فاصلة

مقالات

بيدرو ألمودوفار… الخلطة السحرية للألمودراما

Reading Time: 6 minutes

عادة ما تستخدم كلمة ميلودراما أو بالعربية «المشجاة» والتي تعني عمل درامي تُضخّم فيه الأحداث والحبكة والشخصيات لإثارة ردود فعل عاطفية قوية لدى الجمهور، كوصف سلبي للأعمال الفنية المعاصرة سواء كانت روايات أو أفلام، ولكن ما المشكلة مع الميلودراما إذا كان واحدًا من أهم أهداف الفن هو الشعور والعواطف التي تنتج عن تلقينا للعمل الفني؟ في بعض الأحيان تكون الميلودراما مصممة بشكل به مبالغة أكبر من المشاعر الحقيقية، وربما يضعف ذلك القصة إذا ما كانت بقية عناصر القصة ضعيفة مثل أن تكون شخصيات العمل سطحية ومنمطة أو أن القصة متوقعة للغاية أو أن يكون أداء الممثلين به مبالغات أدائية ظاهرة تضعف العمل وتخرجنا من تماهينا مع الشخصيات السينمائية. على عكس ذلك، يأتي المخرج بيدرو ألمودوفار ليقدم أفلامه الميلودرامية بشكل مختلف، يجعلنا نرى أن العيب ليس في النوع ذاته وإنما فقط في ابتذاله أو تكراره. 

على مدار مسيرته التي كتب وأخرج وأنتج فيها ما يزيد عن 40 عملًا سينمائيًا، حصل ألمودوفار على 179 جائزة بما في ذلك أوسكار أفضل سيناريو أصيل عن فيلمه «تحدث إليها – Talk To Her»، وجائزة الأسد الذهبي عن فيلمه الأحدث «الغرفة المجاورة- The Room Next Door» وما بينهما من خمس مشاركات في المسابقة الرسمية لمهرجان كان وفوزه بجائزة أفضل مخرج عن فيلمه «كل شيء عن أمي – All About My Mother» وغيرها من الجوائز ورئاسات لجان التحكيم في المهرجانات السينمائية الكبرى، كل ذلك جعل من ألمودوفار المخرج الإسباني الأشهر على قيد الحياة حاليًا، ولكن كيف تشكلت تلك الرحلة ومن أين بدأت؟ 

المخرج بيدرو ألمودوبار
المخرج بيدرو ألمودوفار

موظف في شركة التليفون يستمع إلى كل شيء

ولد ألمودوفار في إقليم لا مانشا في جنوب وسط إسبانيا، لعائلة من الفلاحين، وفي نهاية الستينات، ذهب بيدرو إلى مدريد بعد إتمام خدمته العسكرية وإمضاء بعض الأوقات متسكعًا بين إبيزا ولندن. ثم سافر إلى مدريد حيث  كانت أول وظيفة له في شركة التليفونات الوطنية وأمضى بها ما يقارب العقد من الزمان، وغالبًا ما يتحدث عن ما اكتسبه من عمله في تلك الوظيفة من إحساس بالأصوات والإيقاعات واللهجات المختلفة ومن سماعه لحكايات النساء اللاتي عملن معه في الشركة. 

كان ذلك الانتقال إلى مدريد على عكس رغبة أهله، إذ كان هدفه هو دراسة السينما، لكن ذات العام الذي سافر به إلى العاصمة الإسبانية، أغلق فرانكو الديكتاتور الحاكم للبلاد آنذاك مدرسة السينما، ما دفع ألمودوفار لتعليم نفسه ذاتيًا للسينما، حيث بدأ في الانضمام إلى فرق مسرحية مستقلة والاهتمام بالسينما التجريبية، حتى كان جزءًا من «الحركة المدريدية» وهي حركة فنية مستقلة، ازدهرت بشكل كبير في أعقاب موت فرانكو. بشكل ما كان ألمودوفار من الجيل الذي أتى في عصر ساد فيه الانفتاح بعد عصر فاشي بامتياز، وانعكس ذلك بشكل مؤكد على الطريقة التي يفكر بها والسينما التي يصنعها. 

في السبعينات، عمل ألمودوفار كاتبًا في صحف ومجلات عدة كما اشترى كاميرا خام 8 مللي (سوبر 8) وصور بها بعض الأفلام التجريبية التي كان يعرضها دون شريط صوت في البارات أو الحفلات أو في أي مكان، ثم في الثمانينات صنع أفلامه الروائية الطويلة الأولى واستمر في صنعهم حتى زادت شهرته في أواخر التسعينات – مع أول مشاركة له في مهرجان كان – وفي أوائل الألفية بحصوله على جائزة الأوسكار. 

