فاصلة

مراجعات

«حليب ساخن».. أزمة الهوية والعلاج بالصدمة

Reading Time: 3 minutes

تحضر المخرجة والكاتبة الإنجليزية ريبيكا لانيكيويكز ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته رقم 75، بعملها الأول «حليب ساخن HOT MILK». جاء هذا الاختيار رغم وجود مسابقة جديدة مخصصة للأعمال الأولى في مهرجان هذا العام، ونقصد هنا مسابقة «وجهات نظر Perspectives».

يأتي الاهتمام بعمل «لانيكيويكز» كونها كاتبة مميزة، يكفيها تأليف الفيلم البديع «Ida» المتوج بالأوسكار للمخرج البولندي باڤل باڤليكوفسكي عام 2014، لكن هل يأتي عملها الأول كمخرجة على نفس المستوى؟

في الفيلم، نتتبع رحلة أم وابنتها إلى الساحل الإسباني بحثًا عن علاج لمرض غامض مصابة به الأم. هناك تحاول الابنة أيضًا البحث عن ذاتها، فهل تجد أيٌّ منهما ما تبحث عنه؟

Hot Milk (2025)
Hot Milk (2025)

خطّان سرديّان

يسير الفيلم في خطّين سرديّين؛ في الأول تحاول الأم إيجاد علاج في مستشفى جسدية نفسية، حيث يحاول الطبيب فكّ طلاسم ذكريات ومشاعر الأم أكثر من انشغاله بحالتها الجسدية. يبدو الطبيب مقتنعًا بأن العلاج سيأتي أولًا من خلال كشف مشاكل علاقتها بابنتها، وعلاقتها بزوجها السابق، وبأختها التي توفيت صغيرة، وكذلك أمها وأبيها الراحلين.

في الخط السردي الثاني، نرى كيف تحاول الابنة اكتشاف هويتها، إذ تقع في غرام فتاة جميلة تلتقيها على شاطئ البحر، ثم تذهب بعد ذلك بشكل مندفع تمامًا لزيارة والدها «اليوناني» الذي انفصل عن أمها منذ فترة طويلة، في محاولة للبحث عن إجابة لسؤال: كيف انتهت العلاقة؟ ولماذا لم يحافظ على علاقة قوية معها؟

يتقاطع الخطّان السرديّان، وتمتزج خلالهما الأحلام بالواقع، كما تمتزج الكادرات النهارية على شاطئ البحر بالكادرات الليلية المظلمة التي تجمع عادةً الابنة وصديقتها.

Hot Milk (2025)
Hot Milk (2025)

الصدمة والغضب والأحلام

يعتمد سيناريو الفيلم على تصاعد الأحداث بشكلٍ متوازٍ في الخطّين السرديّين، فعلى جانب يبدو البحث عن علاج للأم بلا فائدة، وعلى جانب آخر تبدو علاقة الابنة بصديقتها الجديدة غير واضحة المعالم. مع هذا التصاعد يأتي الغضب، غضبٌ يتملك الابنة ويؤثر على كافة تصرفاتها في الفصل الثاني من الفيلم، ثم بشكل أكثر وضوحًا في الفصل الثالث.

هكذا يصبح أداء «إيما ماكاي» لدور الابنة متأرجحًا بين مشاعر عدوانية سلبية (Passive aggressive) ومشاعر عدوانية صريحة، تهدد ليس فقط بإيذاء نفسها، ولكن أيضًا بإيذاء كل من حولها.

باسم الأم والابنة

يصبح الفيلم حكاية متداخلة عن علاقة الأمهات ببناتهن عبر جيلين متعاقبين، وكيف تؤثر المشاعر السلبية، الصدمات، التعليقات الجافة والقاسية، والعنف النفسي قبل الجسدي على تطور شخصيات البنات في المستقبل.

يعتمد الفيلم، رغم ذلك، على عدة التواءات في الحبكة، إذ يبدو اجتماع شخصياته معًا صدفة غريبة تفقد الفيلم الكثير من قوته، وتبدو وكأنها مصنوعة لإثبات وجهة نظر لا تنتمي ببساطة إلى عالم الفيلم. تتشارك شخصيات الفيلم الثلاث في النهاية نمطًا سلوكيًا وتاريخًا يبدو متطابقًا، وتتعامل كلٌّ منهن مع هذا النمط بطريقة مختلفة.

الأم، التي تؤدي دورها «فيونا شو»، تُظهر مشاعر الغضب والذنب في صورة أعراض جسدية، إذ تعاني من ألم مزمن ولا تستطيع الوقوف أو المشي. الابنة «إيما ماكاي» تُظهر غضبها بشكل عدواني خطير، بينما تحول الصديقة «ڤيكي كريبس» مشاعر الذنب إلى رغبة في دخول علاقات حب متعددة مع شركاء متعددين.

Hot Milk (2025)
Hot Milk (2025)

الأمراض النفسية الجسدية

تتزاحم الثيمات داخل الفيلم، لكن يبقى أكثرها أصالة هو التعامل مع المرض النفسي الجسدي الذي تعاني منه الأم. يمنح الفيلم الفرصة لنا كمشاهدين، كما يمنح الفرصة لأبطاله، لمحاولة فهم طبيعة هذا المرض: ماذا يعني ألا تكون قادرة على المشي وتفقد القدرة على الإحساس دون أن يكون هناك سبب عضوي واضح لذلك؟

يتم بناء الحيرة هنا على مهل، من خلال جلسات مع الطبيب، ومحاولات مع العلاج الطبيعي، وتحاليل، ومساومات، ومواجهات، حيرة ثم غضب. يبدو الفيلم متميزًا في بنائه للمتاهة السردية التي تؤدي في النهاية إلى الانفجار.

Hot Milk (2025)
Hot Milk (2025)

عمل أول خشن الأطراف

يبدو عمل ريبيكا لانيكيويكز الأول مثيرًا للاهتمام، فهو دراما نفسية تتداخل فيها أسئلة الهوية الشخصية والهوية الجنسية مع صدمات الطفولة وحيرة الأمراض النفسية الجسدية. يحمل العمل لغة بصرية تمتزج فيها الأحلام بالواقع، وتعتمد على الكادرات القريبة والصور الحسية، لكنه يبقى عملًا خشن الأطراف نتيجة تكرار الصدف والفجوات المنطقية والزمنية في الحبكة.

ينتهي الفيلم بلجوء أحد أبطاله إلى الصدمة كوسيلة لعلاج كل مشاكله، وهو أمر قد يحدث في الواقع لمن يمرون بهذه الأزمات، لكن النهاية تبدو وكأنها تحاول أن تنقل هذا العلاج إلى المشاهد، تصدمه، وتتركه في حيرة.

النهايات المفتوحة مثيرة للاهتمام، لكن ليست كل نهاية مفتوحة نهاية جيدة، خصوصًا إذا كان الهدف منها فقط هو صدمة المشاهد.

اقرأ أيضا: «طفل الأم».. أمومة بلا صرخة مولود!

شارك هذا المنشور