هل ثمة تيمات بعينها تشغل المخرجين طوال رحلتهم! هل يعودون في كل مرة إلى إنتاج حكاياتهم على الشاشة عبر رؤية متسعة ولكن شبه ثابتة في عناصرها! تريح بالهم الإبداعي وتمنحهم طمأنينة تعبيرية ولو بشكل جزئي!
هل المخرجون من خارج مدرسة سينما المؤلف – أي الذين لا يشاركون بشكل صريح ومعلن في كتابة أفلامهم – لا يملكون نفس الخصائص المميزة والبصمة التي يملكها زملائهم من أصحاب القلم والكاميرا!
يمكن اعتبار المخرج المصري فطين عبد الوهاب (1913-1972) واحدًا من أفضل النماذج التي يمكن أن نتأمل الأسئلة السابقة – في حال وجاهتها – على ضوء تجربته الثرية والمكثفة، فصاحب «الأستاذة فاطمة» و«ابن حميدو» و«عائلة زيزي» و«إشاعة حب»، والذي أنجز ما بين عامي 1950 و 1972 أي في أقل من ربع قرن ما يقرب من 57 فيلمًا يملك مشوار شديد التميز والدسامة على مستوى صناعة الفيلم الكوميدي المصري وصياغة مدرسة أسلوبية ترسخت في وجدان أجيال عديدة، أعادت اكتشافه بشكل احتفائي على مستوى الذاكرة الجمعية للجمهور غير المعاصر، والتأثر الفني من قبل الصناع اللاحقين.
يمكن أيضًا اعتبار فطين عبد الوهاب مخرج «شاب» وليس لأنه لم يبلغ الستين من عمره – توفي بأزمة قلبية مفاجئة في بيروت عام 72– ولكن لأنه ومن التجارب الأولى وعبر مرحلة نضج كاشفة لموهبة متوهجة وحس فكاهي براق وأسلوبية لامعة؛ كانت تجاربه تميل للتجديد وإعادة الاكتشاف والمغامرة وجرأة المحاولة، دون أن يحول ذلك دون تراكم الخبرات، أو فقدان البصمة، أو خفوت ملامح العالم الخاص بالسرديات المختلفة التي شكلت البيئة الدرامية الأثيرة لعرض قضاياه أو صياغة همومه الاجتماعية، لقد ظل محافظًا حتى النهاية على أسباب خفة الدم والألمعية في المواقف الطريفة والإبقاء على الابتسامة حتى في اللحظات القاتمة أو المخيبة للسعادة أو خافتة البهجة.

العائلة الكريمة
قبل أن نخوض في سياق إثبات ثنائية الأب والقناع في سينما فطين عبد الوهاب يمكن أن نشير سريعًا إلى أن فطين بدأ حياته في عائلة فنية، فأخواه الأكبران هما سراج منير الممثل الرائع وصاحب الحضور المميز عبر سنوات الأربعينيات والخمسينيات والمخرج والناقد حسن عبد الوهاب، ورغم أن فطين لم يكن مولعًا مثل أخويه بالسينما حسب المصادر المعلنة إلا أن بدايته في الوسط السينمائي ربما تعكس جانبًا من كيفية تشكل عالمه الخاص والأثير، حيث بدأ كملاحظ للسيناريو، وهي مهنة حساسة تستدعي مراقبة سير الأحداث والمشاهد والسيناريو في الفيلم أثناء التصوير بحيث تكون منطقية ومترابطة، كما يلاحظ الديكور والأزياء حتى لا تختلف أثناء أداء المشهد الواحد، باختصار فإن عمله هو ملاحظة الأخطاء وبسرعة، وهي حرفية تعتمد على دقة الانتباه والفهم الكبير لطبيعة السيناريو، وكيف يتعامل معه ليس فقط الممثلون ولكن كل العناصر الموجودة في موقع التصوير، وربما يفسر هذا ليس فقط ولع فطين بكتابة السيناريو فيما بعد – له ستة أفلام من كتابته – ولكن فهمه لطبيعة السيناريوهات التي كان يختار منها أفلامه، والتي أصبحت ثمة عناصر محددة تتكرر فيها، لا من قبيل النمط ولكن في هيئة خطوط تميز بصمته.
