فاصلة

مقالات

إريك رومير… سر سينماه في عيني الناظر

Reading Time: 8 minutes

إذا كان لفيلليني قدرة على أن يلقي بي في حضن إيطاليا الدافئ، فإن إريك رومير شرّع أمامي دروب فرنسا الملتوية. لا سينمائي ارتبط في وجداني ببلد وثقافة ونمط حياة (ولغة…)، مثلما كانت الحال مع رومير (1910 – 2010). إلى درجة أنه عندما طُلب إليّ أن أشارك في كتابة بورتريه لسينمائي(ة) ضمن هذا الملف، أُصبت بحيرة، قبل أن يلمع في رأسي فجأةً وكأمر بديهي، هذا الاسم الكبير الذي صنع جزءًا لا يُستهان به من مجد السينما الفرنسية طوال الشق الثاني من القرن العشرين، خصوصًا أن هذا العام هو الذكرى الخامسة عشرة على رحيله. 

في منتصف التسعينات، كنت في ذروة اندهاشي بالسينما، وقد أتاح لي نادي السينما في المركز الثقافي الفرنسي البيروتي، مساء كلّ أربعاء، التعرف إلى فيلم فرنسي. وهكذا، ذات أربعاء، وجدتُ نفسي أمام أحد فصول حكايات رومير الأخلاقية. أنا الخارج لتوي من المراهقة، لم تكن السينما الفرنسية وشلّة «الموجة الجديدة» غرباء عني، لكن رومير كان يختلف عنهم باستقلاليته المعلنة والصريحة. لم يكن تروفويًا في شغفه ولا غوداريًا في انقلابيته ولا شابروليًا في لؤمه، إنما حالة خاصة على طول الخط. أتذكّر أنني أمضيتُ الأسابيع اللاحقة وأنا أبحثُ عن معلومة تخص رومير مهما تكن صغيرة وهامشية. كان البحث في تلك الأيام قبل ظهور الإنترنت يحتاج إلى أكثر من نقرة على مفاتيح الكومبيوتر. 

إريك رومير
إريك رومير

هكذا اكتشفتُ بعضًا من أهم أفلامه: «ليلتي عند مود» (الذي أطلقه)، «ركبة كلير»، «الحبّ بعد الظهر»، «بولين على الشاطئ»، «الشعاع الأخضر»، «ليالي اكتمال القمر»، وغيرها من التنويعات السينمائية التي أعود إليها دائمًا ببهجة لا تُضاهى، وباكتشاف متجدد لتفاصيل لم أعِ وجودها في المرات السابقة. 

مشاهدة رومير في العشرين ليست كمشاهدته في الأربعين، وعلى الأرجح لن تكون كما في الستين والسبعين والثمانين، ذلك أن العلاقات الإنسانية المعقّدة هي في صميم عمله، يدور في فلكها باستمرار. مع الإصرار على أن هناك ما لن تفهمه أبدًا، حتى بعد تجربة عيش طويلة، لأن رومير هو أولًا وأخيرًا فنّان الغموض والحياة التي لا تسلّم كلّ مفاتيحها.

إريك رومير
Ma nuit chez Maud (1969)

ما إن نتحدّث عن رومير، حتى تدهم الذاكرة العديد من المشاهد والمواقف، لكن تبقى الحوارات هي السبّاقة دائمًا. فالكلام في أفلامه فنٌّ في ذاته، عنصر درامي يجعل الأحداث تتطور، لا بل لا يقل ديناميكية عن أي مشهد أكشن في فيلم أميركي، مع الفرق أن هناك في حالته اعتمادًا كاملًا على المُخيلة. ينبغي أن نعود إلى بداياته كي نفهم من أين يأتي هذا الاعتناء بالكلام. فهذا الذي بدأ حياته كمدرس أدب، كان كاتباً لم يفلح في الرواية فاستعاض عنها بالسينما. استعاضها بالكلمة التي تأسر وتحرر، التي تبني وتهدم، التي تمنح الحياة وتأخذها. الكلمة بكامل حسيتها وسطوتها. تلك التي لا تختلف في شيء عن طلقة رصاص، إذا خرجت لا تعود. ألا تستحق الكلمة التي تحفل بها حياتنا، التفاتة من هذا المعلّم السينمائي؟

