حوار من أرشيف الناقد إبراهيم العريس أجراه مع سيدة الشاشة العربية في كواليس تصوير آخر أفلامها «ارض الأحلام» عام 1993.
في ذلك الحين، أي خلال السنوات الأخيرة من حياتها جرت العادة – لمرة كل خمس سنوات على الأقل- أن تعرف الحياة السينمائية في القاهرة حدثًا إبداعيًا عنوانه فاتن حمامة. فسيدة الشاشة العربية اعتادت ألا تمثل سوى فيلمين خلال كل عقد. من هنا فإن حدث الموسم في ربيع العام 1993 في القاهرة، هو أن فاتن حمامة كانت تعمل في فيلم جديد، ومع من؟ مع داود عبدالسيد الذي لم يكن أخرج حتى ذلك الحين سوى ثلاثة أفلام، حقق كل واحد منها – على أي حال- نجاحًا كبيرًا.

مع داود راحت الأمور تسير على ما يرام، وتخوض فاتن حمامة تجربة جديدة تضيفها إلى تجارب خمسين عامًا من العمل في السينما، لم تجعل منها فقط فنانة كبيرة بكل معنى للكلمة؛ بل جعلت منها كذلك «مؤسسة» كبيرة، كما كان حال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وكما هو حال نجيب محفوظ في مجال آخر.
من هنا صعوبة محاورة فاتن حمامة، واستحالة ذلك في بعض الأحيان. لكن، وإذ دُعينا لمشاهدة تصوير مشهد من مشاهد «أرض الأحلام»، استطعنا أن نسرق من الفنانة الكبيرة ساعة بين تصوير لقطتين، أسفرت عن حوار صريح مليء بعبق الماضي وبالآراء الفنية الواضحة، وبالأمل المتجدد بحاضر وبمستقبل لفنانة كبيرة اعطت فأعطتها السينما وأحبها الجمهور وصارت علامة في تاريخ الفن المصري والعربي، وسرعان ما تحوّل الحوار إلى ما يشبه البورتريه، رسمناه لفاتن.

من المعروف عن فاتن حمامة، أنها لا توافق على إجراء مقابلات صحافية، وخاصة حين تكون منكبة على تصوير فيلم من أفلامها، بل ويتطوع البعض ليقول لك إن سيدة الشاشة العربية تتردد في الرد على أسئلة الصحافيين. كل ما في الأمر أن لديها في الوسط الصحافي أصدقاء، تستدعي أيًا منهم وتدلي له بتصريح حين يحتاج منها الأمر شيئًا من هذا القبيل. وذلك لأنها شديدة الحذر بالنسبة إلى كل ما يمس الاعلام والصورة التي تُعطى عنها أمام جمهورها.
من هنا احتاج الأمر «لمفاوضات» طريفة قام بها المنتج حسين القلا والمخرج داود عبدالسيد، لكي تقتنع فاتن بالإجابة عن أسئلتنا. بل كان ملفتًا ذلك الحذر الذي تبدى لديها وهي تجيب على أول الأسئلة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أول سؤال نطرحه عليها حول هذا الموضوع، ولماذا هي «زعلانة» من الصحافة؟
“لست زعلانة”
تبتسم فاتن حمامة ويحمر وجهها خجلًا قبل أن تجيب: «لا.. لا زعلانة ولا حاجة! كل ما في الأمر إن بعض الصحافيين يحب ان يُسيّس كل شيء، وأن يجرك إلى مواقف لا تريد الانجرار إليها. هم ينسون أن الواحد منا فنان وإنه يعيش على أعصابه وإنه ليس مؤهلًا، أو راغبًا في كل لحظة بالحديث عن الشؤون السياسية أو التطرق غليها. أضف إلى هذا ميل النقاد الدائم إلى تفسير كل عمل تقوم به وكل فيلم تحققه تفسيرًا سياسيًا لا يتلاءم بالضرورة مع نظرتك أنت إلى العمل».
هل معنى هذا أنها لا توافق مثلًا على التفسير السياسي لفيلم مثل «ليلة القبض على فاطمة» من إخراج هنري بركات؟
تجيب: «ليس هذا ما أعنيه. أعني فقط أنني ممثلة وفنانة، وأن تعامل النقد والصحافة معي يجب ان يكون على هذا الأساس. على أساس الدور الذي أقوم به، وتلقّي الجمهور له، وتفاعله معه، وحبه له أو عدم حبه».