منذ أفلامه الأولى وعنصر العائلة كبيئة درامية أو شخصيات من أكثر العناصر التي شكلت مساحة تجلي لأفكاره وخططه البصرية والسردية، وفي ذروة مرحلة التوهج صارت العائلة بشكلها الاجتماعي أو بمفهومها الإنساني تشغل باله أكثر، حيث تنطلق على أرضيتها ومنها كل الصراعات بمختلف تجلياتها.
يمكن أن نرصد هذا من خلال عناوين وموضوعات الأفلام التي يمكن للمتصفح سريعًا أن تقع عيناه عليها في قائمة أفلامه:
جوز الأربعة، الأخ الكبير، عائلة زيزي، العائلة الكريمة، خطيب ماما، الزوجة 13، كرامة زوجتي، مراتي مدير عام، عفريت مراتي، نص ساعة جواز، اعترافات زوج.
وهناك الأفلام التي تدور في سياقات عائلية ولكن لا تحمل عناوينها صلة مباشرة بهذه السياقات مثل: بيت الأشباح، الأستاذة فاطمة، الأنسة حنفي، نهارك سعيد، إسماعيل يس في الأسطول، في الطيران، ابن حميدو، إشاعة حب، آه من حواء، امسك حرامي، الفرسان الثلاثة، تفاحة آدم، أيام في الجنة.

في كل هذه الأعمال سوف نجد الحضور الأوضح للعناصر المكونة للأسرة أو العائلة بتكرار أنماط بعينها مثل:
الزوج/الأب: في مختلف تجلياته سواء المادي منها أو المجازي وسواء كان رب الأسرة العاقل أو المنفلت أو التافه أو مزدوج الشخصية أو العربيد.
الزوجة: سواء كانت أمًا أو لا كما هو واضح من العناوين أو قصص الأفلام.
الأخ الكبير: صاحب المسؤولية بعد الأب أو مصدر الثقة أو المشكلات، وسواء كانت الحكاية بين أخين أو أن الأخ يلعب دور محوري في حياة الأسرة.
الأبناء: سواء كانوا أطفالًا أو مراهقين أو شباب، ذكورًا أو إناثا، منفلتين، عشاق، عوانس، محور المشكلات أو جزء من الحل.
إذن من بين أكثر من خمسين فيلمًا قدمهم عبد الوهاب تمثل العائلة المنطلق الدرامي والسردي الذي يهيأ من خلاله الصراع والتفاصيل والإفيهات والمواقف الكوميدية والاجتماعية وحتى الرومانتيكية، وربما لهذا كانت أفلامه دومًا قريبة للمزاج الأسري ككل، فهي أفلام تناسب ذائقة مختلف أفراد الأسرة، ويمكن لكل عضو فيها أن يرى نفسه أو انعاكسه أو أسراره أو ازدواجيته أو مشاكله على عمقها أو خِفيتها حاضرة وطريفة، وهو ما تجلى بصورة أوضح عندما بدأت هذه الأفلام تعرض على مدار عقود عبر التليفزيون، مما جعل منها دوما مادة محببة في أوقات التجمعات الأسرية، وصنع منها حالة ترفيهية لا تُمل مهما تكررت إعادتها أو صارت محفوظة بالنسبة للكبار والصغار خصوصًا من أجيال ما قبل عصر الإنترنت وتغير الذائقة الكوميدية.
الأب والقناع
المتأمل لمحطات فطين عبد الوهاب سواء عبر الخمسينيات حيث عقد البدايات أو الستينيات حيث النضج والاستواء والخبرة سوف يجد أن تجليات شخصية الأب لا تكاد تفارق سيناريوهات الأفلام التي يقدمها، كأنه يبحث عنها في أفلامه أو يستريح عندما يدفع بها إلى صدارة الصراع أو محوريته، كسبب كبير أو كمحرك أساسي أو كخصم في بعض الأحيان!
يمكن تقسيم حضور الأب في أفلام فطين إلى عنصرين:
الأول هو الأب ككيان مادي، عائلي، حقيقي، أي الوالد في تعريفه البيولوجي والاجتماعي.
الثاني هو الأب كمجاز؛ أي ليس أبا طبيعيًا أو فرد الأسرة المعروف والواضح، ولكن شخصية تقوم مقام الأب أو تحل في هيئته أو تمارس سلطاته وحكمته، أو ديكتاتوريته وعنفه، سواء عن قصدية أو بحكم المحبة والشعور بالمسؤولية العليا.