المخرج بيدرو ألمودوبار
المخرج بيدرو ألمودوفار 

يعد ذلك بشكل ما تاريخًا ملخصًا مخلًا بمسيرة المخرج، لكن يصعب حصر كل مواقفه الحياتية الثرية في إسبانيا أو خارجها، أو حتى الحديث عن أفلامه واحدًا تلو الآخر، لكن هنا نحاول أن نُعرف ما هو الفيلم الألمودوفاري، أو بتعبير الكاتب الكوبي جوليورمو كابريرا «الألمودراما» وهي كما هو واضح كلمة من شقين أولهما آت من اسم بيدرو والثاني هو كلمة دراما. 

النساء في قلب الحكاية

أول العناصر لصنع فيلم ألمودوفاري هو أن تكون بطلته امرأة أو أن يتمحور حول النساء بشكل تام، سواء كانت الحبكة بسيطة متعلقة بمسألة عائلية أو بانتقام أو الموت الطوعي، ولكن بعيدًا عن المواضيع التي يثيرها في أفلامه، يتراءى للمشاهد أن كل الشخصيات سواء كانت رجالًا أو نساءً في أفلامه فإنهم ليسوا بشخصيات نمطية، بل ينتمون بما يمكن وصفه للطيف الجنساني، فلا ذكور أو إناث بكامل ذكورتهم أو أنوثتهن، فيمكن أن تتمتع شخصياته بصفات هي أقرب للأنوثة أو الرجولة أو ما بينهما. 

على سبيل المثال نشاهد في «لجلد الذي أعيش فيه – The Skin I Live In» جراحًا ماهرًا مهووسًا بعمليات التجميل وهو يحول شاب إلى إمرأة في واحدة من تجاربه، هنا فرصة هائلة لرؤية أفكار ألمودوفار عن صفات الأنوثة والرجولة وهي تتشكل في شخص متحول، كما هي فرصة للتأمل في موضوع الجسد بأكمله كنوع من الإطار/القيد الذي يحدد لنا الكثير من الأشياء حول أنفسنا. في أحدث أفلامه «الغرفة المجاورة»، نراه أيضًا يستكشف قصة سيدتين صديقتين لم يلتقيا منذ زمن طويل إحداهما تحتضر وتود قتل نفسها والأخرى تذهب لمرافقتها في تلك الرحلة المكونة لآخر أيام حياتها. 

The Room Next Door (2024)
The Room Next Door (2024)

نراه يختار ممثلتين هما النقيض من بعضهما على مستوى الشكل والوظيفة وطرق السلوك، فمارثا (تيلدا سوينتون) تمتلك صفات ذكورية على المستوى الجسماني بامتياز، قوام طويل ووجه نحيف ذو عظام حادة وشعر قصير وشخصية ذات انفعالات صامتة، وربما يكون ذلك جراء عملها في الحروب الذي جعلها تلتقط كثيرًا من صفات الذكور. على الناحية الأخرى هناك جوليان مور التي تلعب شخصية إنجريد، وهي رمز للأنوثة التقليدية بشكل واضح، بشعر طويل منسدل وتفاصيل وجه وجسد يمتلئان بالأنوثة لإمرأة تُعد بالغة الجمال حتى وإن تخطت الستين. هكذا يستكشف بيدرو دائمًا تلك المساحة من الذكورة والأنوثة دائما في شخصياته حتى وإن غلب اختيار النساء وقصصهن على أفلامه، وهو بهذا يحطم الجزء الأكبر من أسباب فشل الميلودراما وهو كما ذكرنا من قبل تنميط الشخصيات ووضعهم في قوالب محددة. 

ربما كان هذا الاهتمام بالنساء في الحكايات نابعًا من حب ألمودوفار لأمه التي اختارها للتمثيل في أفلامه الأولى والتي أهدى فيلمه «كل شيء عن أمي إليها» أو من رغبة للنظر إلى النساء اللاتي همشهن فرانكو في عصره وقلل من مساحتهن، فصار ألمودوفار نوعًا من المعارض الذي قرر أن يغير من صورة النساء في أفلامه، فيراهن في جميع الأحوال، وخاصة في مرحلة الأمومة التي أولى لها جزءًا كبيرًا من مسيرته.

المخرج بيدرو ألمودوبار
All About My Mother (1999)

إضافة إلى ذلك نرى دائمًا أنه يحب شخصياته حد النخاع، وبالتبعية فإنه يلقي اهتمامًا كبيرًا بالممثلين والممثلات وعملية اختيارهم، وهو أمر بالطبع في محله، فأي ممثل لا يتقن حرفة التمثيل ولا يفهم ما هي طبيعة دوره في فيلم لألمودوفار سيفسد الخلطة، إذ أن ألمودوفار عادة ما يعتمد على فن الأداء واللقطات المقربة للممثلين واللحظات الانفعالية القوية التي قد يفسدها أي ممثل ضعيف ويجرها إلى منطقة مليئة بالابتذال. نرى ذلك في تعاوناته الدائمة مع ممثلات وممثلين عظام وبينهم فيرا كروز وأنطونيو بانديراس وكارمين ماورا وبينولوبي كروز اللتين تعاون معهما أكثر من أي ممثلة أخرى.   

