فاصلة

مقالات

دوغما 95… واقعية المآسي

Reading Time: 5 minutes

في منتصف التسعينيات، وقف المخرج الدنماركي توماس فينتربيرغ ومعه ثلاثة من مواطنيه، ليعلنوا أمام مؤتمر “السينما نحو قرنها الثاني” المنعقد في باريس، عن حركتهم السينمائية “دوغما 95”. انبنت نظرية المخرجين الأربعة ومدرستهم على أن السينما لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة كي تحدد جودتها، وأن المخرج لا بد له أن يُقسم “قَسَم العفة”، وفي نص القسم: “أقسم أنا المخرج أن أبتعد عن ذوقي الشخصي، أنا لم أعد فنانًا، أقسم أن أمتنع عن صناعة ما يُسمى بـ “العمل”، هدفي الأسمى هو استخراج الحقيقة من شخصيات فيلمي ومشاهده، أقسم أن ألتزم بهذا بكل السبل المتاحة، وعلى حسب أي ذوق جيد وأي اعتبارات جمالية”.

حددت حركة دوغما 95 لنفسها عشرة قواعد أساسية، تخلت من خلالها عن بعض الأساليب الفنية التي يلجأ لها كثير من مخرجي السينما الفنية، ومنها الالتزام بعرض الأفلام بالألوان واستبعاد اللجوء للأبيض وأسود، وأن تجول الكاميرا بحرية ولا تُحمل على شيء ثابت أبدًا، ورفض المؤثرات البصرية والتكاليف الباهظة.

رأى المخرجون الأربعة (توماس فينتربيرغ ولارس فون ترير وكريستيان ليفرينغ وسورن كراغ-جاكوبسن) أن هذه الطريقة بإمكانها “تطهير صناعة السينما”. وبالإمكان القول إن هذه الحركة كانت مضادة لهوليوود ومضادة أيضًا للبيروقراطية في صناعة السينما بشكلٍ عام.

دوغما 95... واقعية المآسي
The Idiots (1998)

ولعل من أبرز مقتطفات بيان هذه الحركة: “اليوم تشتد العاصفة التكنولوجية، نتيجة ما سوف يُعرف بدمقرطة السينما، أي شخص بإمكانه صناعة الأفلام، لكن كلما أضحى الوصول إلى الأدوات أسهل، كلما أصبحت (الطليعية) مهمة أكثر”، “المهمة الأسمى لصنّاع الأفلام الهابطة هي خداع الجمهور، فهل هذا ما نفخر به؟ ما تراه (دوغما 95) هو أن الفيلم ليس وهمًا”.

وفي حوار أجرته معه مجلة “إندي واير IndieWire” المعنية بالإنتاجات المستقلة، سُئل فينتربيرغ عن كيفية تأسيس الحركة ووضع قواعدها العشر، وكيف كانت النقاشات حيالها؟ فأجاب: “لقد كان الأمر أتفه من ذلك بكثير، جلست أنا وترير، واستغرقنا نصف ساعة من المرح والضحكات في كتابة القواعد، سألنا أنفسنا ماذا نفعل عادة عندما نقوم بصناعة فيلم؟ وأيًا كانت الإجابة، كنا نمنعها. كان الأمر بهذه السهولة”.

دوغما 95... واقعية المآسي
Another Round (2020)

أعلنت الحركة حل نفسها في 2005 بعد عشر سنوات من إعلانها، ولكن قبل إعلان مخرجيها انتهاءها كانوا قد أخرجوا مجتمعين 31 فيلمًا بحلول عام 2002. وعندما أوقفوها، كتب مؤسسوها على موقعهم الرسمي تخلّيهم عنها وإيقاف نشاطها في بيان حمل عنوان “العودة إلى الأناركية البدائية”، لأن من ضمن القواعد الأساسية للحركة: عدم انتماء الأفلام إلى أي فئة، ولكن بعد انتشار الموجة وتأثيرها على صناعة السينما، أصبحت الموجة نفسها فئة، والأفلام تندرج تحتها، وبذلك أصبحت الحركة تنافي نفسها.