رومير الذي جذب جمهورًا يعشق الماريفوداجية (من ماريفو، كاتب فرنسي شهير شُبِّه به رومير)، لم يعتبر الأدب والسينما مجالين متعارضين، ولم ير في الكلمة والصورة نقيضين. حاول كسر المقولة الباهتة أن السينما صورة والأفلام التي يكثر فيها الكلام ليست سوى إذاعة مصوّرة. أكّد العكس، خصوصًا أن الشاشة تضرب جذورها في المسرح، ولا يوجد فنّ يشبه أحدهما الآخر كالسينما والمسرح. والمفارقة أنه لولا فشله في الكتابة لما أصبح سينمائيًا. أما روايته التي رفضها الناشر بعد فشل الأولى، فتحوّلت إلى مسودة لأفلامه.

اشتغل رومير على السيناريو كمَن يكتب رواية بوليسية حيث ينكشف اللغز منذ الصفحات الأولى، بيد أنه استبدل الجريمة بالحبّ، والجريمة هنا هي القدر الذي يجمع شخصين ليفرقهما، ثم يعيدهما، أحدهما إلى الآخر، قبل أن يباعد بينهما مجددًا. شخصياته لم تكن تنتظر اللقاء، لكنها تجد نفسها في وسطه بلا تخطيط، وكأن المصادفة هي العنصر الحاسم في لعبة الحياة. المفارقة أن أفلامه، التي تقوم على الحوار، كانت تُرينا في الوقت نفسه عجز الشخصيات عن التواصل. فكلما زادت الكلمات، زاد الصمت الكامن خلفها. رومير هو سينمائي اللقاء والتواصل، لكنه أيضًا سينمائي الفراغ خلف هذا التواصل.

إريك رومير
Le genou de Claire (1970)

عانى رومير الذي نشأ في عائلة تقليدية، من خجل مرضي جعله منطويًا على ذاته ويعمل في الصمت. لا نعرف الكثير عن حياته الشخصية. توفيت أمّه من دون أن يخبرها أنه كان ينجز الأفلام. كانت تعتقده مدرّسًا. أعتقد رومير أن انخراطه في السينما سيحزن أمه حدّ الموت، إلى درجة أنه كان يتنكّر عندما يخرج في الأماكن العامة. لم يعش حياة صاخبة، لم يدخّن ولم يخرج ولم يقم علاقات جنسية، ومع ذلك أصبح واحدًا من أهم مَن تحدّثوا عن الحياة، بقدرته على الاستحضار والاستعانة. الفنّان المديوكر ينقل الواقع أو ينسخه. الكبير يتخيّله!

رومير هو السينمائي المؤلّف بالمفهوم الفرنسي الخالص، وعرف التكريس مع «ليلتي عند مود»، وهو على مشارف الخمسين، خلافًا لزملائه في «الموجة الجديدة» مثل كلود شابرول وجان لوك غودار وفرنسوا تروفو وغيرهم الذي كانوا يصغرونه سنًّا. رغم كونه من أبرز أركان هذه الحركة، كان يختلف عن البقية باعتباره الأكثر ثقافةً والأقل ارتيادًا للصالات السينمائية في بداية حياته المهنية. لم يهرب من المدرسة للتسلل إلى الصالات كما حال تروفو. يتردد أنه بين الخامسة والعاشرة، لم يشاهد سوى فيلم واحد: «بن هور» في نسخته الصامتة. أما بين العاشرة والسابعة عشرة، فتفرج على فيلمين ناطقين فقط. فضّل الأدب والمسرح منذ الصغر. لكنه عوّض عمّا فاته بعد بلوغه الخامسة والعشرين، عندما بدأ يرتاد السينماتيك الفرنسية حيث اكتشف الكلاسيكيات الصامتة، من غريفيث ومورناو وأيزنشتاين، بالإضافة إلى روائع كيتون وتشابلن. مفارقة لا بد من الإشارة إليها: اختلاف سينماه على نحو جذري عن السينما الصامتة التي تتلمذ عليها. هذا كله أوصله إلى أن يصبح مسؤولًا عن برنامج أحد نوادي السينما.