غضب ورغبة ودماء

ينتمي ألمودوفار أيَضًا إلى سينما المؤلف وهي مدرسة سينمائية أو توجه سينمائي عادة ما يركز على تحكم المخرج في كتابة تفاصيل فيلمه، ليس فقط الكتابة للسيناريو وإنما كتابة مجازية لكل التفاصيل الأخرى في الفيلم. نستطيع من خلال التجول في الأفلام التي أخرجها ألمودوفار، ورغم تنوعها، رؤية بعض العناصر الأساسية على مستوى الصوت والصورة، أول ما يلفت الانتباه على سبيل المثال هو الألوان، وخاصة اللون الأحمر المستخدم دائمًا في الأفلام سواء كان لون الأكل أو الأزياء التي ترتديها الشخصيات أو الديكور أو أي من العناصر البصرية المختلفة في الإطار السينمائي الخاص به. 

الأحمر هو اللون الأنسب والأكثر طغيانًا  على حكايات ألمودوفار، وخاصة الأحمر الذي يلعب كل المعاني التي يتحدث عنها ألمودوفار في أفلامه، سواء من تعبير عن الحياة ذاتها أو لون الثأر والانتقام كونه لون الدم أو الرغبة والحب، بشكل ما فإن الأحمر هو بالتأكيد لون ألمودوفار، الذي ربما أتى من تأثراته الأولى بالأفلام الـ«تكني كولور» وطريقة تحميضها أو حتى رغبة في كسر الأسود الذي ارتبط بأمه وبالنساء في إسبانيا الفاشية، نوع ما من الرغبة الممزوجة بالغضب تختلط في أحمر ألمودوفار لتخلق كل المعاني وتعمل بشكل متواز مع قصصه الميلودرامية لإضفاء لغة بصرية متناسقة مع كل تلك المشاعر القوية التي يعبر عنها في أفلامه. إلى جانب اختياره للون الأحمر، فإن هناك أيضًا حالة من تشبع الألوان بشيء من المبالغة، وهو أيضًا ما يعمل على خلق ذلك العالم الميلودرامي الممتع، الذي وإن ابتعد عن الواقع بشكله الأصلي، فإنه يخبرنا أشياء واقعية للغاية عن أنفسنا وعن من نكون.

المخرج بيدرو ألمودوبار
Broken Embraces (2009)

إلى جانب ذلك، يعتمد ألمودوفار على الأصوات، وخاصة تلك الأصوات التي تتسبب فيها الشخصيات بأيديها أو أرجلها من أصوات الأحذية أو النعال، أو من أصوات الكتابة أو تقطيع الطعام إضافة إلى الموسيقى المبالغة أيضًا في التعبير عن كل شيء، لكن بشكل ما وعندما نصف كل تلك المبالغات في الألوان أو الديكور أو الموسيقى والأصوات وحتى التمثيل، كيف يمكن لنا أن نتخيل هذا الفيلم الذي يصنعه ألمودوفار؟ كيف يمكنه خلق كل ذلك الجمال من عناصر قد تفسد معظم أعمال مخرجين آخرين؟ 

سر الخلطة ربما يكمن في ذاتيته السينمائية الخاصة، فهو بشكل ما لا يرى الفرق بين حياته وبين السينما، ويقول أن السينما يمكنها ملء الفراغات التي في حياة الفرد، لكنه بشكل ما لا يفرط في ذاتيته – إلا في مواضع قليلة من مسيرته – فلا يستغلها لمصلحته، إنه يضع نفسه في كل العناصر، سواء من ملصقات الأفلام التي يمر الأبطال بجانبها، اختياره للمدن والأماكن، وحتى الأسلوب المسرحي الذي يقدم به بعضًا من مشاهده، إنها أشياء تمثله وتمثل شخصيته بشكل كبير، ولذا هو قادر على صياغة تلك الأعمال بحساسية كبيرة، إنه ذاتي بالمعنى الأعم للكلمة، حيث لا يعرض ذاته على الشاشة أو يقدم شخصيته بحذافيرها وإنما ينثر تلك الشخصية في كل اختياراته، فتأتي ورغم مبالغتها خلطة مثالية طعهما النهائي متوازن حتى وإن أفرط في بعض المكونات. 

اقرأ أيضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية

شارك هذا المنشور

أضف تعليق