فاصلة

مراجعات

«إميليا بيريز»… خلطة أوديار التي كادت تختطف كل الجوائز

Reading Time: 5 minutes

ينتمي فيلم «إميليا بيريز» للمخرج الفرنسي جاك أوديار لقائمة تمتد من الأنواع السينمائية، ففي فيلمه الذي أحاط به الكثير من الجدل، يشتغل أوديار على الميلودراما والكوميديا ودراما العصابات وأفلام الإثارة وأفلام الجريمة، وبهذا يلخص فيلمه الأحدث مسيرته كلها، مقدمًا خلطة تجمع ذلك كله، مضافًا إليها الموسيقى.  وفي ليلة الأوسكار 2025، وعلى الرغم من ترشيحه لجوائز عديدة خرج الفيلم بجائزتين اثنتين هما أفضل ممثلة مساعدة لزوي سالدانا وأفضل أغنية، وإلى جانب الجائزتين فقد الفيلم في خضم معاركه الإعلامية الكثير من الدعم الذي أهله للترشح لكافة فئات الأوسكار تقريبًا.

يعرض «إميليا بيريز» قصة مانيتا، زعيم عصابة المخدرات «الكارتل» المكسيكي الدموي القاسي، الذي يدير إمبراطوريته بقبضة من حديد، لكنه يخفي سرًا دفينًا: رغبته في أن يعيش كإمرأة. 

يقرر مانيتا بعد سنوات من إدارة منظمته الإجرامية أن يهرب من حياته السابقة ويتحول إلى إميليا بيريز. يلجأ المجرم إلى ريتا، المحامية الطموحة التي تعمل في قضايا غسيل الأموال، طالبًا مساعدتها في تحقيق هذا التحول وإخفاء هويته القديمة. تنجح ريتا في تدبير الأمر، ويتمكن مانيتا من الاختفاء تمامًا عن الأنظار ليبدأ حياته الجديدة كإمرأة. وتظهر إميليا مجددًا بعد أربع سنوات، لكنها تجد نفسها ممزقة بين هويتها الجديدة والأشباح التي تطاردها من ماضيها. فتتواصل مع ريتا مجددًا، طالبة مساعدتها في إعادة زوجتها السابقة وأولادها إلى المكسيك. 

Emilia Perez
Emilia Pérez (2024)

كثيرة هي المواضيع التي يتطرق إليها هذا الفيلم، من الفساد السياسي والجريمة وعنف الكارتلات في المكسيك، إلى العبور الجنسي. ينطلق أوديار في أعماق حروب العصابات في المكسيك أو هذا ما يبدو لنا بداية قبل أن يفاجئ جمهوره بتطويرفيلمه إلى قصة عن العابرين جنسيًا، مبتعدًا عن اللغة السينمائية المألوفة، فتعمل الموسيقى في العديد من المشاهد على تعزيز الأثر العاطفي للفيلم، وتخلق رابطًا شعوريًا مع الشخصيات وتضفي تماسكًا على السرد. يجعلنا أوديار نعيد التفكير في هذا النوع من الأفلام، حيث يدمج الأغاني مباشرة في الحبكة ضمن إيقاعات حيوية جذابة مصحوبة بتصميم رقصات ديناميكية وعصرية تدفع الحبكة دائمًا إلى الأمام وتدعم المزاج العام وتعطي لمحة عن كيان الشخصيات الداخلي.

يمزج المخرج بين العناصر الفنية للعرض الموسيقي والواقع القاتم لحرب المخدرات ببراعة هائلة. والغ

ريب أن هذه العناصر المتناقضة لا تتعارض مع بعضها البعض لأن المخرج يخلق منها شيئًا متجانسًا بمجرد أن تعتاد على مزجه لهذه الأساليب. 

تعكس الأغاني وتصميم الرقصات جوانب من ثقافة إيميليا وهويتها الشخصية، مما يخلق جوًا حيويًا وفريدًا يثري السرد. تعزز الطبيعة الاحتفالية لهذه التسلسلات من رسالة الفيلم حول التعبير عن الذات والفردية، وتصور تحول إميليا على أنه انتصار شخصي وفعل تحدٍ للمعايير المجتمعية.

على سبيل المثال، تخوض المحامية ريتا عندما تبحث عن عيادة مناسبة لمانيتا من أجل إجراء الجراحة المطلوبة نقاشًا مع الدكتور واسرمان حول التعقيدات الأخلاقية لهذا القرار، لينتقل المشهد بسلاسة إلى استعراض غنائي. تضيف هذه الفواصل الموسيقية زخمًا عاطفيًا للفيلم، مما يمنحه بعدًا شعريًا مكثفًا. وفي الوقت ذاته، ينجح أوديار في تحقيق توازن دقيق بين الدراما والنقد الاجتماعي، مستخدمًا مشاهد الرقص كأداة بصرية للتنديد بالفساد والظلم.

إميليا بيريز
Emilia Pérez (2024)

يعكس أوديار من خلال المزج بين دراما الجريمة والاستعراض الموسيقي، الصراع الداخلي لإميليا، حيث يصبح كل مشهد غنائي نافذة إلى عقلها المضطرب وماضيها المعقد. وكما تتنقل إميليا بين القوة والضعف، يتأرجح الفيلم بين التوتر والخفة، مما يمنحه طابعًا فريدًا يجمع بين العنف واللحظات الغنائية التعبيرية. لا تأتي هذه الفواصل الموسيقية كعنصر تزييني، بل كوسيلة تكشف عن أبعاد الشخصية وتحولاتها العاطفية. 

