يوم 11 أبريل عام 2019، سقطت حكومة عمر البشير، الرئيس السوداني الذي استمر حكمه 30 عامًا، بعدما عزله الجيش السوداني بعد احتجاجات شعبية واسعة. قبل ذلك التاريخ بشهرين، طُرح فيلم صهيب قسم الباري الوثائقي الإبداعي «الحديث عن الأشجار» وفيلم «أوفسايد الخرطوم» لمروة زين في مهرجان برلين السينمائي، وبعد ذلك التاريخ بأشهر، عُرض الفيلم الروائي الطويل السابع في تاريخ السينما السودانية «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلاء والذي بدأ رحلته العالمية من مهرجان فينيسيا السينمائي، وبدا ذلك العام بمثابة سنة تاريخية للسودان وسينماه، وارتفعت الآمال عالية من أجل إعادة بناء البلد والنهوض به ثقافيًا وفنيًا وعلى جميع النواحي الأخرى.
منذ ذلك الحين، نشط صناع وصانعات السينما السودانية وبدأت حركة لتعلم وإنتاج الأفلام، حتى كان العام 2023، حين شارك «وداعًا جوليا» لمحمد كردفاني في قسم نظرة ما لمهرجان كان السينمائي، ليعزز مشاركات السينما السودانية في المهرجانات السينمائية العالمية بمشاركة هي الأولى من نوعها. تناول الفيلم وقتها قصة إنسانية درامية وجهت الأنظار بشكل ما إلى قضية العنصرية في السودان وعن الأسباب التي دفعت البلد إلى الانفصال إلى بلدين. قبل عرض الفيلم، اندلعت حرب واسعة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسرعان ما انتشرت بسرعة مدوية، ما أسفر عن توقف العيش الآدمي في أنحاء البلاد، ونزوح عدد كبير من الشعب السوداني خارج البلاد.

لم تتوقف السينما السودانية منذ ذلك الحين، إذ أُنتجت أفلام سودانية قصيرة وطويلة كان أبرزها العام الماضي فيلمين وثائقيين هما «مدنياووو» لمحمد صباحي و«سودان يا غالي» لهند المؤدب واللذين استعرضا شخصيات من قلب الثورة السودانية كانت في مجملها شخصيات فنية شاركت في الثورة بفنونها المختلفة. لكن هذا العام، طُرح فيلم وثائقي إبداعي آخر هو «خرطوم» ليوضح لنا كيف يمكن لخمسة مخرجين أربعة منهم من السودان وخامسهم إنجليزي أن يعيدوا خلق العاصمة السودانية على الشاشة، حتى وإن حدث أغلب التصوير خارجها، وأن يصوروا فيلمًا يحكي عن اشتياق وحنين وأمل في عودة مدينة شخصياتهم.
كيف بدأت تلك الرحلة؟ وكيف اندمجت كل تلك الحكايات تحت مظلة فيلم واحد؟ بدأ تصوير ذلك الفيلم قبل اندلاع الحرب على أيدي 5 مخرجين هم أنس سعيد وراوية الحاج وإبراهيم سنوبي وتيمية م. أحمد وفيل كوكس وأخيرهم هو الذي جمع القصص في فيلم واحد. بدأ الفيلم، حسب مخرجيه، كأفلام قصيرة مستقلة بالتعاون مع سودان فيلم فاكتوري لدعم المخرجين الجدد. ومع تطور الأحداث، ونشوب الحرب، ورحيل الجميع إلى خارج السودان، تطور الفيلم أكثر فأكثر ليصبح قصةً عن خلق مدينة على الشاشة، وسرد قصص إنسانية شخصية تجسد حجم المأساة في البلد، الذي لم يلبث أن تخلص من ديكتاتور حتى دخل إلى حرب أهلية لم تتوقف حتى يومنا هذا.