Ma nuit chez Maud (1969)
Ma nuit chez Maud (1969)

أول مقال لرومير كان في عنوان «السينما، فنّ المساحة». لكن لقاءه بأندره بازان في منتصف الخمسينات سيكون بمثابة نقطة تحوّل حاسمة، إذ سمح له بأن يأخذ الكتابة على محمل الجد، ليترأس لاحقًا مجلّة «دفاتر السينما»، التي أصبحت المطبخ الحقيقي لـ«الموجة الجديدة». دافع على صفحاتها عن هيتشكوك الذي لم تكن له المكانة التي أخذها لاحقاً (ألّف عنه أول كتاب صدر في فرنسا بالتعاون مع شابرول). اشتهر أيضًا بوقوفه ضد الشيوعيين. 

لم يكن رومير ثائرًا، بل أراد لفرنسا أن تبقى مملكة. حتى في مجال النقد، سعى إلى تخفيف حدية النقّاد الشباب ضد الجيل السابق. في النهاية، فتح له النقد أبواب الإخراج السينمائي. كلّ أفكاره الممعنة في الحفاظ على الإرث والتقليد، لم تمنعه من خوض غمار التحديث والتجريب. الجديد والقديم تقاطعا بشكل غير مسبوق عند هذا الرجل والفنّان الاستثنائي.

بعد باكورته الروائية الطويلة، «رمز الأسد» (1959)، الذي شهد مشاكل كثيرة خلال تحضيره، انطلق رومير في أعمال تميزت بطابع شخصي، ليتوسّع بعدها مع «ليلتي عند مود»، حيث أتاح لجمهور أكبر الدخول إلى عالمه السينمائي، وهو الشيء الذي كان بعيدًا من حساباته في بداياته. هذا العمل أرسى بنفسه نموذجًا حقيقيًا لفيلم المؤلف، حيث المخرج صاحب القرار الأول والأخير، مسؤولًا عن كلّ الخيارات الجمالية.

إريك رومير
l’amour l’après midi (1972)

من خلال 24 فيلمًا روائيًا طويلًا، عمل رومير على تطوير مجموعة حكايات، بدأها في الستينات. بلغت هذه الحكايات، في النهاية، ستّة أفلام ضمن سلسلة «حكايات أخلاقية»، مع العدد نفسه في سلسلة «كوميديات وأقاويل» التي أطلقها في الثمانينات. أما «حكايات المواسم الأربعة» التي أنجزها في التسعينات، فقد توقّفت عند أربعة أفلام.

وجد رومير أسلوبه ومتعته وهواجسه في متابعة حياة الناس وتفاصيلها، لا سيما في محيطه الفرنسي الذي راقبه ووثّقه وأفلمه كما لا أحد، مطوّرًا تلك النزعة إلى النميمة والشؤون الجانبية والهمسات التي تنبض داخل الغرف المغلقة. نبذ القضايا، لم يركب موجات، راقب العالم بدلًا من محاولة تغييره. أفلامه سياسية بقدر ما الحياة بطبعها مسيسة. مد نصوصه برؤية بيداغوجية باطنية تأتي من مهنته الأولى كمدرّس. اعتُبر «صاحب سرّ»، وهذا ما جعله عصيًا على التقليد. قال بارادجانوف: «من يقلّدني ينتهي». هذه المقولة تنطبق على رومير أيضًا. ومع ذلك، قُلَِد كثيرًا، لكن التقليد ظل باهتًا. آخرون، مثل الكوري الجنوبي هونغ سانغ سو، استلهموا منه.

Pauline à la plage (1983)
Pauline à la plage (1983)

هذا الذي نشأ في عائلة كاثوليكية محافظة، نصوصه حفرٌ لا ينتهي في مواضيع الحبّ والاعجاب والمصادفات والأقدار المخبأة، والعلاقات التي قد لا تؤدّي إلى شيء، وهذا أجمل ما فيها، لأنها تترك أبوابًا مشرعة على المجهول والممكن. قد يكون هذا تبسيطًا مفرطًا لوصف ما هو عليه رومير في الحقيقة، لكنه خلاصة معقولة. أما الجمهور الذي غرق في بلاغته من فيلم إلى فيلم، فكان يغادر الصالة وهو يحمل في قلبه شعورًا بالزهو، أشبه باحتساء كأس من النبيذ الأحمر الفرنسي.