واضح أن فاتن حمامة تقول هذا الكلام وفي نفسها مرارة، بل وربما اشمئزاز من بعض الظروف التي جعلت العديد من المساجلات تدور حول أدوار لعبتها أو مواقف اتخذتها. من هنا طرحنا جانبًا جملة من أسئلة كنا نود لو نخوض معها فيها، مثل موقفها من البعد السياسي لبعض أدوارها، ولكن خاصة ما قيل عن إنها كانت من أولى الفنانات اللواتي انضممن إلى «حزب الوفد» يوم تأسس، وحكاية الملايين التي قيل أنها عرضت عليها لكي [ترتدي] الحجاب.
كان من الواضح أن فاتن حمامة غير راغبة في الخوض في أي من هذه المواضيع، وأن ما يشغل بالها هنا والآن هو الفيلم الجديد الذي تمثله، والتجربة الجديدة التي تخوضها، والدور الصعب الذي تؤديه: دور نرجس، الأم، في فيلم “أرض الأحلام” الذي تعود فيه إلى الشاشة الكبيرة بعد غياب طال أكثر من خمسة أعوام.

السيناريو حسم الأمر
ولكن ما هو العنصر الذي حسم الأمر وجعلها تقرر العودة أمام الكاميرا، هي التي يقال إنها كثيرًا ما ترفض سيناريوهات عديدة وأدوارًا كثيرة تعرض عليها.
«بكل بساطة، كما تقول، كان السيناريو نفسه هو الذي أعادني إلى السينما بعد فترة غياب تقول عنها إنها طويلة، مع العلم أنني لم أغب كثيرًا، إذ أنك تعرف طبعًا أنني بين (يوم حلو… يوم مر) و(أرض الأحلام) عملت في المسلسل التلفزيوني (ضمير أبله حكمت).
المهم أن ما حسم الأمر هذه المرة هو السيناريو الذي وضعه داود عبدالسيد. فهو نص تتوافر فيه كافة العناصر التي تنبئ بأنه سيسفر عن فيلم جيد. أضف إلى هذا ما تعرفه عن إعجابي بداود عبدالسيد وسعادتي بكل الأعمال التي حققها حتى الآن كسينمائي. والحقيقة أنني كنت حتى من قبل بداياته، قرأت له العديد من السيناريوهات، وأحسست أن من يكتبها سينمائي حساس ومن طراز متميز. أنا سعيدة على أي حال بكل المخرجين المنتمين إلى جيل داود عبدالسيد، هذا الجيل الذي حين يتحدث عنه الكثيرون اليوم يصفونه بأنه (الجيل الشاب) مع أن أكثر أبناءه صاروا اليوم كهولًا… مثلنا».

حين تقول فاتن حمامة هذه العبارة الاخيرة تبتسم وهي تشير إلى «الباروكة» التي وضعتها على رأسها – لزوم دور نرجس الذي تقوم به – وإلى الماكياج الخاص الذي يملأ وجهها، وهو ما دعاها إلى الاعتذار عن عدم أخذ أية صور لها في تلك الحالة. مسموح لزينة نرجس أن تظهر في الفيلم فقط. أما فاتن حمامة فلا يجوز تصويرها خارج إطار الفيلم إلا حين تكون متخلصة من ماكياج الفيلم.
نغض النظر عن التصوير ونتابع أسئلتنا وفاتن لم تنته بعد من الضحك على حكاية الشبان والكهول: في هذه المرحلة أراك تعملين في فيلم واحد كل خمسة أعوام: «إمبراطورية ميم» قبل أكثر من عشرين عامًا، ثم «أريد حلًا» و«أفواه وأرانب» ثم «ليلة القبض على فاطمة» و«يوم حلو ويوم مر» قبل «أرض الأحلام». أليس قليلًا ستة أفلام خلال خمسة وعشرين عامًا؟
– «أترى هذا؟ بالنسبة إليّ يجب أن تكون الأمور على هذا النحو، مع أنني قلت لك إنه بين هذا الفيلم الجديد، وفيلم (يوم حلو يوم مر) كان هناك المسلسل التلفزيوني الذي استغرق تصويره ستة أشهر وإعداده ثلاثة أعوام. والمسألة كما تعرف ليست في يدي، بل في يد الكاتب والمخرج والفريق الذي يحضّر الفيلم. العمل الجيد يستغرق وقتًا أليس كذلك؟ أم تريد لي أن اشتغل في ذلك النوع من الأفلام المتكاثر في أيامنا هذه، والذي ينجز الواحد منها في أسابيع قليلة ثم يطويه النسيان؟ على العموم أعتقد أن داود أخبرك بأن التحضير لهذا الفيلم الجديد قد استغرق أكثر من عام ونصف». وتبتسم مضيفة: «لكن كل شيء تم وسط جو من التكتم كما تلاحظ. إذ لم يعرف أحد بالمشروع حين كنا نحضر له، وذلك خوفًا من أن تؤدي الظروف إلى عدم تحقّقه. ففي بعض الأحيان يحدث لي مثلًا أن أوافق على العمل على مشروع معين، ثم لا يكتمل العمل. لذلك صرت أفضل أن يكتمل المشروع قبل الإعلان عنه».