وتحتل شخصية الأب في أفلامه مراكز متقدمة وسط آباء السينما المصرية الكبار والمؤثرين في صورة الأب لدى أجيال عديدة، فوسط أباء مثل سي السيد لدى حسن الأمام – الثلاثية – أو حسين لدى عاطف سالم في أبو العروسة والحفيد، سنجد لدينا الحاج عبد العزيز أبو الأستاذه فاطمة (عبد الفتاح القصري) صاحب المرافعة اللوذعية الشهيرة ضد عمر أبو عادل حبيبها، وعبد القادر النششقي (يوسف وهبي) في إشاعة حب وبالطبع الأب الخالد دائمًا وأبدًا المعلم حنفي أنعم وأكرم شيخ الصيادين في ابن حميدو.
سوف نلاحظ أن العديد من شخصيات الآباء التي تعلقت بها أجيال كثيرة – محبة وطرافة – قادمة من أفلام فطين تحديدًا، ومن سياقات تجاربه العائلية خلال عشرين عامًا من العمل الدؤوب على صياغتها مع كتاب أفلامه بهذه الهيئة الكوميدية التي لا تُنسى.
وقبل أن نخوض في تحليل شخصيات الأباء سواء الطبيعية أو المجازيين في بعض أفلام صاحب «الآنسة حنفي» ، يجب أن نقوم أيضًا على تعريف عنصر القناع الذي كان دومًا أداة درامية وسردية مهمة جدًا في غالبية أفلامه تقريبًا، لها ذلك المفعول السحري في صناعة الحبكة أو الانقلاب الدرامي أو تفجير قنبلة دراماتيكية أو انكشاف سر أو بلوغ ذروة.
المقصود بالقناع في أفلام فطين عبد الوهاب أنه ثمة دومًا شخصية تدعي غير طبيعتها أو تخفي سرًا كبيرًا له علاقة بالحبكة، ومستويات الصراع فيها، سواء كان هذا السر/القناع كوميدي طريف أو رومانتيكي خفيف أو حتى يخفي ممارسة الجريمة – المتكررة كتيمة نوعية في أفلامه- والتي تمس الشخصيات الرئيسية أو تورطهم كطرف فيها أو كحل للغز الخاص بها.
الفرضية إذن التي نطرحها هي سمة أساسية في سينما هذا المخرج اللامع صاحب المدرسة والأثر والتي أطلقنا عليها ثنائية الأب والقناع، أو متلازمة حضور الأب في تجليات عديدة والقناع في أكثر من شكل كجزء عضوي من سردية أفلامه.
في العديد من تجاربه تتشكل شخصية الأب بأبعاد درامية – شكلية ونفسية- تجعلها دومًا شديدة الجاذبية في محيطها سواء كانت محورية أو ثانوية، وتتسم بالتفرد في الطباع ولغة الجسد والحوار حتى رغم تكرار أداء بعض الممثلين لها – عبد الفتاح القصري أبرز مثال على ذلك في دور المعلم والحاج والريس في أفلام «بيت الأشباح» و«الاستاذة فاطمة» و«الآنسة حنفي» و«ابن حميدو»، فكل شخصية منهم رغم النمطية النسبية للممثل الكبير إلا أن فطين يتمكن من صناعة اختلافات بارزة وملحوظة تفصل بين الشخصيات والأفلام في ذهن المتلقي رغم كونها مقدمة من نفس المشخصاتي! ومما يؤكد على كونه كان ينشغل ويشتغل على الشخصية هو تعدد الكتاب الذين تعاون معاهم في هذه الأعمال ما بين كتابته هو شخصيًا –بيت الأشباح- وكتابة على الزرقاني – الأستاذة فاطمة- وجليل البنداري- الآنسة حنفي- وعباس كامل – ابن حميدو-.
نحن إذن أمام صانع أفلام لديه جين يهوي تطويره وإعادة إنتاج ملامح شخصيات الأب في أفلامه انطلاقًا منه دون أن يكون للشخصيات نفس النمط، ولكن باختلافات تحفظ لكل منها أصالته وافيهاته ومواقفه التي لا تنسى.