بيد أن أهمية رومير ليس فقط في ما يقوله بصراحة، بل في ما لا يقوله أو يوحي به تلميحًا وتغميزًا. سينماه حمّالة أوجه تنطوي على تناقضات، كما الحال في أي فنّ يبتعد عن القراءات غير الأحادية. لطالما لجأت شخصياته إلى التصريح بما في أعماقها، وكأن الامتحان الذي تواجهه هو اختبار الصراحة والبوح. الكاميرا، في يد رومير، إنما أداة لنبش الأرواح في سعي متواصل لكشف هواجس المجتمع الفرنسي التي كان يتستّر على شؤون القلب والعواطف. هذا كله في الوقت الذي كانت المبادئ تتآكل من الداخل. حرص رومير على «محاكمة» الزمن الذي عاش فيه. لم يمشِ معه «على العمياني».

إريك رومير
Les nuits de la pleine lune (1984)

في بعض الأحيان، اقتربت لغته من لغة المسرح، حيث الكاميرا ثابتة والمشاهد ستاتيكية. بهذه العناصر الـ«أنتي» سينمائية، على مستوى قلّة الأحداث وحضور حفنة من الشخصيات التي تقف قبالة الكاميرا، فرض نفسه معلّمًا تنويريًا وفيلسوفًا يروي الشرط الإنساني طولًا وعرضًا. وإذا كان لا بد من وصف أسلوبه، فهو كان أسلوبًا نقيًّا وكلاسيكيًا. أما تحليله الضمني للشخصيات والظروف، فهادئ وهادف. في حين مقاربته تأرجحت بين النظرية والرغبة في إثارة الإعجاب.

ما يميز هذا الأسلوب المطعَّم بالسخرية والحتمية والتحليل النفسي، هو وقوفه على الضفّة المقابلة لأي تيار أو موضة سينمائية. بل ويمكن القول إنه انتهج اهمالًا مقصودًا للواقعية. مع دائمًا، تلك الخفّة التي تحوم في الأجواء والتي تجعلنا على يقين أن لا شيء خطيرًا سيحدث. تخدير العاطفة هو ما يتشاركه العديد من أفلامه.

إريك رومير
Le rayon vert (1986)

أحد الأشياء التي تكررت في أفلامه، وأحيانًا عادت عليه بنتائج عكسية: تجنّب لمس الجسد. وكأن الجسد بالنسبة إليه معبد الروح ومنبع الكلام. لكن من الضروري ألا نتوهّم. فخلف هذا التحفّظ انحراف متستّر، ولكنه انحراف تحتاجه السينما. أفلامه حفلت بوجوه ممثّلين وممثّلات في عمر الورد، وقد ساهم في إطلاق معظمهم، وطبعًا نجد في صدارة هؤلاء الكبير فابريس لوكيني. أحسن رومير كما لا أحد، تصوير الشباب والطيش وطزاجة التجربة.

في مقابلة، صرح: «إني أصوّر لأني لا أرسم ولا أكتب». مع أن الكثير من أفلامه رسومات وكتابات، مرسومة بالأحاسيس المتستّرة ومكتوبة بالأضواء الخافتة. قيل الكثير عن دوران أفلامه على نفسها، وعن تطوير حسّ لصغائر الأمور، وعن مقاربة لشؤون القلب وأسراره، وهي مقاربة لا تجد في الضرورة صدى لها في ثقافات أخرى. ما جعل البعض ينبذه، هو نفسه ما جعلنا نحبّه. كلّ هذه «الاتهامات» طبعت أسلوب فنّان استطاع «عولمة» قصّة لا يميزها الكثير، تجري بين شخصين لا يميزهم الكثير، لأن سر سينماه في عيني الناظر.

إريك رومير خلال التصوير
إريك رومير خلال التصوير

هكذا طوّر رومير سينما تسيطر عليها الهواجس، ومحورها كثيرًا ما يكون قلبًا يتأرجح بين الخضوع للإغواء أو الوفاء. صحيح أن رومير هو جانر سينمائي في ذاته، وهناك صفة مستمدة من اسمه، لكنه لم يكن نوعًا مغلقًا على ذاته، بل متنوعًا: كوميديا ورومنسيات وتاريخ، إلخ. صوّر القوة مثلما صوّر الهشاشة، موضع كاميراه في شوارع العاصمة كما حطّها في الأرياف، اخترق الجدران كما اكتفى بمقعد في حديقة عامة. ديكوره متحرك لا يركن إلى مكان وبقعة، بطله الطبيعة البشرية، وحكاياته البحث الدائم عن منبت المشاعر الإنسانية.

اقرأ أيضا: أسبوع المخرجين: نظرة نقدية

شارك هذا المنشور

أضف تعليق