أين التقيتها قبل الآن؟
في “أرض الأحلام” تمثل فاتن حمامة دور نرجس، الأم التي تحاك من حولها مؤامرة لتسفيرها إلى أمريكا، لأن في سفرها إلى هناك، [تكمن] الفرصة الوحيدة لتمكّن ابنها من السفر والهجرة، بينما هي لا تريد السفر، بل تفضل البقاء في البلد. وتذعن أمام ما يحاك من حولها، أو يبدو عليها من الخارج أنها تذعن وتتقبل مصيرها.
نلاحظ أن الأدوار التي تلعبينها في العديد من أفلامك الأخيرة هي أدوار امرأة قوية لكنها عادة ما تخفي قوتها خلف قناع من الضعف. بمعنى أنها قوية في داخلها وربما كانت ماكرة… فما رأيك بهذا النوع من النساء؟
– «من الطبيعي أن السن التي أنا فيها هي التي تسمح لي بهذا النوع من الأدوار. ولكن قبل أن تعمم أرجو أن تلاحظ أن المسألة هذه المرة ليست على هذا النحو. نرجس ليست قوية على الإطلاق، بل هي مستسلمة كليًا».
من هذا المشهد الذي صُوّر أمامي الآن فهمت أنها ربما تكون ماكرة وتحاول أن تخفي قوتها في الداخل..
تبتسم فاتن حمامة قبل أن تقول مصحّحة: «ربما كانت اللقطة التي صورناها توحي بهذا، وخاصة من خلال رد فعل ابنها (هشام سليم) على ما تقوله وعدم تصديقه لها. لكن نرجس، في الحقيقة بريئة بالفعل، بريئة كل البراءة، وتترك الآخرين يقودونها على هواهم».

ترى كيف تنظرين، على ضوء تفسير كل هذا، إلى هذا الدور؟ وما هو موقعه من الحياة الاجتماعية في مصر اليوم؟
حين تصغي إلى هذا السؤال تنظر فاتن حمامة بحذر من يخشى أن يجره الجواب إلى التعبير عن موقف سياسي، وهو ما لا تريده بأية حال من الأحوال، ثم ما إن تطمئن لسبب ما إلى براءة السؤال حتى تجيب: «في الحقيقة إنني منذ اللحظة التي قرأت فيها السيناريو، ورسمت لنفسي الخطوط الأساسية للدور، رحت أفكر وأحاول أن أتذكر: أين قابلت مثل هذه السيدة من قبل؟ مَن مِن النساء اللواتي أعرفهن تشبه نرجس؟ ثم بعد تفكير طويل ونبش في اعماق الذاكرة، لقيت الشخصية. لقيت نرجس! الآن، لا أذكر اللحظة المحددة التي عثرت فيها على نرجس وإن كنت أعتقد أن الباروكة كانت هي [ما] حسم الأمر، إذ ما أن وضعت الباروكة على رأسي ورحت أتأمل ما صنعته بي في المرآة، حتى تذكرت وقلت في نفسي: ‘لقيتها’ وبدأت اتوغل بشكل أساسي في الشخصية وأحبها».
لكنهم لم يعودوا شبانًا!
