فاصلة

مراجعات

«أسلحة» زاك كريغر… الفيلم الأكثر جنونًا

Reading Time: 4 minutes

لا يكمن الرعب في «أسلحة» (2025، «Weapons»)، في قلاع مسكونة أو وحوش تخرج من وراء القبور، بل في اختفاء أو حالات اختفاء متعددة، حدث جميعها في وقت واحد. لذا، بدلًا من عرض الرعب مباشرة، يبني الفيلم جوًا يبدو فيه كلّ شيء طبيعيًا، إلى أن يختفي هذا تمامًا. 

افتتاحية الفيلم رقيقة، تكاد تكون صامتة، لكن منذ لحظاته الأولى، ينقل شعورًا مستمرًا بالقلق. لا صراخ، ولا ظلال، ولا خضات مفاجئة. مجرد أطفال يمشون بصمت عند الفجر. المقلق تحديدًا هو عدم وجود تفسير، ولا نعرف لماذا يفعلون ذلك، أو إلى أين يذهبون. 

لا نراهم إلا يعبرون حدائق، مسترشدين بمنطق لا نفهمه. تلك الإيماءة البسيطة، التي تبدو بلا معنى، كافية لإثارة قلقنا. لا يسارع الفيلم إلى توضيح أي شيء (لبعض الوقت)، وهذا يصبّ في مصلحته (لساعة تقريبًا)، تكمن قوته في ذلك التوتر الذي يتصاعد ببطء، في إمكانية أن أكثر الأشياء رعبًا لا تحتاج إلى عرض، بل مجرد إيحاء.

«أسلحة» زاك كريغر... الفيلم الأكثر جنونًا
Weapons (2025)

كان الكثير من محبي الممثل والمخرج زاك كريغر، ينتظرون بفارغ الصبر ما سيفعله بعد فيلمه «همجي» (2022، «Barbarian»)، ليأتي فيلمه الجديد «أسلحة» أكثر طموحًا، وتعقيدًا، وجنونًا، ونعم، أكثر إثارة، تصديقًا على جرأته وإبداعه ونزواته السينمائية التي لا يُستهان بها. 

يجمع كريغر في «أسلحة» سردًا جماعيًا (ومجزأ) في منتصف الطريق بين فيلم «ماغنوليا» (1999، «Magnolia») لبول توماس أندرسون، بصدمة مشتركة، وفيلم إثارة نفسية بلمسات من سخرية ورعب الضواحي، وأجواء تتأرجح بين كروننبرغ ودوني فيلنوف. يدور الفيلم حول حدث لم يُكشف عنه بالكامل، لكن ظلّه كثيف، إلى درجة أنه يبدو وكأنه يبتلع كلّ شيء.

يبدأ الفيلم كمزيج من فيلم «Gone Girl» (2014)، لديفيد فينشر، وسلسلة «The Leftovers»، وفيلم «It» (2017) لأندريس موسكيتي، الذي يُشبه عالم ستيفين كينغ والقصص الخيالية المظلمة للأخوين غريم. 

في بلدة كايبروك بولايو بنسلفانيا، يغادر 17 طفلا منازلهم في الساعة 2:17 صباحًا ويختفون. جمعهم زملاء دراسة في نفس الفصل. الشخص الوحيد الباقي من الفصل هو فتى خجول يُدعى أليكس ليلي (كاري كريستوفر)، تستجوبه الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي، يتحققان من كلّ دليل محتمل، ويراجع الوالدان الصور التي التقطتها كاميرات المراقبة، لكن الحقيقة هي أن جميع الأطفال غادروا بمفردهم. تصبح معلّمة الفصل جاستين غاندي (جوليا غارنر) كبش فداء، يتهمها الجميع، يُهينها، وينتهي الأمر بمهاجمتها بطرق مختلفة (حتى كتابة كلمة «ساحرة» على سيارتها). 

هذه البداية الأقرب إلى الإثارة النفسية، سوف تتحول مع تقدّم السرد وتكشّف قصة الاختفاء تدريجيًا إلى فيلم أكثر تطرفًا وعنفًا وغموضًا، ويصل إلى الهذيان، مع الإفراط في الدماء والكوميديا الأكثر ابتذالًا.

«أسلحة» زاك كريغر... الفيلم الأكثر جنونًا
Weapons (2025)

يُروى فيلم «أسلحة»، من وجهات نظر مختلفة، ومواقف تتكرّر أو تتقاطع أحيانًا، ويحتوي على أجزاء تحمل أسماء الشخصيات، ليست فقط تلك المخصصة لجاستين وأليكس، بل أيضًا لأرتشر غراف (جوش برولين)، والد أحد الأطفال المفقودين. 

ماركوس (بينيديكت وونغ)، مدير المدرسة، وبول (ألدن إهرينايش)، ضابط شرطة متزوج وعلى علاقة غرامية مع جاستين، وجيمس (أوستن أبرامز)، مدمن مخدرات يبدو دائمًا أنه في المكان الخطأ. لا داعي للإفصاح عن الكثير، ولكن في لحظة ما، تقتحم غلاديس (آمي ماديغان)، عمّة أليكس الصغير، ذات الشخصية القوية، والغامضة، والجذابة المشهد فجأة.