إميليا بيريز
Emilia Pérez (2024)

يتنقل السرد في «إميليا بيريز» بسلاسة بين دراما العصابات والفكاهة السوداء في مشاهد عدة، مضيفًا عمقًا عاطفيًا لشخصياته. تقدم كارلا صوفيا غاسكون أداءً متميزًا في دور إميليا وكذلك في دور زعيم كارتل المخدرات. وجاسكون بالمناسبة هي ممثلة عابرة جنسيًا ترشحت لجائزة الأوسكار كأفضل ممثلة، وكانت الجائزة شبه مضمونة لها إلا أن أثارت تعليقات قديمة كتبتها في حسابها على تويتر (إكس) الغضب تجاه آرائها المتعصبة ضد المسلمين.

جسدت غاسكون شخصية معقدة تحمل ثقل ماضيها بقدر ما تحلم بمستقبل مختلف، وهو ما يشكل جوهر الحبكة التي تدور حول الصراع بين الفكاك من الماضي واحتضان الذات الجديدة. ورغم أن الفيلم يضع امرأة عابرة جنسيًا في قلب أحداثه، إلا أن إميليا بيريز لا ينشغل بمناقشة قضايا الجندر بشكل مباشر أو الترويج لأفكار تتصل بسياسات الهوية. فأوديار، قبل كل شيء، مهتم بفن السرد السينمائي أكثر من انشغاله بتقديم رسائل سياسية.

إميليا بيريز
Emilia Pérez (2024)

قصة إميليا بيريز تتجاوز حدود شخصيتها، فهي قصة خلاص تتردد أصداؤها عالميًا—خلاص لا يقتصر على الهروب من قوى خارجية، بل يمتد إلى معركة داخلية مع الذات. تحول إميليا لا يُختزل في بُعده الجسدي، بل يمثل استعادة رمزية للحرية والهوية، وتمردًا على القيود التي فرضها عليها ماضيها العنيف والمعايير المجتمعية الصارمة.

على مستوى أعمق، يدعو الفيلم جمهوره إلى التأمل في أسئلة وجودية تتجاوز حدود القصة: كيف يمكننا التوفيق بين ماضينا ومستقبلنا؟ كيف نحتضن التجدد بينما لا تزال أشباح ما كنّا عليه تطاردنا؟ من خلال رحلتها، تتحول إميليا إلى أكثر من مجرد شخصية؛ إنها استعارة لأولئك الذين يسعون لإعادة تعريف أنفسهم في عالم يفضل التصنيف السريع والإدانة القاسية.

لا يكتفي أوديار في تقديم إميليا بيريز بسرد قصة فحسب، بل يطرح أسئلة حول الهوية والتحول والقبول المجتمعي. ما الذي يتطلبه الابتعاد عن حياة غارقة في العنف والسلطة؟ ماذا يعني أن تختار نفسك على توقعات الآخرين؟ 

Emilia Pérez (2024)
Emilia Pérez (2024)

يحاكي التحول في إيميليا، رحلات العديد من أبطال أوديار السابقين، مثل مالك في فيلم «نبي»، الذي عكس صعوده في التسلسل الهرمي للسجن عملية إعادة تجديد شخصيته، وشخصيات فيلم «ذيبان»، الذين تبنوا هويات جديدة كلاجئين ليتركوا وراءهم صدمة الحرب. وبالمثل، فإن رحلة إيميليا مليئة بموضوعات التجديد والخلاص والجاذبية التي لا مفر منها لماضي المرء.

نادرًا ما يكون أبطال أوديار أبطالًا أو أشرارًا بسطاء؛ فهم أفراد معقدون للغاية، يعيشون حالة من الغموض الأخلاقي. إميليا ليست استثناءً. وبصفتها زعيمة كارتل سابقة، فهي تحمل ثقل خياراتها السابقة، ومع ذلك يتم تصوير تحولها على أنه فعل تحرر وتحقيق للذات. تخلق هذه الازدواجية توترًا مقنعًا، وتدعو الجمهور إلى التعاطف مع شخصية تجسد القوة والضعف في آن واحد. لا يتحدى تحول إيميليا هويتها الخاصة فحسب، بل يتحدى أيضًا هياكل السلطة المجتمعية، مرددًا ديناميكيات السلطة المعقدة التي استكشفها أوديار في فيلم «نبي» و«الصدأ والعظام».

رغم الابتكار والجرأة التي يتمتع بها فيلم «إميليا بيريز»، إلا أنه لا يخلو من بعض نقاط الضعف. يصبح السرد مع وصول الفيلم إلى فصله الثالث، أكثر تقليدية مقارنة ببدايته المتمردة، حيث تتقلص الجرأة البصرية والموسيقية لصالح مشاهد درامية أكثر نمطية، تعطي الأولوية للحلول العاطفية على حساب تعقيد الصراعات. كذلك، تتراجع الإيقاعات الموسيقية التي كانت جزءًا أساسيًا من السرد، لتحل محلها عناصر الإثارة والميلودراما المعتادة، مما يخفف من الأثر العاطفي للفيلم. بالإضافة إلى ذلك، يبدو تعدد الموضوعات أحيانًا عبئًا على الحبكة، إذ تُترك بعض الخيوط السردية دون معالجة كاملة. ومع ذلك، تظل التجربة السينمائية استثنائية بفضل القوة الإبداعية التي تهيمن على النصف الأول من الفيلم، والتي تترك انطباعًا قويًا لدى المشاهد رغم التنازلات السردية في النهاية.

اقرأ أيضا: جاك أوديار يجدّد شبابه مع «إميليا بيريز»

شارك هذا المنشور