منذ سنوات الأربعينيات، حين كانت بعد طفلة، وحتى اليوم؛ عملت فاتن حمامة مع كبار المخرجين الذين عرفتهم السينما المصرية، وتعاقبت [على] العمل معها أجيال متلاحقة، من جيل محمد كريم ثم صلاح أبو سيف وشاهين وبركات، إلى جيل سعيد مرزوق وحسين كمال، وصولًاً إلى جيل خيري بشارة وداود عبدالسيد. من هنا كان السؤال الذي يفرض نفسه: في «يوم حلو يوم مر» من إخراج خيري بشارة، كان المخرج – مثل داود عبدالسيد- منتميًا إلى الجيل الأجدّ في السينما المصرية. فحين عملت معه لم يكن خيري حقق سوى فيلمين طويلين أو ثلاثة، و[…] صار مع ذلك حديث الناس والنقاد. قبله كنت تعملين مع مخرجين عريقين، لهم وجود ثابت ومكانة أساسية وخبرة وفرها لهم عمرهم.
– «ليست المسألة مسألة أعمار بالطبع».
دعيني أرجوك اوضح سؤالي: إنهم جيل شاب، فما وجه المقارنة بينهم وبين الجيل الذي سبقهم، والذي أعطاك أدوارًا عظيمة في الماضي؟
– «أود أن ألفت نظرك إلى شيء هام، وهو أن هؤلاء الجدد الذين تتحدث عنهم هم جميعًا من خريجي معهد السينما، أي أنهم مثقفون صنعوا أنفسهم عن طريق المعرفة وحب السينما والثقافة. أما الجيل الماضي – ومعظم أبنائه موجودون، ربنا يخليهم ويعطيهم طول العمر والنشاط- فقد تكوّن من خلال خبرة العمل السينمائي نفسها. على أي حال، الجدد هم الذين يشغلون الساحة الآن، لكن هذا لا يمنع من أنني مستعدة للعمل مع أي واحد من رفاقي الكبار لو كان لديه مشروع جيد. وأكذب إن لم أقل لك إنني دائمًا أرتاح للعمل مع بركات أو صلاح أبو سيف أو عاطف سالم أو كمال الشيخ، من الذين صرت ما أنا عليه عبر أفلامهم».

[إذن]، ما هو الفرق بين مخرج عريق كهنري بركات، أعطاك أجمل أدوار حياتك في «دعاء الكروان» أو «الحرام» أو غيرهما، وبين مخرج شاب مثل خيري بشارة وداود عبدالسيد؟
– «إيه ده يا إبراهيم؟! ألم نتفق أنهم ليسوا شبانًا ولا حاجة؟ (تضحك)… ألم نتفق أنهم لم يعودوا شبانًا؟».
حسنًا… إنهم أبناء جيل آخر، فما هو الفرق؟
– «أبدًا… الفرق ليس بين مخرج مكتهل ومخرج أصغر منه سنًا، والفرق ليس بين أجيال من المخرجين. فنحن لو شاهدنا العديد من الأفلام التي تصنع اليوم سنجد أن بركات لا يزال أكثر شبابًا من معظم من يصنعون هذه الأفلام. الحقيقة أن الفرق يكمن بين شخصية مخرج وشخصية مخرج آخر، بين نظرة هذا ونظرة ذاك. فالمخرج حين يكون لديه نص أو مشروع، سوف ينظر إلى هذا النص من وجهة نظره الخاصة، بصرف النظر عما إذا كان شابًا أو عجوزًا. المهم إحساسه الذي يتكون لديه من حول النص، والمهم نظرته الخاصة إلى العمل، بصرف النظر عما إذا كان شابًا أو أقل شبابًا. المهم إحساسه. على هذا النحو، باعتبار أن المخرج القدير هنري بركات كان أقرب المخرجين إلى الرؤية التي أحملها عن الإنسان والمجتمع والمرأة، حيث كان – ولا يزال إن شاء الله- يتكلم عن الإنسان وعن إحساس البني آدم، ويغوص في الحياة اليومية للناس؛ كان من الطبيعي أن أحب العمل معه دائمًا، وأن انتظر منه أن يعيدني إلى الشاشة كلما غبت عنها طويلًا، حسب تعبيرك. مقابل هذا أقول لك بصراحة إن العمل مع داود عبدالسيد كان صعبًا ومرتبكًا خلال اليومين الأولين فقط. كنا نحاول، [لا زلنا]، أن نتعرف على بعضنا البعض. بعد أسبوع واحد – على الأكثر – اكتشفت أنه فنان أصيل، وأنه انسان من الممكن التفاهم معه بكل بساطة. مع داود تسير الأمور اليوم بشكل جيد. ولهذا – وليس فقط لأنه صديقك- قلت لك من البداية إنني سعيدة بالعمل معه».