دوغما 95... واقعية المآسي
Dancer in the Dark (2000)

ولعل من بين أشهر أفلام الدوغما وأكثرها تأثيرًا، فيلم “الراقصة في الظلام Dancer In The Dark” للمخرج لارس فون ترير، الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 2000. ويتمحور الفيلم حول المهاجرة (سيلما) ومواجهتها للظلم والفقر ومحاولة مساعدة ابنها حتى لا يؤول به الحال مثلما آل إليها. أسلوب ترير الوحشي استحال إلى واقعية واضحة في تصويره للفيلم، حيث اعتم على الكاميرا المحمولة التي كانت وتهتز مع كل حدث، والإضاءة الطبيعية، رغم وجود إضاءة صناعية في بعض المشاهد الموسيقية إلا أن مشاهد الحياة اليومية صوِّرت باستخدام الضوء الطبيعي. كما يظهر الالتزام بقواعد التيار في الأداء التمثيلي الطبيعي الذي امتاز به ممثلوا الفيلم ومنهم بيورك المغنية التي نالت جائزة من مهرجان كان عن تمثيلها المميز في هذا الفيلم.

التزم فون ترير كذلك بمنهج الصوت في تيار الدوغما فبعيداً عن المشاهد الموسيقية كانت أصوات البيئة الطبيعية للمشاهد واضحة وحاضرة، مما عزز من الإحساس بالواقعية. كل هذا عزز من ملامسة مشاعر المشاهد الذي تابع معاناة (سيلما) ووصولها لنهايتها المؤلمة.

The Celebration (1998)
The Celebration (1998)

أما توماس فينتربيرغ، فيحاول في أعماله دائمًا أن يكون طرحه جريئًا. ففي فيلمه ” احتفال Festen”، نتابع ما هو أكثر من مجرد دراما عائلية.

يبدأ الفيلم من اجتماع بسيط للعائلة احتفالًا بعيد ميلاد الأب، وتنقلب الأمور حين يقرر الابن كريستيان أن يفضح سرًا بشعًا من ماضيه مع أبيه.

طبّق فينتربيرغ قواعد الدوغما إلى حد كبير، وإن اعترف لاحقاً أنه لم يلتزم بـ”عقد الطهارة” بنسبة 100 بالمئة. التزم مخرج دوغما الأول باستخدام كاميرا محمولة، والابتعاد عن الإضاءة الصناعية، والموسيقى التصويرية المضافة. أسلوب توماس يضع المشاهد في قلب الأزمة، ويتركه في مواجهة الأسئلة الأخلاقية بنفسه.

وعند الحديث عن توماس لا بد لي أن أتكلم عن فيلم “المطاردة The hunt” 2012، وهو فيلم أخرجه فينتربيرغ بعد أن ترك تيار الدوغما، الذي كان مخرجوه قد أعلنوا حله ونهايته بحلول ذاك الوقت. 

في فيلم “المطاردة” يُقدّم لنا عملًا سينمائيًا يغوص في أعمق مشاعر الإنسان، مع إثارة التساؤل عن إمكانية أن تكون التهمة غير المثبتة قادرة على تدمير حياة إنسان، وعن تلاشي مبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” مقابل الضغط الجماعي. يواجه الإنسان صعوبة بالغة عند رؤية شخص يعلم يقينًا بداخله أنه مُسالم، لكنه بالمقابل يتعرض لوحشية ظالمة من مجتمعه القريب.

دوغما 95... واقعية المآسي
The Hunt (2012)

في الفيلم يحاول لوكاس (مادس ميكلسن) أن يُعيد بناء حياته من جديد بعد أن عاش تجربة مؤلمة انتهت بالطلاق. “المحبة والثقة”، تلكما هما الصفتَان اللتان كان يُعرف بهما في قريته الصغيرة وأثناء تواجده على رأس العمل في مدرسة رياض الأطفال. لكن حياته تنقلب رأسًا على عقب بعد أن تتهمه لارا ابنة صديقه المقرب بالتحرش بها، فيفقد احترام المجتمع الصغير الذي يعيش فيه ويعامله الجميع باعتباره وحشًا. 

