فاصلة

مقالات

السينما… وجه آخر!

Reading Time: 4 minutes

يومًا ما، كان هناك النقاش الجدلي الذي لن يغير شيئًا، حتى بزعامة الفيلسوف الشهير جان جاك روسو في منتصف القرن الثامن عشر، حول أهمية الفنون ودورها في المجتمع، فهي لا تشق القنوات، ولا تحفر الآبار، أو تبني المصانع. كان هناك من يصرخ: «لا تبنوا المسارح، بل ابنوا السدود، ولا تنحتوا التماثيل، بل شقوا القنوات»، ولم يكن هذا لينجح مطلقًا، فما أن تهدأ الأمور، وتنسحب الحروب، ويفيض الوقت على الجميع، إلا وتظهر الفنون بشموخها المعتاد منذ آلاف السنوات! إنها قرينة الوجود البشري بلا شك.

حتى في أضيق المفاهيم التي جادل حولها الفلاسفة والمفكرون، لقد كانت منذ البدء قد ارتبطت بشكل مجدول، كما الظفائر، مع وجود الإنسان، دينيًا أو انتشاءً بالأمجاد السالفة والقيم المتوارثة، أو حتى على سبيل المتعة والتسلية والتجارة. لم يتوقف الأمر فيما بعد عند الأهمية والدور، وإنما جاوزه لحالة من التقدير المفرط… وربما التقديس! فبحسب ماكس فيبر: «يستولي الفن على وظيفة الخلاص الدنيوية، فهو يقدم الخلاص من المظاهر الرتيبة للحياة اليومية، وخصوصًا ضغوط العقلانية النظرية والعملية».

ويومًا ما، قال عنه نيتشه: «من شأن الفن أن يرفع رأسه عاليًا عندما تفقد الديانات مجالها»، ومن قبلهم، وتحديدًا ما بعد عصر النهضة، تم تقديس الفن وتحويل الفنان إلى إله أو نبي، وظهرت عبارة «الفن للفن»، كما هو عند المثاليين الألمان مثل شيلر وفيخته وأوائل الرومانتيكيين، حيث وُضع الفن بجانب الدين والفلسفة كطرق لفهم العالم.

وفي عام 1964، كان الناقد الفني البريطاني الشهير والمؤثر في هذا الحقل كلايف بيل، صاحب نظرية «الشكل الدال»، قد صرّح قائلًا: «أجد نفسي في لحظات الوجد البالغ منجرفًا إلى الاعتقاد بأن الفن قد يثبت يومًا أن فيه خلاص العالم». فيما عبّر الروائي الشهير، صاحب «زوربا اليوناني»، نيكوس كازانتزاكيس، بطريقة شعرية عن قيمة الفن، حينما قال: «أكثر من الخمرة والحب، أكثر خداعًا من الأفكار، هي قدرة الفن على إغراء الإنسان وجعله ينسى».

السينما... وجه آخر!

حسنًا… ماذا عن السينما، محور الحديث هنا؟ لاحقًا، سيظهر ذلك النقاش، الذي لم يكن لينجح هو الآخر أيضًا، في حرمان السينما تحديدًا من اعتبارها فنًا تجري عليه كل التنظيرات والجدليات التي جرت على ما سبقها من الفنون، والاعتراف بها فنًا سابعًا، كما سماها ذات يوم الناقد الفرنسي ريشيه كانود. مع أن الأمر لم يكن بهذا التسليم المطلق، حينما نازع البعض في اعتماد السينما فنًا يستحق هذه التسمية المشرفة، بكونها—كما كان يقال—تدويرًا أو اقتراضًا لما سبقها من الفنون، ولأنها ربما نشأت بشكل شعبي مبتذل، وكأنها تعبير مشوّه للفنون الجميلة السابقة من رسم ونحت ومسرح وأوبرا وغيرها.

لكن الأمر الآن لم يعد قابلًا للنقاش، ففضلًا عن السينمائيين أنفسهم، سنرى أن هناك من المنظّرين والفلاسفة من انصرفوا لقراءة السينما، وبنية الفيلم (الأنطولوجية)، ودلالاته الرمزية، وقدرة السينما الفارقة على إحداث المشاعر وتوجيه الآراء. وكما قال الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل، المتوفى عام 2018: «أعتبر أن السينما توجد في وضعية فلسفية، بكيفية واعية أو غير واعية، لأن السينما ذات طبيعة تأملية».