اتدخل في رسم الشخصية
هنا قلت لفاتن حمامة إن البعض يشعر بأن المخرجين الجدد يحسون ببعض الرهبة في العمل معها.
فتضحك وتشيح بوجهها بعيدًا وقد احمَّر وجهها من الحياء، ثم تقول وهي تنظر بعيدا: «أبدًا. ده في الأول فقط. في البداية حين لا يكون الواحد منا يعرف الآخر تمامًا. بعد ذلك تزول كل الحواجز، وتختلف الأمور كثيرًا. واضح إن المخرج يكون في باله منذ البداية سؤال أساسي يشغل باله: ازاي سوف أوجِّه فاتن حمامة؟ ازاي سوف أسيطر عليها؟ لكنه سرعان ما يكتشف أن في مثل هذا العمل لا يمكن لأحد أن يسيطر على أحد. في هذا العمل من المؤكد أن التفاهم المشترك – حسب تعبير أهل السياسة- هو سيد الموقف. فلازم كلنا نكون فاهمين بعضنا البعض. وكذلك يجب أن نكون معًا فهمنا الشخصية المطلوب أداؤها بعمق. قد يحدث في بعض الأحيان أن يقول لي داود عبدالسيد: المطلوب منك أن تعبري في هذه اللقطة عن مشاعر الشخصية على النحو التالي، أو بالكلمات التالية. فأفكر أنا: هل صحيح إنه سيكون في إمكان نرجس أن تقول هذا الكلام؟ نرجس امرأة خيبانة، ضعيفة. نرجس لا يمكنها أبدًا ان تتلفظ بهذا النوع من الكلام. أقول هذا لداود فيناقشني قائلًا: هي ربما لا تكون، في العادة، قادرة على مثل هذا الكلام أو على مثل هذا التفكير، هذا صحيح، لكنها ستقوله مع ذلك لأنها فعلت الأمر الفلاني مما جعلها تتنبه إلى ما فعلت. وهكذا عبر نقاش من هذا النوع أصل إلى ذلك التفاهم الذي من المؤكد أنه سوف ينعكس إيجابيًا على العمل».
معنى هذا أنك تتدخلين كثيرًا في تعامل داود عبدالسيد مع شخصية نرجس؟
– «ضمن حدود بالطبع. والحقيقة أننا، داود وأنا، نمضي معظم وقتنا ونحن ننسج شخصية نرجس. وأنا غالبًا ما أطالب بأن تفعل الشخصية فقط ما ينبغي عليها أن تفعله. هي بالنسبة إليّ مسألة إحساس بالدور؛ أما بالنسبة إلى داود فإحساس بكل الأدوار وبالرواية كلها وبالفيلم بعد اكتماله. المسألة مهمة من هذه الناحية. وليست ثمة ديكتاتورية أو سيطرة في الأمر».
من أين تأتي فكرة «المؤسسة»؟ من أين إذن تأتي حكاية الرهبة؟ لقد صور لي أحد الزملاء الصحافيين الأمر وكأن فاتن حمامة هي – في نهاية الأمر- مؤسسة فنية مصرية قائمة في ذاتها، على شاكلة ما كانت أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، ومن المؤكد أن هناك ثمة في تاريخها السينمائي وحضورها الفني ما يشجع على مثل هذه الصورة، خاصة أنها منذ سنوات عديدة تقبل أن تكون على رأس لجان تحكيم في المسابقات، وأن تكون محل تكريم لا يتاح عادة إلا لمن توقّف عن العطاء الفني. أمام هذا كله يفرض سؤال نفسه عن الطريقة التي تشتغل بها الفنانة الكبيرة مع المخرج الذي يعمل معها للمرة الأولى لكي يحس وكأنه يديرها في أول أدوارها معه، كما لو كانت تمثل للمرة الأولى؟
– «هوه ده معقول؟ لو وافقتك على فكرة التمثيل لأول مرة سنكون كأننا نكذب على بعض، فإما أننا نكذب وإما إن سؤالك غير واضح».
حسنًا، سأغير صيغة السؤال، سأقول إن كل دور جديد تلعبينه، يجب أن يبدو وكأنه يُلعب للمرة الأولى، وخاصة بالنسبة إلى مخرج جديد، أو حتى ممثل جديد يعمل أمامك للمرة الأولى، فكيف تستقين من تجربتك الطويلة أسلوب تسهيل هذه المهمة؟
– «الحقيقة، كما سبق أن قلت لك في معرض ردي على سؤال آخر، هي أن الصعوبة تكمن فقط [في] الأيام الأولى، سواء بالنسبة إلى عملي تحت إدارة مخرج جديد، أو في مواجهة ممثل جديد. بعد ذلك تسير الأمور بشكل جيد ويزول حاجز الغربة. ولعلك تلاحظ في هذا المجال أنني منذ سنوات طويلة غالبًا ما أعمل مع زملاء ألتقي معهم للمرة الأولى، وهذا الأمر ليس هينًا لا بالنسبة إليّ ولا بالنسبة إليهم. على أي حال، أصارحك بأنني أصر دائمًا على أن نبدأ العمل بمشاهد سهلة، حتى يتم التواصل بشكل جيد بيني وبين العاملين معي، ولا سيما بيني وبين المخرج».

فاتن القديمة امرأة اخرى
ومن المنطقي أن يقود هذا إلى السؤال حول الأسلوب الذي تحضّر به فاتن حمامة دورًا جديدًا تلعبه.
– «أولًا، أحاول أن أستوعب الشخصية، أدرسها عبر السيناريو كله، ثم بعد ذلك عبر المشاهد وعبر علاقة الشخصية بالشخصيات الأخرى. وفي أثناء ذلك أتناقش مع المخرج في شتى سمات الشخصية حتى نصل إلى فهم مشترك يكون أساسه التساؤل حول الشخصية وردود فعلها تجاه ما يطرأ لها من احداث. أقول لنفسي: هنا ستقول هذا الكلام، في هذا الموقف المعين سوف تبدو في حيرة من أمرها، وهنا ستحاول أن تخرج عن طبيعتها لمواجهة الحياة. هنا ستكتشف خداع الآخرين لها، وهكذا. ثم ما إن انتهي من رسم تصور عام لهذا كله، أنصرف إلى مذاكرة الدور فلا أدخل التصوير إلا ويكون الدور صار جزءًا من كياني. وأنت تعرف بالطبع أن الدور وملامحه تظل ترافقني طوال أسابيع التصوير وإنجاز الفيلم، ولا أبدأ بالخروج منه إلا بعد ان يعرض الفيلم أمام الجمهور، وأطالع رد فعل الجمهور على الدور. عند ذلك يكون الأمر انتهى وأصبح الفيلم والدور جزءًا من تاريخي لا جزءًا من حاضري».
فهل تراها تعتبر أن جميع الأدوار التي لعبتها في مسارها الطويل والغني جزءًا من تاريخها؟ ألم تكن هناك أدوار ندمت عليها؟
– «نادرًا ما حدث هذا. يمكن هناك دور أو دوران لم أرض عنهما فيما بعد. لكني اليوم نسيت كل شيء عنهما. اما الأدوار الباقية فإنها حية في ذاكرتي وأستعيدها بين الحين والآخر».
فهل يمكن أن أنطلق من هنا لنسأل فاتن عن [تقييمها] الخاص لتاريخ فاتن حمامة؟
هنا بدا على سيدة الشاشة أنها بوغتت بهذا السؤال. ولسبب غير واضح صمتت لحظة ونظرت إلى السقف، ثم اليّ، ثم إلى جهاز التسجيل قبل أن […] تقول بشيء من الارتباك وربما بشيء من الحياء أيضًا: «الحقيقة إنه يصعب على الإنسان منا أن [يقيّم] نفسه. إنها مهمة الآخرين وأسهل على الفنان أن يرى هؤلاء الآخرين يقيمونه».

الحقيقة ان هذا السؤال أطرحه على العين الناقدة فيك، على الفنانة التي يمكنها أن تنظر إلى عمل فني ما بشكل موضوعي مجرد، حتى ولو كان عملها هي بالذات؟
– «صحيح… طبعًا، أنا عندي اليوم من المعرفة والخبرة ما يجعلني قادرة على النظر بعين ناقدة إلى تاريخي الفني كله. ربما تكون الخبرة هي الشيء الوحيد الذي كسبته خلال سنوات عملي الطويلة، وهي ذات الخبرة التي تجعلني قادرة، ما ان أقرأ سيناريو معروضًا عليّ، أن أتلمس ما فيه من حسنات وعيوب».
انطلاقًا من هذه الحقيقة أسألك: من المؤكد أنه يحدث لك اليوم أن تشاهدي العديد من الأفلام القديمة التي قمت بأدوارها الرئيسية، مثل «لك يوم يا ظالم» و«أنا بنت ناس» و«المعجزة»، «لن أعترف»، «لا أنام» فما هو الشعور الذي يخامرك إزاء مثل هذه الأفلام؟
– «بصراحة؟ أبدو وكأنني أتفرج على امرأة ثانية، فابتسم وأضحك وأبكي وأفرح وأحزن مثل كل الناس الذين يتفرجون على هذه الأفلام. إضافة إلى هذا؛ أشعر بالكثير من الحب للشخصيات التي مثلتها، وفي بعض الأحيان يحدث لي ان ألوم بطلة (لا أنام) على ما تفعل، أو أن اخاف على بطلة (لن أعترف)، أو أشجع بطلة (المعجزة) على تصرفاتها. كل هذا أمارسه بتجرد وموضوعية».

الجمهور يطالبني بأن أتابع
تقارب مسيرة فاتن حمامة السينمائية الخمسين سنة، وهي مزينة بعشرات الأفلام التي طبعت تاريخ السينما ولا يمكن نسيانها. ومن المعروف أن فاتن حمامة لعبت كافة أنواع الأدوار: الفتاة المظلومة، البنت الشقية، الزوجة الخائنة، المرأة المتمردة، الأم المستسلمة، الزوجة المعتدى عليها… إلخ. فما هي الأدوار التي ترى فاتن حمامة اليوم أنها الأقرب إليها؟
جوابًا على هذا السؤال الذي أراحها لمجرد أنها أدركت أنه يعلن نهاية المقابلة، تجيب الفنانة الكبيرة: أن ليس هناك في الحقيقة أدوار معينة تفضلها على غيرها. «لقد مثلت عشرات الأدوار، وأشعر اليوم أنني وضعت داخل كل دور جزءًا من شخصيتي. بل أشعر كأن شخصيتي الحالية تأثرت كثيرًا ببعض تلك الأدوار. من هنا يصعب عليّ أن اتوقف عند دور واحد لأفضله على غيره. ومع هذا سأغامر وأقول إنني أحب دوريّ في (دعاء الكروان) وفي (الحرام)، وأنظر بعين التعاطف إلى القضية التي أحملها في فيلم (أريد حلا). لقد كان لكل مرحلة من مراحل عمري أدوارها، ولا أحسب أن ثمة مجالًا لتفضيل مرحلة على مرحلة».
المهم، من هذا كله، بالنسبة إلى فاتن حمامة هو علاقة الجمهور بأدوارها وبتاريخها. ومن بين ما يضفي على حياة سيدة الشاشة سعادة حقيقية هو رد فعل الجمهور الدائم تجاهها، فمثلًا حين اعتلت خشبة المسرح كعضوة في لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة السينمائي للعام 1991؛ صفق لها الجمهور طويلًا، بل وترقرقت الدموع – كما شهدنا يومها بأعيننا – في الكثير من العيون، في الوقت الذي أشاحت فيه فاتن حمامة بوجهها مخفية حياءها ودموعها. وحدث شيء مثل هذا في مهرجان السينما العربية في قاعة معهد العالم العربي في باريس في العام التالي، حيث واصل الجمهور تصفيقه دقائق طويلة. وليس سرًا أن أي فيلم يعرض لفاتن حمامة من على الشاشة الصغيرة في هذه الأيام، يحظى بكمّ من الجمهور لا يحظى به أي فيلم آخر. فما هو شعور فاتن حمامة إزاء هذه العلاقة مع جمهورها؟
– «أكذب إن لم أقل لك إنه شعور فرح دائم. فالحقيقة أن الناس، الناس الطيبين يؤكدون لي عبر استقبالهم الطيب أمرًا غالبًا ما أنساه. فأنا يحدث لي دائمًا أن أنسى نفسي وفني وتاريخي وأحاول أن أعيش مثل أية امرأة عادية. ثم يحدث لي في لحظة ما، أو في مناسبة ما أن التقي بالجمهور وأشعر بدفء استقباله وحرارة علاقته بي، فأقول لنفسي: إيه ده يا ربي؟ إيه ده… لسه دوري ما انتهى ولازم أكمل! أشعر أن الجمهور يطلب مني أن أكمل فأكمل…».
اقرأ أيضا: عمر الشريف راهن على الحياة وكسب