عبقرية كتابة السيناريو في هذا العمل، أظهرت لنا الطفلة التي ألقت بالاتهام الكاذب من دون تحويلها شخص يحترف الشر أو يستمتع به، بل هي طفلة ضائعة تبحث عن الاهتمام. أما لوكاس فهو تعبير عن مأساة إنسانية حقيقية: رجل بريء يُحاصر في شبكة من الأكاذيب وسوء الفهم.

قدّم مادس ميكلسن أداءً عظيمًا، حيث نجح في تجسيد مشاعر العزلة واليأس والغضب، وأظهر ملامح الهدوء ومحاولة التمسك بموقفه في مواجهة الهجوم الكبير. وعاش عدة صدمات منها: أن كلامه كان مغايرًا لاتهام الطفلة لارا ولم يؤخذ رأيه بعين الاعتبار، وأيضًا انصدم بطريقة جنون المجتمع كاملًا ضده، عكس ما كان عليه وضعه الاجتماعي السابق.

صوّر لنا المخرج بعدسته مشاهِد هدوء القرية ومنازلها الدافئة، ثم لحقه بالتوتر النفسي الذي يعيشه سكانها، وكيف أصبحت الساحة تعج بالمواجهة. مما قد يعزز من فكرة التناقض بين جمال الطبيعة وقُبح السلوك الإنساني. كما أن الإيقاع البطيء والموسيقى التصويرية كانا قادرَين على إشعال مشاعر المتابعين، والإحساس بثقل الأمر الذي يعيشه لوكاس.

ولعل مشهد النهاية يُدخِل المشاهد في حالة من الشك والتساؤلات: هل بالإمكان التعافي بشكلٍ كامل من الظلم؟ 

Punch-Drunk Love (2002)
Punch-Drunk Love (2002)

الأثر الباقي

رغم المر القصير لتيار دوغما 95 (استمر بين عامي 1995 و2005)، إلا أنه أحدث أثراً لا يمكن تجاهله في السينما العالمية. إذ مثل التيار انبعاثًا وتجديدًا للواقعة السينمائية بإعادة الاعتبار للقصص العادية ومجريات الحياة اليومية والأبعاد الإنسانية العميقة بعيدًا عن الإبهار البصري والميزانيات الضخمة. ومعه استعادت الكاميرا دورها كمراقب وشاهد على الأحداث. وكان في تقنياته البعيدة عن الاستعراض التقني توريط للمشاهد في الحالة السينمائية 

كما أحدث تيار دوغما 95 ثورة في تقنيات التصوير باستخدامه الكاميرات المحمولة الصغيرة، مما أعطى حرية وجرأة في زوايا التصوير امتد أثرها لعديد من الأعمال لمخرجين في السينما والدراما لم يكن أيهم من بين مؤسسي التيار أن المنضمين إليه، كما في أعمال شهيرة منها مسلسل “المكتب The Office” لريكي جيرفيس، الذي تأسس عليه بدوره تيار كامل في السينما والدراما.

أحدث تيار الدوغما كذلك ما دعاه النقاد “مقرطة صناعة الأفلام” أي جعلها ديموقراطية. فتيار الدوغما كسر صورة الإنتاج الضخم، وأعطى المخرجين رسالة قوية، مفادها أنه: يمكنك أن تصنع فيلمًا مؤثرًا دون استوديو ضخم أو ميزانية كبيرة. ملهمًا صناع الأفلام المستقلين حول العالم، خصوصًا في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، لتجربة أساليب مشابهة.

كما أعلى تيار دوغما 95 من قيمة الأداء والسيناريو، لأن قواعد دوغما تقيّد المؤثرات، أصبح العبء الأكبر على التمثيل القوي والحوار الجيد. وأدى ذلك إلى ظهور أفلام تعتمد بالكامل على التفاعل البشري والعواطف الإنسانية الطبيعية والقوية كما في فيلم “الحفل Festen”

ترك التيار وراءه أثرًا وإرثًا قويًا، يمكننا أن نلمسه في أعمال مخرجين مثل بول توماس أندرسون ووريتشارد لانكلاتر ومايكل هانيكه ونواه باومباخ وغيرهم كثيرين.

اقرأ أيضا: فريتز لانغ… مهندس الكوابيس ومؤسس القلق البصري

شارك هذا المنشور