وبالقياس مع الفارق سوف نجد أن غالبية إن لم يكن كل شخصيات الآباء في أفلام فطين سواء الطبيعيين منهم أو المجازيين لديهم هذه السمات المشتركة والمتفردة في نفس الوقت؛ يوسف وهبي في دور عبد القادر النششقي فيز«إشاعة حب»، ويحيى شاهين في«تفاحة آدم» بلزمته الأنجليزية الطريفة «fine fine» وحسن فايق في«خطيب ماما» بوجهه المتلون كلما غضب، أو في حضوره الأبوي الأشهر بشخصية صبري باشا عبد الصبور في «الزوجة 13»، وصولًا إلى حسن مصطفى في «أضواء المدينة» – آخر أفلام فطين- وتجسيده لشخصية بابا شكري مدير الفرقة الشعبية التي تأتي من طنطا لكي تصل إلى الشهرة والنجومية في القاهرة.
أما على مستوى الآباء المجازيين فلدينا أيضًا نفس السمات المميزة، والتي تؤطرهم في أيقونية واضحة، يحتلها بلا منازع فؤاد المهندس في شخصية القاقان عسكراني في «صاحب الجلالة» – النسخة المبهرة كوميديًا ولونيًا من تيمة شبيه الملك التي قدمها الريحاني من قبل في «سلامة في خير» وقدمها عادل إمام في مسرحية «الزعيم» – وهو الممارس للسلطة الأبوية على حسن الشيال/فريد شوقي شبيه السلطان مارينجوس الأول وصاحب «الطقطوقة» العظيمة (طويل العمر يطول عمره وينصره على مين يعاديه)، ومن ينسى الأستاذ عبد القوي/ شفيق نور الدين نائب مدير المصلحة في «مراتي مدير عام»، البيروقراطي المتسلفن الذي كلما صافح الست المديرة طلب القبقاب كي يتوضأ؛ لأنه من أتباع الإمام ابن حنبل الذي يؤكد على أن مصافحة النساء تنقض الوضوء.
وينضم إليهم طبعًا الأستاذ رائف الأب المزيف لصالح/صلاح ذو الفقار الزوج الملعون بزوجته المتقمصة في «عفريت مراتي» والذي يمارس دور الأب الروحي له في الشطرنج وصاحب الحكمة الأبوية في معالجة زوجته من حالات الاندماج التي تأتيها كلما شاهدت فيلمًا سينمائيًا، وهو الدور الذي قدمه عماد حمدي بهدوء وطيبة شديدة كرست للانقلاب الدرامي الكبير؛ عندما اكتشفنا أنه زعيم العصابة التي سرقت البنك الذي يعمل به صالح استغلالًا للعبة العصابات، التي أوحى بها إليه، من أجل أن يلهي زوجته عن تقمص ريا وسكينة وإيرما الغانية.
يمكن الآن أن نضم شخصية الأب إلى النصف الثاني من الثنائية وهي القناع، محاولين تتبع تلازم حضورهم في عالم فطين.
في «بيت الأشباح» وهو من أوائل الأفلام التي تعاون فيها مع إسماعيل يس قبل أن يشكلا ثنائي مهم جدًا خلال سنوات الخمسينيات، تحضر شخصية الأب عبر المعلم حسن أو سوسو حسبما تناديه أمه العجوز، حين يجتمع مع أفراد عائلته كمال الشناوي وميمي شكيب في دور والدته، منتظرين قلب الأسد/إسماعيل يس صياد الوحوش المشهور من أجل توزيع ميراث جدهم سلطح بابا – وهو بالمناسبة نفس لقب العائلة الشهير لزوجة عبد القادر النششقي في «إشاعة حب» والتي كانت تحلف دومًا برأسه- أما القناع فيرتديه سراج منير محامي المتوفي والذي يريد تطفيش العائلة من المنزل بحجة كونه مليئ بالأشباح، في حين أنه يتزعم عصابة لتزوير النقود والسيطرة على أموال العم الراحل.
