ممارسة الحدادة»، كما يقول المثل الفرنسي.
بعد كيريكو أتيحت لي فرصة العمل فعانقتها. اخترت التّقنية الأكثر تكلفة في ذلك الوقت: رسومات الحاسوب ثلاثية الأبعاد، التي لم أكن أعرف عنها شيئًا، لكن لم يحل ذلك دون طموحي. قلت لنفسي، اليوم أعرف أني سأقضي ست سنوات من حياتي في الاشتغال على فيلم جديد، لذا يجب أن أختار تيمة تستحوذ على اهتمامي. فاخترت موضوعات الكراهية والحرب والقلاقل، ولكن على أساس يومي. في كل يوم، ثمّة تجمّعات بشرية تكره بعضها البعض دون سبب على الإطلاق، وفي بعض الأحيان تخرج الأمور عن السيطرة. مثل قيام بعض الشباب بتدمير الحي الذي يعيشون فيه هنا في فرنسا بشكل شبه يومي: المدارس، والمكتبة، وروضة الأطفال، والسوبر ماركت حيث تشتري الجدات مستلزماتهنّ اليومية.
أردت أن أفعل شيئًا حيال ذلك، أن أصنع فيلمًا حقيقيًا لأنّي أعرف الوضع في فرنسا. فتخيّلت كل الاختلافات التي يمكن أن تثير العداء: الأغنياء والفقراء. الرجال والنّساء. الكبار والصّغار. وتحدثت كثيرًا عن الهجرة في هذا الفيلم، لأنها إحدى مشاكل فرنسا، خصوصًا إشكالية أشخاص لا يرغبون في أن يكونوا جزءًا من البلد، رغم أنهم كذلك. استهللت الفيلم بفرنسا، في منطقة لفظتُها مثل مهاجر ناقم بدوري وهي «أنجو» في الشمال الغربي، وأنهيته في المغرب العربي لأن معظم المهاجرين في فرنسا ينحدرون من هذه المنطقة. وقلت في نفسي: «بما أن الغالبية العظمى من سكان شمال أفريقيا مسلمون، سأنجز ملحقًا تاريخيًا للاحتفاء بجانب طواه النّسيان من حضارتهم: الإسلام المنفتح والرائع».
باقي الفيلم كلّه تقريبًا من اختراعي. لم أبتكر الجن بالطبع، فهم متواجدون منذ زمن طويل جدًا في مخيال الأساطير، قبل أن يُؤتى على ذكرهم في القرآن الكريم بفترة طويلة، ولم تتفتّق مخيّلتي عن طائر «السيمرغ» (ومن أسمائه أيضًا: الرُخ والفينيق والعنقاء) الحاضر في المنمنمات الفارسية الجميلة.
وكيف جاءت القرار الجريء بالمزج بين الحضارتين الغربية والعربية في الفيلم؟
ـ من مصادفات الحياة أني عندما كنت أدرس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية، كانت هناك مادة اختيارية حول «الروايات والحضارات المعاصرة». كان فصلًا اختياريًا لذا لم يكن مزدحمًا، وكان يلقيه مدرسٌ غير جذّاب ولا يتمتع بحسن المنظر لكنه كان بارعًا في كشفه لي عن حضارتين؛ حضارة الكاثار، وهي ديانة ذات تطلعات مسيحية، لكنها مختلفة ومتطرفة تمامًا، تزاوجت قليلًا مع حضارة أقاليم «لابروفانس La Province» التي كانت أكثر تقدمًا بأشواط من شمال فرنسا في ذلك الوقت.
بطبيعة الحال، ردّت كنيسة روما بشكل قاس للغاية، وعذبت وقتلت لمحاربة هذا الدين الجديد، الذي لا أكنّ له إعجابًا خاصًا، ولكنه تزاوج بشكل ملفت مع الحضارة البروفانسية التي دُمرت في نفس الوقت الذي طُمست فيه حضارة الكاثار. هذا حدثٌ مدهشٌ شهدته بلادي: حملةٌ صليبية بشّر بها البابا، قادها مسيحيون ضد طائفة مسيحية في أراضٍ فرنسية. ومن ناحية أخرى، هناك الحضارة العربية الإسلامية التي كنت على دراية بها من قبل، وأردت أنأ سلط عليها نظرة متعاطفة.
