فاصلة

مراجعات

«المخطط الفينيقي».. ويس أندرسون في مفترق طرق

Reading Time: 3 minutes

منذ «عائلة تيننباوم الملكية The Royal Tenenbaums» (2001) أسس ويس أندرسون مفارقة كبرى جعلته من أكثر المخرجين شعبية لدى الأجيال الشابة والأكثر قبولًا لدى النقاد كذلك. 

لم يتجاوز أندرسون بعد السادسة والخمسين ولا يزال في أوج عطائه. ويعود في عمله الأحدث «المخطط الفينيقي The Phoenician Scheme» للخط نفسه الذي غادره قليلًا في العامين السابقين على إصدار فيلمه الأحدث، ذلك الفيلم الذي كان أهم شريط أمريكي منتظر في مهرجان كان الأخير.

الخط المميز في أعمال ويس أندرسن والذي ربما يكمن فيه سر شهرته يتمثل في التباين العجيب بين محتوى أفلامه وشكلها. في جلّها تدور أحداثها حول انفصام الروابط البشرية، العائلية منها بالخصوص، وتداعياتها العبثية والمضحكة، وفي الوقت ذاته، تكتسي هذه الأعمال قالبًا شديد التوازن والتماثل، في صياغة سمعية بصرية جدّ محكمة إلى حدّ الهوس. فتنظيم العناصر المكونة للصورة ودقّة تركيبها تبدو في تناقض تام مع «الفوضى» العارمة التي تسود عوالمه. و«المخطط الفينيقي» كسابقيه من الأفلام لا يحيد على هذه القاعدة.

هنا، في «المخطط الفينيقي»، العائلة منحلّة تمامًا، ومنذ زمن. 

جاجا كوردا (بينيثيو ديل تورو) رجل أعمال من أثرى أثرياء العالم، قطب من أقطاب الأموال وتجارة الأسلحة، قطع علاقته نهائيًا وبدون رجعة مع أبنائه التسعة وقرر عدم توريثهم أملاكه الضخمة مستثنيًا ابنته (ميا ثريبلتون). اتخذ قراره هذا بعد تعرضه لسادس محاولة اغتيال وهو في طائرته الخاصّة متوجهًا إلى مكان ما في الشرق الأوسط. هكذا يبدأ الشريط، بمشهد يختزل الدلالات الأساسية للعمل: بين قوة الانفجار وطابعه المفاجئ من ناحية، وبرودة دمّ جاجا في مواجهته له، هناك مقابلة غريبة ومضحكة تفتح واسعا مجالَ الحكاية.

يكتشف جاجا أن ابنته التي لم تصله اخبارها منذ زمن، انضمت إلى سلك الراهبات، وأن روعها لم يهدأ تجاهه إذ تعتقد اعتقادًا راسخًا أنه متورط في اغتيال أمّها. تتوالى الأحداث متسارعة في تداخل لا يترك للمشاهد مجالا لاستيعابها، والمفارقة بين جمال الصّورة وقبح الذوات البشرية تتدعّم وتتركز.

لقطات مصمّمة تصميما هندسيًا في توازن مستديم، تُربك فتَفتن، فبقدر دهشتنا أمام تعاقب الأحداث وسرعتها تأتي دهشتنا أمام العناية الفائقة لرسم الصورة. ثم لا يخلو الحكي من ايحاءات سياسية وجيو استراتيجية، فالأمر يتعلق بمفاوضات غامضة ومساومات مالية ملتوية، يمتزج فيها الهزل بالجد والحركة بالفكر ويتقاطع فيها اختراق الفضاء بمرور الزمن، فيذهب الأمر بأندرسون إلى ربط شؤون الحياة الوضيعة بمسائل ميتافزيقية، ماورائية تضفي على الشريط طابعًا سرياليًا لافتًا.

"المخطط الفينيقي".. ويس أندرسون في مفترق طرق
The Phoenician Scheme (2025)

أهمية أندرسون تكمن هنا، في طموحه اللامحدود في اقتراح نوع من السينما الجامعة، تعير اهتمامًا للقصّ وللفرجة، للمحتوى وللشكل، للشخصيات وللديكور، لتركيب الألوان وللهندسة الصوتية كل هذا على حد سواء. هذا ما يبرر استعانته بممثلين بارزين، ونجوم مضيئة في سماء الفن السابع

"المخطط الفينيقي".. ويس أندرسون في مفترق طرق
The Phoenician Scheme (2025)

ففي «المخطط الفنيقي» يلتقي بينيثيو دل تورو في دور جاجا، بميا ثريبلتون في دور ابنته، وهذه إشارة من إشارات الطرافة أي في أن ابنة مخرج تقوم بدور ابنة ممثل هي في الواقع ابنة المخرج السينمائي جيم ثريبلتون والممثلة المشهورة كايت وينسليت، كما نجد أيضًا توم هانكس ومايكل سيرا وحتى الفرنسي ماتيو املريك صديق أندرسون. تجدر الإشارة هنا إلى أن أندرسون يعيش منذ زمان بين أمريكا وفرنسا حيث تم تصوير الفيلم.

من ناحية كما ذكرنا، لم يدّخر أندرسون جهدا – كعادته- في جمع ثلة من النجوم ذائعي الصيت في عناية فائقة بآليات الفرجة، حرصًا منه على تلميع الصورة

"المخطط الفينيقي".. ويس أندرسون في مفترق طرق
The Phoenician Scheme (2025)

ولكن، من ناحية أخرى – وهذا ما يعيبه عليه بعض المتابعين، وقد يكونوا محقين في ذلك نسبيًا- تبدو السينما لعبة بين يديه، يديرها حسب أهوائه وهواجسه بطريقته الخاصّة دون أن يترك للشخصيات مجالا للتحرك بفعل سلطته المطلقة على العملية الإبداعية.

يبدو أندرسون في «المخطط الفينيقي» وكأنه في مفترق طرق لا يخلو من أخطار؛ يتميّز بدون أي شك بقدرةٌ فائقة على امتلاك الأساليب السينمائية متعرضا لقضايا حقيقية، ففي هذا الفيلم تتقاطع السياسة مع المال ورغبة لامحدودة في الجاه وما يمكن أن يتسبب فيه اجتماع تلك الشرور من عنف وكوارث. وفي نفس الوقت يلعب المخرج لعبًا مفرطًا بآليات اللغة السينمائية مهدّدًا الرسالة الاجتماعية والسياسية لعمله ومبدّدا الأبعاد الرمزية والأخلاقية للعمل الفني.

يبقى ويس أندرسون من أهم المخرجين العالميين وأكثرهم قدرة على الإبداع، كقولنا فيليني في عصر ما بعد الحداثة.

اقرأ أيضا: «F1: The Movie».. معضلة أن تصنع نفس الفيلم كل مرة ويظل ممتعًا

شارك هذا المنشور