وفي «الأستاذة فاطمة» لدينا الأب/الحاج عبد العزيز الذي يدرس في محو الأمية من أجل أن يليق ثقافيًا بابنته المحامية الشابة/فاتن حمامة، فيتهجى كلمة ثعبان (حنش)، بينما يرتدي القناع زوجة صديق كمال الشناوي المحامي الشاب الذي يتم توريطه في مقتل صديقه بتدبير من الزوجة – لولا صدقي- وعشقيها، لكن الأستاذة فاطمة تدافع عنه، وتنقذه من حبل المشنقة، وتسقط القناع البريء عن وجه الزوجة الخائنة.
وفي «نهارك سعيد»– من كتابة فطين أيضًا- لدينا الأب شاكر شاكر شاكر صاحب مصانع الصابون الشهيرة الذي يطرد ابنه منير – منير مراد- من جنته لأنه يرغب في العمل بالتياترو، ويرفض الزواج من ابنة منافس الأب لكي يضم المصنعين على بعض، أما القناع فترتديه الراقصة الخرساء سوزي التي تحب منير في صمت دون أن يدري، وترسل له خطابات مجهولة بإسمها الحقيقي سعاد! ولكنها تضطر أن تسقط القناع في النهاية وتصارحه بحقيقة شخصيتها ومشاعرها عندما يفوز بجائزة أفضل اسم صابون (نهارك سعيد) في المسابقة التي أجراها الأب لاسم منتجه الجديد، متفوقًا على أسماء صابون (شق اللفت) و(النزاكة) و(ورد يا ورد).
وفي الأيقونة ابن حميدو لدينا المعلم حنفي شيخ الصيادين، الأب الكوميدي المقدس بلزمته (كلمتي لا ممكن تنزل الأرض أبدا) وتشجيعه لحسن وابن حميدو على شراء (النورماندي تو) وعلاقته السامة الممتعة بزوجته أم حميدة التي ترغب في تزويج عزيزة الفاتنة – هند رستم- إلى القناع بذاته؛ (الباز أفندي) وهو أشهر قناع في سينما فطين عبد الوهاب، (ساقط توجيهية وسمسار مراكب وقباني وعليه كرافته ترد الروح)، مخفيًا تحت ابتسامته اللزجة وبذلته المنشاة تاجر مخدرات عتيد يساعد عصابة (الست لاتانيا) على جلبها إلى الشاطئ ويلفق قضية حشيش لحسن وابن حميدو، ليبتلع الأخير قطعة الحشيش للتخلص منها متسائلًا: (تكونش شوكلاطته) ليردد الباز أفندي لازمته العابرة للزمن (صلاة النبي أحسن).
وفي البلورة الكوميدية البراقة عائلة زيزي – واحدة من أبرز أعماله مع المُهَلم السيد بدير- لدينا أكثر من أب حيث يقدم عدلي كاسب شخصية الأب المتفتح للفتاة عاشقة اليوجا –الجميلة ليلى شعير- والذي يحاول مجاراتها في الأوضاع الغريبة لجسدها، دون أن يفلح، ولكنه ينتبه إلى اقتراب سامي/أحمد رمزي منها – أخو زيزي الكبير- الشاب المنفلت، وحين يراه متموضعًا مع ابنته في حديقة بيت العائلة الذي أجره منهم حديثًا، يسلم عليه بألمعيته الهشة قائلًا: (سعيدة يا أستاذ غاندي) في إشارة إلى أنه يفهم محاولة تقرب سامي من ابنته لكن دون أن يحول دون ذلك.
ولدينا بالطبع (عم شبراوي) صاحب مصنع النسيج، ووالد فوزية خطيبة سبعاوي/المهندس الذي ينتظر أن تخرج الماكينة التي يخترعها قماش عندما يضع فيها القطن، وهو أيضًا أب طريف مغلوب على أمر خطيب ابنته المهووس بالمكينات مجاريا إياه حتى يتمم الزيجة. أما القناع فيضعه يوسف حسين/الملحن والممثل محمد سلطان، وهو المخرج السينمائي المشهور الذي يستدرج سناء/سعاد حسني عبر غوايتها بالعمل في السينما من أجل أن يتقرب منها بعد أن أحبها، لنكتشف في النهاية أنه تقدم لطلب يدها من أخيها سبعاوي بينما تحاول هي الانتحار (كده وكده) على رأي زيزي الصغيرة، لإجبار العائلة الطريفة على قبول حلمها بأن تصبح (النجمة السينمائية اللامعة سناء شلبي).