ثمة حكاية طريفة بخصوص «أزور وأسمر»، وهي أننا عندما بدأنا العمل على استهلال الفيلم، أي مشهد الرضاعة. رأينا أمامنا على شاشة التلفزيون، طائرات تدمّر برجي مركز التجارة العالمي على الهواء مباشرة! لذا قلنا لأنفسنا: «علينا أن ننتهي من صنع هذا الفيلم في أسرع وقت ممكن لأنه يشتبك بشكل خاص مع عالمنا الرّاهن». لذا يمكنك بسهولة تحديد تاريخ بداية الإنتاج في 11 سبتمبر 2001. كنا في غرفة طعامي لأن تلك الفترة كنت فيها أتحمل تكلفة الإنتاج قبل تدخُّل المنتجين. لذا خلعنا الأبواب ووضعناها على حوامل لصنع طاولات الرسم. كانت غرفة المعيشة مليئة بالمتعاونين، وشاهدنا معًا ما حدث في ذلك اليوم الرهيب.

هل كانت «ألف ليلة وليلة» أحد مصادر إلهامك لكتابة «أزور وأسمر»؟
ـ هناك دائمًا «ألف ليلة وليلة» لأنها دائمة الحضور في مخيال الجميع. لا يمكنك الهروب منها. بالطبع فكرت فيها، بوضوح شديد، لأنّي بحثت أيضًا عن خلق الإبهار. فكرت أيضًا في الدهشة التي شعرت بها عندما كنت طفلًا وأنا أشاهد بعض أفلام ديزني: مثل «سندريلا» وغيرها.
ما عدا ذلك، أنا آخذ الأمور على محمل الجدّ. أي أنّي قرأت الأناجيل الأربعة والقرآن الكريم. أردت أن أرتّب الأمور في ذهني جيّدًا. بيد أنّي لم أتحدث عنها بصفة مباشرة لأني لا أحبّ كثيرا ما بها من حضّ على الطاعة من دون تفكير. لقد ألحقت تلك المنظومات الفكرية الأذى في كل مكان، ولا يزال الأمر مستمرًا في فلسطين على سبيل المثال.
هل تعتقد أن كونك لست مهووسًا بمشاهدة السينما قد أعطاك الحرية الناجمة عن غياب التأثر بتاريخ سينما التحريك؟
ـ لم يحدث هذا معي. كنت أدرك أن لديّ قدر صغير من الموهبة يمكن استغلاله، ولم أكن منزعجًا من انتصارات الآخرين. لكن هذا رأيي في تدريس السينما. لم أذهب إلى مدرسة للسينما أو التحريك، ولم أتعلم في الاستوديوهات لأنهم لم يرغبوا بي، لذا لا أعرف كيف يتم ذلك. كنت متاحًا تمامًا وبريئًا لأنّي لم أتعلم رؤية تمت قولبتها قد توفّرها المدرسة. رغم ذلك، أؤيد التدريس لأنّه يوفر عليك الكثير من الوقت بفضل استيعاب خبرات الآخرين.
لقد استغرق الأمر مني وقتًا طويلًا جدًا حتى أستقر على نوع وتركيبة الأوراق التي أستخدمها في التصوير. ابتكرت مثلًا طرقًا جديدة لمعرفة مدى تقدّمي في العمل. في «المخترعون الثلاثة» اعتمدتُ على أوراق معقدة للغاية بغية ضبط تسلسلات جدّ مركّبة. كان ذلك كافيًا ليصيبك بالجنون، خصوصًا حين تدير الأمور لوحدك.
