متمردة، مجازفة، جامحة، مقدامة، لا حدود لطموحها.. تلك الصفات هي ما تسمعه عندما تسأل من عرف المخرجة اللبنانية جوسلين صعب أو عمل معها.
منذ مولدها عام 1948، كتبت الحروب ومقاومة الاحتلال تاريخ حياة وإبداع جوسلين صعب، إذ ولدت في عام الاستيلاء على أرض فلسطين لعائلة لبنانية مسيحية ثرية، ونشأت في بيروت الغربية حيث درست الاقتصاد والسياسة في جامعة «القديس يوسف». تخرجت صعب لتعمل بالصحافة والإذاعة قبل أن تنسب الحرب الأهلية اللبنانية فتجد نفسها وقد نادتها كاميرا السينما، فحملتها ولم تتركها حتى نهاية حياتها عام 2019 في إحدى مستشفيات باريس.
ربما هي صدفة قدرية التي جعلت بدايتها في عالم السينما تتفق مع نشوب الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ثم العدوان الإسرائيلي على بيروت 1978، فكانت واحدة من المخرجين اللبنانيين الذين نزلوا بكاميراتهم إلى ساحة الحرب ومنهم مارون البغدادي، وبرهان علوية ورندة شهال.
بينهم كانت جوسلين صعب، متسلحة بالشجاعة وبالحاسة الصحفية التوثيقية التي جعلتها ترصد ما حل بمدينتها بيروت جراء الحروب.

كانت في البداية تستعين بالمصورين التلفزيونيين مثل حسن نعماني زميل أفلامها الأولى، وبدأت بتصوير الأفلام بكاميرا 32 مم، يحملها النعماني ويدوران لتسجيل ما يدور في المدينة. ثم ظهرت كاميرا الـ 16مم الخفيفة، فباتت قادرة على حملها بنفسها على كتفها، وتصور بكل نواحي لبنان والعالم.
بعملها الدؤوب والمستمر استطاعت صعب أن تضع نفسها على خريطة السينما كمحطة لا يمكن تجاوزها. واجهتها العديد من الصعوبات سواء من هجوم منع، أشهره منع فيلمها «دنيا» من العرض في مصر عام 2005، لتناوله قضية ختان الإناث وتبعاته وما يرتبط به من قضايا حق النساء في أجسادهن.

واجهت جوسلين كذلك قلة التمويل المالي، والتي حاصرتها وكانت لتدفعها للتخلي عن الاستمرار في دنياها الساحرة؛ السينما. لكنها كانت صلبة وتحاول بكامل قوتها أن تقدم لدنياها التي أحبتها بقوة وتشحذ همم من حولها حتى وهي متعبة من مرضها.

لم تدرس جوسلين في أي معاهد سينمائية لكي تكون رؤية وأسلوب سينمائي خاص بها، كانت معتمدة على خلفيتها في أعداد التقارير الإخبارية والصحفية، لذلك نجد النزعة الإنسانية الطاغية هي المسيطرة على التكوين البصري للقطاتها السينمائية خصوصًا في أعمالها التسجيلية.
وأعتقد أن فيلمها القصير «أطفال الحرب» يمثل بداية ظهور رؤيتها السينمائية، عندما جعلت الأطفال على الشاطئ يحملون الخشب كأنه أسلحة، ويمثلون أنهم في ساحة حرب وأعداء لبعضهم البعض، لتحاكي ماذا يدور في مضمار الحرب الأهلية اللبنانية المشتعل.

في فيلمها الروائي الطويل الأول «غزل البنات» 1985 الذي كتبته بمشاركة السيناريست جيرار براش، جاء انتقالها من الأفلام التسجيلية إلى الروائية، حيث كان واضحا أن هنالك محاولة لتطوير أسلوبها لسرد قصة، واستخدمها للتقنيات البصرية في أحجام اللقطات مثلا لإحداث تأثير لدى المشاهد.
بعد ذلك نلاحظ في فيلمي «دنيا » 2005 و«ماذا يجرى» 2009، أنها تستخدم الرقص والشعر أدوات تعبير وحكي.
ولا أنسى في فيلم «دنيا» كيف وظفت الخلفيات ببراعة، وفي فيلم «ماذا يجري» حيث وظفت الصمت عنصرً رئيسًا في شريط الصوت لكي تعبر عن مشاعر وأفكار الشخصيات.

أخرجت جوسلين صعب ثلاثة وثلاثين فيلمًا، منهم أربعة أفلام روائية طويلة والباقي أفلام تسجيلية منها القصير والطويل. ومن أهم أفلامها:
«مدينتي بيروت» 1982، حيث ترصد كاميرتها ما جرى في مدنية بيروت بعد العدوان الإسرائيلي عليها من جهة، ونيران الحرب الأهلية من جهة أخرى. وتظهر المخرجة في إحدى اللقطات وهي تتحدث من ركام بيتها الذي دمرته القوات الإسرائيلية. وكما هنالك لقطات مؤلمة للأطفال فلسطينيين في أحد مدراس اللجوء وتبدو حالتهم الصحية سيئة بسبب الحصار والتجويع الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على المدينة.

من أفلامها الوثائقية المهمة أيضًا: «يوتوبيا قيد التشكيل – إيران» 1980، الذي صورته في إيران خلال ما عُرف بـ«الثورة الإسلامية» التي أطاحت النظام الملكي في إيران. وفيلم «سفينة المنفى» عام 1982 حيث رافقت بكاميراتها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع من تبقى من قوات الكتائب الفلسطينية عندما غادروا بيروت متجهين إلى قبرص.
وفي فيلمها «مدينة الموتى» 1977، تجولت كاميرا جوسلين صعب في القاهرة، وتحديدًا بالقِرافتين الكبرى والصغرى، حيث يعيش الناس ويمارسون حياتهم الطبيعة بجانب الموتى في قبورهم.

وسيطرت كل من الحرب الأهلية والنضال الفلسطيني على كثير من أفلامها الوثائقية والروائية المبكرة، كما في فيلمها الروائي الأول «غزل البنات» 1985، الذي يتناول وقع الحرب الأهلية على النساء النازحات من خلال تتبع ما تواجهه مراهقة نازحة من الجنوب تدعى سمر، فم فيلم «كان ياما كان بيروت» 1994 والذي تقوم فيه امرأتان بمحاولة التعرف على مدينتهما التي دمرتها الحرب قبل أن يخرب الدمار معالمها، فتنطلقان في رحلة لتتبع تاريخ المدينة وذاكرتها المحفوظة في الصور وأشرطة السينما.
فارقت جوسلين صعب هذه الثيمات بعض الشيء في فيلمها النسوي المهم «دنيا» والذي تناول قضية ربما لا تشيع في بلدها في لبنان، لكنها تشيع في دول عربية أخرى كمصر والسودان، طارحة المسكوت عنه في المجتمع المصري بالذات، وهي قضية ختان الإناث.
قضت جوسلين صعب نحو 45 عامًا في حاب السينما، وصنعت خلال رحلتها الطويلة بعضًا من أهم أفلام الذاكرة اللبنانية والفلسطينية المعاصرة، وكانت كاميراتها حاضرة في قلب الهموم العربية، فاستحق اسمها الخلود إلى جوار اسم المدينة التي أحبت والتي ظلت عنوانًا على مسيرتها.. بيروت.
اقرأ أيضا: «بيروت الغربية»: بوهيمية الحرب اللبنانية