ولعل من أجمل العلاقات بين الأب والقناع هي تلك العلاقة التي يستلهمها فطين مع علي الزرقاني ومحمد أبو يوسف في درتهم «إشاعة حب» من مسرحية «حديث المدينة»، حيث يقنع الأب اللعوب عبد القادر النششقي ابن أخيه حسين/عمر الشريف الغر الساذج الذي يرتدي بذلة وبومباج (من سنة 1900) على حد قول عمه بأن يرتدي قناع الرجل المجرب (الفتك، سفاح بورسعيد) حيث تدور الأحداث، ليقنع الجميع أنه استطاع أن يوقع في حبائله ملكة الأغراء البضة هند رستم –في حضورها الحقيقي- لكي يقنع ابنته المراهقة سميحة بأن تصرف نظر عن الولد الرقيع لوسي ابن طنط فكيهه. لكن ظهور هند الحقيقية يهدد القناع بصورة عبثية وطريفة خصوصًا عندما يظهر معها عادل هيكل (الجول كيبر المعروف) كما يعرفه لوسي قافزا، وهو رجل غيور بشكل أعمى، مما يصل بالصراع في النهاية إلى ذروة الصدام بين الجميع بسبب القبلات التي وضعها الأب على خطاب مزيف لحسين من هند، ومكالمة ساخنة من مساعد الاب (المشخصاتي) عبد المنعم إبراهيم، والتي تجعله يستشيط غضبًا زائفًا، معلنًا عن فضيحة مدوية لحبك القناع على وجه حسين (أغرب عن وجهي يا محطم قلوب العذارى وزير النساء).
وحتى في آخر أفلامه «أضواء المدينة» لا تغيب تلك المؤامرات المبهجة بين الأب والقناع، في صياغة غنائية مع رفيق رحلته على الزرقاني، حيث يقرر مدير الفرقة الشعبية بابا شكري أن يصنع من نجمة الفرقة سعاد شلبي/شادية (أم شراب مدلدل) -على حد قول المخرج الكبير عادل/أحمد مظهر- الأمير شاه جيهان، مرتدية قناع ارستقراطي، ومتبوأة مكانها في قصر عثمانلي فخيم، يحضرهم إليه العازف الصعلوك/إبراهيم سعفان، وتحت (أضواء المدينة) تبدو لعبة الأقنعة في أقصى تجلياتها بين الشخصيات، حيث تدخل اللعبة على عادل فيذهب كي يطلب من الأميرة وأهلها الأتراك أن تعمل بالسينما، لكنهم يرفضون بالطبع، نظرًا لزرقة أصولهم النبيلة –المزيفة- فيتنكر في قناع مهراجا هندي مقوس الساقين من أثر ركوب الأفيال، ويطلب يدها للزواج وتبدأ قصة الحب في النمو بينهم كل خلف قناعه، بمباركة وإشراف من الأب المسيطر على خطوط اللعبة، إلى أن ينكشف قناع العازف الصعلوك الذي ما هو إلا (حكشه) ابن بواب القصر، الذي أوهمهم أنه سليل العائلة العثمانلية بلسانه التركي الأعور، وأنه يستضيفهم في قصره، وحين تسقط كل الأقنعة ينكشف وجه الحب والموهبة ويصدح الغناء في بهجة أضواء المدينة.
يحتاج تأمل ثنائية الأب والقناع في سينما فطين عبد الوهاب إلى أكثر من مجرد دراسة مختصرة تركز على بعض أفلامه، ولكن يمكن لمحبي سينماه وعشاق شخصياته أن يطبقوا فرضية الثنائية على معظم إنتاجاته التي تزيد عن الخمسين فيلما، بما في ذلك الأفلام التراجيدية والميلودرامية مثل «طاهرة» و«الغريب» و«عبيد المال» أو الرومانتيكية الخفيفة مثل «عندما نحب» وحتى أفلامه الكوميدية غير ذائعة الشهرة مثل «امسك حرامي» و«الفرسان الثلاثة» آخر أفلامه مع إسماعيل يس، والذي يحمل نقد اجتماعي لاذع وحداثي جدًا للازدواجية الدينية وادعاء السلفية الظاهر مقابل انحراف الباطن.
اقرأ أيضا: ما هو مشعل الجاسر؟