ورغم هذه الصعوبات، أنا سعيد لأنّي عشت خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين. هذا زمنٌ استثنائي لأنك تستطيع الوصول إلى كل ما تبحث عنه بضغطة زرّ. اليوم، في الساعة الثالثة صباحًا، إذا أردت أن أعرف كيف تُصنع مِبشرة الكاسافا (يضحك) يمكنني تعلّم ذلك على الفور. تحصل على عدة صور تفصيلية لها في ثانية. إنه أمر لا يصدق. ثم هناك الكتب. لطالما حرصتُ على الذهاب إلى المكتبات. وكنت كلما حصلت على المال، أشتري كتبًا تحتوي على صور جميلة.
بالنسبة للحضارة الإسلامية، كان لدي بعض الوثائق البديعة التي أفدت منها كثيرًا. نطاق الوحي بالنسبة لي هو الكوكب كله وتاريخ البشرية برمّته. أنا على دراية بعدد غير قليل من الأشياء، وأحرص على استخدام كلّ ما يثير اهتمامي. في الأساس، لم أخترع أي شيء. فقط تلاعبت بكرات كثيرة على طريقة لاعبي السيرك، ويمكنك أن ترى من أين أتت كل كرة على حدة. هذه كرةٌ حمراء مزينة بزخارف ذهبية أتيتُ بها من المغرب، وتلك من رخام جاءت من إيطاليا، وأخرى مصنوعة من الخشب مع طلاء أزرق جميل. يمكنك التعرف عليها وعلى مصدرها كلّها. لا أخفي حقيقة أنّي أجني عسلي من كل مكان، ولكنّي أنا من يفعل ذلك، وطريقتي لا تشبه أحدًا غيري.

هناك ميزة أخرى في «أزور وأسمر»، لم توجد في أفلامك السابقة عليه، وهي استخدام الصور المنشأة بالكمبيوتر. كيف تعاملت مع هذا المستجدّ؟
نعم، فجأة أصبحت المخرج النّاجح الذي بوسعه فعل كل ما يريد، ولديه ميزانية كبيرة (9.47 مليون يورو ـ المحرّر). لكنها ميزانية كبيرة نسبيًا فقط. لو كنّا بصدد فيلم أمريكي، لخُصّص ذلك المبلغ لتسديد كلفة السندويشات (يضحك). المهم، فجأة أصبحت لديّ القدرة على الوصول إلى أدوات المهنة، فقرّرت اختبار أشياء لم أكن أعرفها.
في هذا الفيلم، كانت لديّ رغبة حقيقية في إظهار أننا يمكن أن نتفق رغم اختلافاتنا. عندما يقول لي الناس: «هذا جيد، أنت تدافع عن التسامح». أجيب: «كلا! أنا لست متسامحًا على الإطلاق مع الأوغاد والحمقى مثلًا… بل أميل أكثر إلى التأثير عن طريق المتعة».
في «أزور وأسمر»، اخترت أن أُظهر المتعة فقط. الاختلافات ينبغي أن تكون مصدر متعة وليس منبع معاناة. عندما يقول أزور «هذا لذيذ!»، فليس لأنه متسامح، بل لأن الكسكس لذيذ حقًا (يضحك). ولما يعثر أخيرًا على مربّيته بعد مرور عشرين عامًا، وهي ترتدي ملابس رائعة، فيقول «أنتِ جميلة»؛ ليس لأنه متسامح معها، بل لأنه يعتقد أنها جميلة فعلًا. لقد حقّقَت نجاحًا في حياتها، ما أتاح لها أن تجد الحلي المناسبة لترتديها، لذا فهي جميلة. وعندما يكون هناك ثمانية أشخاص يرقصون معًا في نهاية الفيلم، فهذا لا يعني أنّهم متسامحون، بل أنهم يحبون بعضهم البعض. لا يوجد تسامحٌ في فيلمي.

لا أحبّذ هذا المصطلح أيضًا، لأنه يوحي بأن هناك شيءٌ غير سويّ في الأصل وعلينا تجاوزه.
– نعم، إنها كلمة خطيرة قليلًا لأنها ترى الأشياء من أعلى، من وجهة نظر ازدراء. لكن بعض التسامح مفيدٌ للعيش المشترك.
اقرأ أيضا: رحلةٌ في مخيال ميشال أوسلو (4): لا أُُُظهر احترامًا أخرق لما جاءوا قبلي