شخصيات الفيلم هم طفلين من جامعي القمامة لقين وويلسن، خادمالله بائعة الشاي والأم الوحيدة، والثوري جواد والموظف مجدي الذي يحب المشاركة في مسابقات الحمام هو وابنه، خمس شخصيات هم ربما كعالم مصغر للخرطوم، بين أجيال ووظائف مختلفة، يشكلون ما يمكن دعوتهم بالمواطنين العاديين، لا يمتلك أحد منهم أي حلم كبير، أو يطمح في سلطة أو نفوذ ما، كل ما يحلمون به هو أن يعودوا إلى مدينتهم وحيواتهم العادية. ربما تكون تلك «العادية» هي أول ما يشعرك بالقرب إلى شخصيات الوثائقي، فلا يمكن أبدًا أن تختلف مع أحد في حبه لمدينته أو وطنه، مهما كانت الاختلافات بينك وبينه، هذا حق إنساني وشيء يمكن التواصل معه بسهولة فائقة لأي مشاهد في العالم تقريبًا.
لكن الجانب الإبداعي للفيلم هو ما يزيد من جمالياته، فباستخدام شاشة خضراء كبيرة في مكان خارج السودان، يُعيد المخرجون خلق المواقف الصعبة التي مرت بها هؤلاء الشخصيات في وقت الحرب، فإذا بهذا المكان الأخضر الأصم يتحول إلى غرفة جلوس أو مكان لبيع الشاي أو شارع كبير، فإذا بهذا المكان الأخضر الأصم يتحول إلى غرفة جلوس أو مكان لبيع الشاي أو شارع كبير، وإذا بهذه الشخصيات يحكينَ ويشرحنَ كيف بدت تلك الأماكن، ويخلقنَ مواقف مررنَ بها على الشاشة، فتتحول ذاكرتهم الشخصية إلى ذاكرة جماعية يمكننا مشاهدتها والشعور بأحاسيسها.

هكذا فإن الجماليات المخلوقة من تحريك وإعادة تصوير للأماكن والمواقف، وعلى رغم بساطتها، فإنها عند مزجها باللقطات الحية للمدينة التي يحكي عنها الفيلم ويأخذ اسمها عنوانًا له، تتحول إلى عالم بصري مثير يوضح كيف يمكن خلق الحكايات بالعواطف وبعض من الأساليب والتقنيات السينمائية، عالم يشبه المدينة كما تتخيلها شخصيات الفيلم، سكان هذه المدينة وأبطالها، والأمل القادم في إعادة بنائها بعد نهاية الحرب.

إلى جانب ذلك، فإن الفيلم في إعادة خلقه لتلك المواقف، يشكل نوعًا ما من علاج نفسي جماعي يقوم على ما يُعرف بإعادة التمثيل، وهو نوع من أنواع العلاج النفسي المستخدم للفن، والذي يعمل على إعادة خلق موقف مؤلم في بيئة آمنة ما يساعد على إطلاق المشاعر المكبوتة وتغيير وضع القاص في الحكاية من مفعول به إلى فاعل، بشكل ما فإن إعادة التمثيل في حالة كحالة النزوح تحت وطأة الحرب، يعد نوعًا من إعادة كتابة للقصة بشكل يسمح لهؤلاء الشخصيات بالإحساس بأنهم قادرين على الفعل، كما يتيح لهم علاج ندوب نفسية تركتها الحرب فيهم، حتى وإن نجت أجسادهم منها.
«خرطوم» عمل إبداعي صميم، يستخدم مخرجيه كل أدوات السينما للحكي عن مدينتهم وشخوصها، فيعيدون بناء تلك المدينة حتى وهم خارجها في فعل مقاومة شجاع يتيح لهم تخيل مستقبل أفضل للسودان ولعاصمته الخرطوم، كما يتيح لنا التواصل مع خمس شخصيات مختلفة يتشاركن مع المخرجين ذات الحلم، هذا كله دون الخوض في كلام سياسي مباشر، ما يجعل الفيلم بشكل ما قصيدة في حب المدينة وسكانها، ويجعلنا نأمل بأن نرى نفس الشخصيات في موطنهم مجددًا، لكن هذه المرة دون شاشة خضراء.
اقرأ أيضا: صندانس 2025: «خرطوم».. عن اللعب والحنين وصور الاستوديو التذكارية