في لحظة مهمة بمهرجان برلين السينمائي الدولي، وقفت المخرجة الكندية ليزلي لوكسي تشان على المسرح لتتسلم جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم قصير عن فيلمها Lloyd Wong, Unfinished، وهو عمل يوثق رحلة استعادة مشروع سينمائي غير مكتمل للمخرج والناشط الراحل لويد وونغ. الفيلم ليس مجرد استعادة لفيلم ضائع، بل هو محاولة لإعادة إحياء صوت شخص لم تتح له الفرصة لإنهاء قصته.
تقول تشان عن تجربتها مع الفيلم: «عندما رأيت لقطات لويد وونغ لأول مرة، شعرت وكأنني وجدت صندوقًا مليئًا بالرسائل غير المفتوحة. كانت هناك مشاعر حقيقية، ولقطات خامة غير مصقولة، لكنها تحمل في داخلها صوته، أفكاره، وألمه. لم يكن مجرد مشروع سينمائي متوقف، بل حياة لم تُستكمل، ورسالة لم تصل».

وتضيف أن رحلة العمل على الفيلم امتدت لأربع سنوات، لم تكن مجرد تجربة بحثية أو إخراجية، بل كانت غوصًا عميقًا في ذاكرة رجل عاش في الظل ورحل قبل أن يُنهي روايته الخاصة.
تعود بداية المشروع إلى رسالة غير متوقعة وصلتها من الفنانين جون غريسون وريتشارد فونغ، أبلغاها فيها بالعثور على اللقطات الأصلية التي كان وونغ يصورها لبرنامج Toronto Living with AIDS في أوائل التسعينيات، لكنه رحل قبل إتمامه. تتذكر تلك اللحظة قائلة: «لم أتردد لحظة. شعرت أنه شرف عظيم أن يُوكل إليّ العمل على هذه المادة، لكن مع مرور الوقت أدركت أن الأمر ليس مجرد استعادة تقنية، بل حوار بيني وبين شخص لم أقابله من قبل، لكنني بدأت أتعرف عليه من خلال صوره وكلماته غير المكتملة».
كان التعامل مع هذه اللقطات تجربة مليئة بالمشاعر والتحديات، تقول المخرجة “في البداية، كنت أظن أن دوري هو ترميم وتحسين المادة، لكن سرعان ما أدركت أن هذه اللقطات لا تحتاج إلى تنقيح، بل إلى الاستماع. كانت خامة غير مصقولة، أصوات متداخلة، صور غير مرتبة، لكنها كانت تحمل حقيقتها كما هي. لم أرغب في «إكمال» ما بدأه وونغ، بل أردت أن أفتح المجال لحواره مع الحاضر، أن أجعل صوته يُسمع كما هو، دون محاولة إعادة تشكيله وفق منظور جديد».

عند سؤالها عما إذا كانت تعتبر وونغ مخرجًا مشاركًا للفيلم، تجيب بحزم: «بالطبع. لم يكن بإمكاني صناعة هذا الفيلم لولا رؤيته الأصلية. لقد صنع هو المادة الأولية، وأنا قمت بمحاولة ترجمة صوته إلى الحاضر. بطريقة ما، أشعر وكأنني تعاونت مع روحه، وكأننا نعمل معًا عبر الزمن. هذا الفيلم ليس مجرد إعادة بناء، بل هو لقاء بين شخصين، أحدهما حاضر بجسده والآخر حاضر بصوته وذكراه».
تقول المخرجة الشابة «التحدي الأكبر لم يكن فقط في تجميع المادة، بل في فهم طبيعة الذكرى نفسها. خلال بحثي، استمعت إلى العديد من الأشخاص الذين عرفوا لويد وونغ، وكل شخص كان لديه ذكرى مختلفة عنه. أحيانًا كانت الذكريات متناقضة، وأحيانًا كانت مليئة بالفراغات. في البداية، كنت أعتقد أن مهمتي هي العثور على «القصة الحقيقية»، لكن لاحقًا أدركت أن الحقيقة ليست نسخة واحدة، بل هي مجموعة من وجهات النظر التي تكمل بعضها البعض. لذلك، قررت أن أترك كل جزء من القصة يتحدث بطريقته الخاصة. حتى ملاحظاتي البحثية ظهرت في الفيلم بشكل غير منظم، كطريقة للتعبير عن أن فهمنا لشخص ما لا يكون أبدًا نهائيًا».
كان العمل على الفيلم تجربة شخصية عميقة أيضًا. «كنت أعمل عليه في عطلات نهاية الأسبوع فقط، لأنني كنت أعمل بوظيفة أخرى خلال الأسبوع. لكنني لاحظت أن هذا أيضًا كان حال وونغ. كان يعمل لدعم الآخرين، وكان يكافح لإيجاد وقت لمشاريعه الخاصة. ربما بطريقة غير مباشرة، هذا الفيلم هو طريقة لي ولويد وونغ لدعم بعضنا البعض، حتى بعد عقود من رحيله».

عند الحديث عن البعد السياسي والاجتماعي للفيلم، تؤكد تشان أن هذا العمل ليس مجرد توثيق، بل هو فعل مقاومة. «هذا الفيلم يعيد تسليط الضوء على تجربة نادرًا ما نراها في السرديات السائدة حول أزمة الإيدز – تجربة رجل صيني-كندي مثلي الجنس في التسعينيات. تاريخ الإيدز مليء بأصوات لم تُسمع، وتذكر هذه القصص هو فعل مقاومة. التذكر نفسه هو شكل من أشكال النضال».
على المستوى البصري، استلهمت تشان أسلوب وونغ نفسه، خاصة في استخدامه للخلفيات الخضراء green screen، حيث كان يضع نفسه داخل سياقات مختلفة لإعادة تشكيل صورته بنفسه. «أردت أن أواصل هذا الحوار البصري، فوضعت صوره بجانب بعضها البعض بتقنية الشاشة المنقسمة split screen، كما لو أنه ينظر إلى نفسه عبر الزمن. أردت أن أطرح سؤالاً: ماذا يعني أن نُرى بشروطنا الخاصة، وليس من خلال عدسة الآخرين؟».

بعد عرض الفيلم، فوجئت المخرجة بكمية التفاعل الذي تلقاه. «كان هناك أشخاص جاؤوا لي بعد العرض وقالوا إنهم شعروا وكأنهم يعرفون لويد وونغ شخصيًا، رغم أنهم لم يسمعوا عنه من قبل. هذا أكبر دليل على قوة الصورة، وعلى أن الذكرى يمكن أن تعبر الزمن إذا وجدنا الطريقة الصحيحة لسردها».
عند سؤالها عن اللحظة التي سمعت فيها اسم فيلمها يُعلن كفائز بجائزة الدب الذهبي، ابتسمت وقالت: «كان شعورًا لا يُوصف. شعرت أن لويد وونغ كان معي في تلك اللحظة، وأن صوته قد وصل أخيرًا».