إذًا… نحن الآن في مطلع القرن الحادي والعشرين، ولم يعد هناك أي مجال للشك أو النقاش حول فنية السينما وأهميتها، ولذا فالسؤال الآن: ما الذي نخشاه من السينما؟

لنتفق أولًا على قوة تأثير السينما وقدرتها الكبيرة على الوصول إلى شرائح متعددة من المجتمع، في مختلف الأعمار والطبقات… إنها، بشكل ما، تعيد تشكيل الوعي، وتوجه التفكير، وتصنع الآراء! أليس هذا خطيرًا بدرجة ما، إذا ما أخذنا بالاعتبار كلامًا مثل ما يقوله المؤرخ الأمريكي البارز في مجال الإعلام، إريك بارنو: «هناك أيديولوجيا مضمرة في كل القصص الخيالية، حيث يفوق عنصر الخيال—أي المبتكر—في الأهمية العنصر الواقعي في تشكيل آراء الناس».

وعطفًا على قوة السينما في الإقناع، و«استغلال الفيلم السينمائي شيفرته السينمائية لتمرير رسالته نحو المتلقي»، كما يعبّر الناقد السيميولوجي الشهير كريستيان ميتز.

والآن، لنقل كلامًا بديهيًا معروفًا، حيث مرت السينما بعقود من الاستغلال الأيديولوجي السياسي والحزبي لصناعة بروباغاندا شوفينية ونرجسية منذ العقود الأولى من بداياتها: البلشفية الروسية، النازية الألمانية، الفاشية الإيطالية، والماوية الصينية، وبالطبع الأمريكية، التي ساهمت في توسيع الأمر إلى فضاءات أكبر، حيث التنميط العرقي.

 

وهنا، سيكفي رؤية تنظيرات الدكتور الأمريكي في دراسات الاتصال الجماهيري، جاك شاهين، الذي استقصى ما يقارب الألف فيلم حول صورة العرب في هوليوود، في كتابه «العرب الأشرار في السينما: كيف تشوّه هوليوود شعبًا»، فضلًا عن كتب أكثر شمولية، مثل «المتلاعبون بالعقول» لفانس باكارد، الصحفي الأمريكي المولود عام 1914، أو «قصص لا ترويها هوليوود»، للناقد الاجتماعي والمؤرخ الأمريكي هوارد زِن، المتوفى عام 2010، حيث يتم التوجيه في صناعة الآراء والأفكار، وتعزيز الهوس الاستهلاكي، وصناعة النجوم لتحقيق كل هذه الأهداف.

ثم لنذهب إلى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الأمر بديهيًا كما زعمت مسبقًا، فما الذي يمكن أن نخشاه من السينما؟ وهنا، علينا أن نقرّ بأن هذا الأمر ليس في كل ما تقدمه السينما، بل هناك الكثير مما هو ضد ذلك تمامًا، والعديد من الأفلام الجميلة ذات الصبغة الإنسانية والطرح الموضوعي، بقدر ما أن هناك الكثير أيضًا من الأفلام الشهيرة والشعبية تعزز لهذه الإشكالية المعروفة مسبقًا.

لكن الذي يجعل الأمر على حافة الخطر، ويزرع في نفوسنا شيئًا من الخشية والتوجس، هو ما تقدمه السينما في كثير من حالاتها، مما لا يبدو بديهيًا أو معروفًا…! وأعني بذلك أن السينما، التي تأتي من طبيعة الثقافة الغالبة، في الوقت الذي يبدو فيه «المغلوب مولعًا أبدًا بالغالب»، كما هو تعبير ابن خلدون الشهير—حينما تطرح رؤيتها تجاه الحياة والوجود، ومن ثم المجتمع والفرد، وأخيرًا المفاهيم والقيم المحتكمة، وربما حتى العلم والمعرفة—يبدأ حينها الجانب المخيف من السينما.

هل يمكن أن تقوم السينما فعليًا بتعزيز معارف علمية غير حقيقية وأطروحات جاهلة، لمجرد تمرير أجندة معينة ووفق أيديولوجيات تبشيرية؟ سيبدو موضوعًا جيدًا للحديث لاحقًا.

وإذا ما اتفقنا على خطر هذا الجانب من السينما، فلن يكون الحل، بطبيعة الحال، هو رفضها، وإنما لنقم بجهد أكبر في مجالات التحليل والنقد وقراءة الأفلام… وبجهد أكبر وأكبر في المشاركة في صناعة السينما، وتقديم أفلام تعبر عن هويتنا ورؤانا المنهجية الخاصة تجاه كل شيء… وبجهد أخير يتمثل في التنبيه ونشر الوعي حول هذا الموضوع، وهو ما حاولتُ بإيجاز أن أفعله عبر هذه المقالة.

اقرأ أيضا: «جواهر السينما العربية»: ذاكرة بصرية لهويتنا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق