بدأ صعود السينما الرومانية قبل عقدين تقريبًا. بدا الأمر كما لو أنّ حجابًا قد رُفع فجأة، مانحًا رؤية واضحة لأفلام مخرجين على مسار مختلف عن تلك التي تُشاهد عادة في أوروبا: أفلام بإضاءة خافتة، حوارات بلا جمل مفصلة، نهج تجريبي، روح وثائقية، واقعية وبسيطة بشكلها المرئي وعميقة بمعانيها. وسرعان ما انتشر الخبر: هذه هي الموجة الرومانية الجديدة، لغة وهوية سينمائية لبلد لم يتبق فيه سوى 70 دار سينما. برز رادو جود، المولود في بوخارست عام 1977، في مشهد سينمائي ذي شهرة واسعة. ينتمي جود، الذي طُرد ثلاث مرات من معهد السينما الروماني حيث درس، إلى الجيل الثاني من المخرجين الرومانيين الجدد. جود بكبرياء طفل مشاغب، هو الأكثر تعقيدًا ومرحًا، بل الأكثر فوضوية أحيانًا، بين أعمال السينما الرومانية، وربما الأوروبية أيضًا. إنه أحد أكثر صانعي الأفلام تأثيرًا في عصرنا. يمزج جود بين النقد اللاذع والصارم للجانب المظلم من ماضي بلاده بالسخرية والتهكم، لتكون أفلامه من أكثر الأفلام حدة سياسياً وأكثرها ابتكارًا شكليًا في السينما المعاصرة.
تُعد أعماله المبتكرة شكليًا أساسية في تفكيك الماضي القريب الحافل لرومانيا، الذي تميز بثورة 1989. لا يتردد في جميع أفلامه في مواجهة هذا الماضي وذكرياته في المجتمع اليوم. جود باحث أرشيفي ماهر، ورسام دقيق للماضي الذي تسعى بلاده لإخفائه. يستخدم حلقات مخزية من التاريخ الوطني ليربطها بحاضر رومانيا، منشئًا بذلك حوارًا، لا يخلو من المفارقة والسخرية، حيث يشكك في الخطاب الرسمي لبلاده بمجرد التنقيب في المصادر التاريخية، ويصوّر الحاضر الاجتماعي من دون أي محسّنات لإثبات أن ما حدث قبل أجيال كان له مذاق اجتماعي كامن حتى اليوم، في انتظار حدث محفز يعيد إشعال دوافع العنف في القرن العشرين.

يُمثل فيلم «أفيريم!» (2015، «Aferim!»)، نقطة التحول في سينما المخرج الروماني، وهو الفيلم الروائي الطويل الذي نال من خلاله أول تقدير دولي في مهرجان سينمائي كبير مثل برلين (أفضل مخرج). يغادر جود الحاضر في «أفيريم!»، ليعود إلى ما لا يقل عن بداية القرن التاسع عشر، إلى لحظة تاريخية تُحدد فيها الولادة ما إذا كنت حرًا أم عبدًا، وما إذا كنت من الطبقة المهيمنة أو المُهيمن عليها. عالم بدأت فيه الثورة الصناعية تُحدث تحولات نموذجية في العلاقات الاجتماعية والإنتاجية، لكن رومانيا ظلت راسخة في العصور الوسطى. في فيلمه هذا، وضع جود الأسس التاريخية لسينماه، ومنذ ذلك الحين، وجد مداره لينظر إلى عالم غني من الروابط التي تفسر حاضر رومانيا، بدءاً من الأحداث التي كانت في البداية بعيدة في الزمن (فترة يون انتونيسكو) ولا تقتصر بالضرورة على فترة ديكتاتورية تشاوشيسكو، وصولًا إليها.
في كلّ فيلم من أفلامه، يسعى جود إلى توسيع نطاق أشكاله الأصلية ويتحداها. أعماله مليئة بالتجارب، لا يشبه أي فيلم سابقه. لغته البصرية، وإبداعه، وذكائه السينمائي والأدبي والفلسفي، لا مثيل لها في السينما الأوروبية. لطالما تحررت أفلامه من جماليات السينما الرومانية المعترف بها دوليًا. يمكن أن تكون أفلام رادو جود ساخرة مُلحّة، أو سياسيةً للغاية، أو مُجمّعات وثائقية، أو أفلامًا مسرحيةً مُجزأة، أو كوميديةً تتناول إخفاقاتٍ مأساوية في التواصل. العديد من هذه الأفلام تتجاوز ببهجة أعراف السرد السينمائي. غالبًا ما تُولّد إفراطًا شعريًا غريبًا، وأحيانًا تكون صارمةً بلا رحمة. يكاد يكون من المستحيل الحديث عن أسلوب يُميزه، نظراً لكونه أكثر المخرجين الرومانيين قلقًا، وأقلهم ثباتًا في نهجه، وأكثرهم حدسًا، وأكثرهم استقصاءً. تنفتح أفلامه على المفاجأة والجديد مع كل اقتراح. يستخدم جود الفكاهة واللمسة الكوميدية كثيرًا في أفلامه، ومع ذلك، تحت النبرة المرحة التي تطبع ما يحدث، تبقى الوحشية باقية.

قد يفاجئك ما قد يفعله أيّ مخرج آخر، باستثناء رادو جود، بسبب جرأته الشكلية ومحتواه المتفجّر، وروحه الاستفزازية والمتمردة، ونقده الحاد للمجتمع والدين والسياسة والصوابية السياسية والنفاق. تقترب أفلامه، بطريقة واضحة ومباشرة، من الصورة المنافقة لبلد يواجه تناقضاته ويختار عدم مواجهتها وجهًا لوجه. هذه رومانيا، ولكن يمكن أن تكون أي دولة أخرى على هذا الكوكب، كل ما هو مطلوب هو صانع أفلام جريء وذكي وديناميكي. إنه يجرؤ على تصوير مشهد إباحي من دون محرمات ولا رقابة ذاتية كما هي الحال في فيلم «مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون» (2021، «Bad Luck Banging or Loony Porn»)، الفائز بدبّ برلين الذهبي. الفيلم هو راديكالية نادرة في السينما المعاصرة، تخلَّص المخرج من الطريقة التقليدية في بناء قصة سينمائية وتحرّر من فكرة الرسم التخطيطي للشخصيات وللسرد. هكذا، قرّر أن يصنع فيلمًا غير مكتمل، ومفتوحًا بثلاث نهايات. ترك لنا حرية الاختيار وفقاً لصوابيتنا السياسية وأزيائنا المهنية وأقنعتنا ونفاقنا ومواقفنا وفضائلنا الكاذبة. قدم لنا جود فيلمًا بثلاثة أجزاء مختلفة: قصة إيمي (كاتيا باسكاريو) المدرّسة التي تسرب لها على الإنترنت ڤيديو تسجيليًا (بورن)، وهي تمارس الجنس مع زوجها. الجزء الأول من حياة إيمي في شوارع بوخارست، يصوّرها المخرج بطريقة وثائقية وهي في الصيدلية، والمكتبة، والسوبرماركت. الجزء الثاني هو مونتاج صور ومشاهد مأخوذة من الأرشيف. مقال موسوعي استخدم فيه جود التعريفات والكلمات والفكاهة حول الحياة السياسية في رومانيا على مرّ العصور. الجزء الأخير هو محاكمة المرأة في المدرسة بعدما تناقل التلاميذ الفيديو من هاتف إلى هاتف، وشاهدته المدرسة كلّها وأولياء الأمور. يختزل جود في هذا الجزء المسرحي أمّته ومجتمعه. لقاء المعلمة بأولياء الأمور (ربات منزل، قائد عسكري، طيار، فنان…) في باحة المدرسة لمناقشة الفيديو، والتصويت على ما إذا كان بإمكان المرأة الاستمرار في تعليم أطفالهم.

في فيلمه غير المبالي «لا يهمني إذا سُجّلنا في التاريخ على أننا برابرة» (2018، «I Do Not Care If We Go Down In History as Barbarians»)، يجمع بشكل كل ما استخدمه المخرج في أفلامه السابقة. قصة شخصية وعاطفية، في الوقت نفسه، يسمح له استخدام الخيال الميتافيزيقي بإعادة خلق المناخ الاجتماعي للبلاد حول موضوع مثير للجدل ومُسكت خلال سنوات الديكتاتورية الشيوعية. وهكذا، يصبح هذا أول عمل روائي لجود، يتناول مباشرة، من دون إغفال جوانب من الأعمال غير الروائية أو العمل الأرشيفي للأفلام السابقة، قضية الذاكرة التاريخية للهولوكوست في بلاده. أما فيلمه «لا تتوقع الكثير من نهاية العالم»، (2023، «Do Not Expect Too Much from the End of the World»)، فهو يوم ونصف من حياة أنجيلا، مساعدة إنتاج متدنية الأجر ومثقلة بالعمل، تتجول بسيارتها في أنحاء بوخارست لاختيار أشخاص أصيبوا بحوادث مرتبطة بالعمل، لتصوير إعلان يتناول حوادث العمل والسلامة. كلّ ما يحدث في الفيلم من لحظات مرحة، وتصوير الإعلان، ومقابلات الابطال المحتملين، وحياة أنجيلا، يُشكل درسًا متقنًا في كيفية تصوير مدينة، وتصوير حقبة زمنية ومقارنتها بأخرى، وتصوير الاغتراب في الحياة المعاصرة دون إغفال السخرية. هذا السرد البسيط يُتيح لجود القدرة على إدخال قصة فيلم آخر: «أنجيلا تستمر» (1981، «Angela Goes On»)، للمخرج الروماني لوسيان براتو (1924-1998)، بطلته تُدعى أيضًا أنجيلا، وهي تتجول بسيارة أجرة الخاصة بها في بوخارست بينما تواجه عالماً يهيمن عليه الرجال. يُعد مونتاج فيلمي الطريق الحضريين اللذين يتابعان الفيلم تقريبًا، الإطار الهيكلي الذي ينسج عليه المخرج شبكة من المستويات المتداخلة، مما يؤدي إلى منعطف جدلي غير متوقع في المنطقة الرمادية بين الواقع والخيال.

خارج السياق، غالبًا ما تُنتج الإعلانات من عصور غابرة تأثيرات غريبة، مضحكة في معظم الأحيان، إشكالية وفضولية في أحيان أخرى. في حالة «ثماني بطاقات بريدية من يوتوبيا» (2024، «Eight Postcards from Utopia»)، يحدث شيء مختلف. في فيلمه هذا، يستخدم جود الإعلانات الرومانية من حقبة ما بعد تشاوشيسكو كمواد، أي منذ سقوط النظام الشيوعي الموالي للسوفييت عام 1989. بفضل فهم السياق، تُصبح الإعلانات فضولية ومضحكة وإشكالية في آن واحد. وفي الوقت نفسه، تُمثل انعكاساً صادقاً للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، في المجتمع الروماني. فيلمه الأخير، «كونتيننتال 25» (2025، «Kontinental ’25»، أفضل سيناريو برلين 2025)، يتجلى فيه حسّ جود الفكاهي الساخر، ونقده الاجتماعي اللاذع، وتدخلاته السردية في مواقف الحياة اليومية التي تصل إلى حدود قصوى. إنه إعادة نظر جريئة في تاريخ رومانيا العام، ترانسيلفانيا الخاص، الذي يكتسب قوة عالمية تكاد تكون أشبه بالخرافات.

بلا شك، رادو جود هو أحد أكثر المجربين الأسلوبيين إثارة للاهتمام في أوروبا المعاصرة. غزير الإنتاج، لا يزال ثابتاً في بحثه السينمائي عن وسائل جديدة للتعبير النقدي في الطريقة التي نتفاوض بها على ماضينا البعيد والقريب، من دون أن يفقد المرء حس الفكاهة الماكر. يبدأ جود سينماه بما قاله جان لوك غودار: «من البديهي أن الأفلام قادرة على التفكير أفضل من الكتابة أو الفلسفة، لكن سرعان ما نُسِي هذا»، لأنه لم ينس قوة السينما في علاقتها بالأفكار. يقول رادو جود: «عندما تقرأ كتابًا تاريخيًا، لا تحتفظ إلا ببعض الآثار أو التفاصيل. هكذا تعمل السينما. فجأة، تبرز التفاصيل وتصبح سينمائية. يمكن لصفحة إنستغرام أن تكون سينمائية. انعكاس في بركة ماء. يجب دفع السينما نحو اتجاهات جديدة، وجعلها غير نقية، وإفسادها حتى نتمكن من رؤية التفاصيل الصغيرة. أنا فقط ألفت الانتباه إلى ما هو موجود. ربما يعني هذا أنني لست صانع أفلام جادًا». ربما لا يأخذ رادو جود نفسه على محمل الجدّ، فهو لا يكترث بالمكانة أو يشعر بأنه يفوق أي مخرج آخر. لكن لا يمكن إنكار القوة التأملية والعاطفية والسياسية والاجتماعية والدينية في أفلامه، ففي جميعها، التي تفوق الثلاثين بين القصير والطويل والوثائقي، ثمة تجربة شكلية تُحفز التفكير. سينما جود هي الحاضر السياسي الذي ينبغي أن يكون ذاكرة تاريخية، وسبيلًا لتشابك الماضي والحاضر كسلسلة من الإيديولوجيات والسلوكيات التي لم تختف.
اقرأ أيضا: «كونتيننتال ٢٥».. حين يصبح التاريخ أطلالًا لحاضر هشّ