بعد الحيرة الأولية، يبدأ «أسلحة» بكشف بنيته كما لو كان عملًا جماعيًا، حيث تساهم كلّ قصة بشيء مميز ولكن مثير للقلق بنفس القدر.

«أسلحة» زاك كريغر... الفيلم الأكثر جنونًا
Weapons (2025)

 بدلًا من الترميز على شخصية واحدة أو خط زمني واحد، يختار كريغر سردًا مجزأً. لكّل شخصية ردّ فعلها الخاص، وصدمتها الخاصة، وهذا التنوع في وجهات النظر يعمّق اللغز، والنتيجة هي شعور بالفوضى المنظّمة. 

ومع تراكم المشاهد، يزداد الانزعاج، لأن الغرابة تتكرر بوجوه مختلفة. بدلًا من التركيز فقط على لغز الاختفاء، يُكرّس الفيلم جلّ اهتمامه للشخصيات المتبقية. لا شخصية بطولية هنا، ولا أبرياء تمامًا. يبدو كلّ البالغين المحيطين بالحدث مُثقلين بالذنب والشك، كما لو أن لديهم جميعًا ما يُخفونه.

وهكذا بتلاعب الفيلم بالمشاهد، ليس فقط من الناحية السردية، مع تحولات وجهات النظر، والنبرة، وحتى النوع، ولكن أيضًا من الناحية العاطفية. لأنه عندما تشعر بالانزعاج، تشعر بالحرية. 

وعندما لا تشعر بالحيرة، تضحك، ولكن مع شعور بالذنب، كما لو كان هناك شيء ما في داخلك يقول لك: «لا يجب أن تستمتع بهذا كثيرًا»، وهنا في ذلك الاختلال العاطفي يتألق الفيلم. تظهر الفكاهة، والرعب، والانحراف شبه المجنون في أكثر اللحظات غير المتوقعة. 

«أسلحة» زاك كريغر... الفيلم الأكثر جنونًا
Weapons (2025)

زاك كريغر، لا يجيد فقط شدّ الحبل بل أيضًا إطلاقه في اللحظة المناسبة تمامًا، ليقع المشاهد بين القشعريرة التي تأتي من الرعب الظاهر أو الضحك، وليس من الواضح دائمًا أيهما يأتي أولًا. هذه اللمسات الساخرة، بدلًا من أن تُخفف من حدّة التوتر، تُكثّفه، كما لو كان الفيلم يدعونا للضحك على الهاوية بينما يدفعنا نحوها.

كلّ لقطة تشعّ بالتهديد، كلّ زاوية تبدو وكأنها تُخفي شيئاً ما. والشعور، بأن شخصًا ما (أو شيئًا) ما يُراقب، يُصبح قمعيًا. كلّ مشهد يوحي بأن شيئًا فظيعًا على وشك الحدوث، وأحيانًا يحدث، وأحيانًا أخرى لا يحدث، وعندما يحدث، يكون مختلفًا عن توقعاتك. 

شخصيات كريغر آسرة، مُركّبة، ومليئة بالعيوب. تتفاعل مع المواقف الكابوسية كبشر حقيقيين، وتتّخذ قرارات منطقية بناءً على شخصياتها، حتى لو لم تكن منطقية في الواقع. إن معقولية هؤلاء الأشخاص وعالمهم تجعل لاعقلانية الفكرة أكثر إثارةً للصدمة. لساعة أو نحو ذلك، يبدو أن فيلم «أسلحة» قد يكون الفيلم الأكثر رعبًا لهذا العام.

«أسلحة» زاك كريغر... الفيلم الأكثر جنونًا
Weapons (2025)

لكن زاك كريغر يتعثر حين يقرر أن يشرح نفسه. ليس لأنه يفتقر إلى الإجابات (فأفلامه تُفكك بنيتها السردية بدقة شبه رياضية) بل لأن الإجابة، حين تُقدَّم كيقين، تُفقد الرعب جوهره. 

الرعب لا يعيش في التفسير، بل في الاحتمال. ما يُقلق كريغر، أو بالأحرى ما يظًن أنه يُقلق جمهوره، ليس مجهولًا بالمعنى الوجودي، بل مجهولًا مُصنّعًا، مُعلّبًا، يُقدَّم كمنتج سينمائي قابل للهضم.

 الأسلحة التي يُسلّح بها فيلمه ليست سوى طُعوم سردية، تتآكل تدريجًا لصالح فكرة واحدة: الخوف الحقيقي ليس في الوحش، بل في الإنسان الذي يخاف الوحش. لكن حين يُصرّ كريغر على أن يُفصح عن نواياه بعد أكثر من ساعة من التلميح، يُصبح ما يُفصح عنه أقل رعبًا مما وعد به. بل يُصبح مُصطنعًا، كأنّ الفيلم يُعاقب جمهوره على تأمله، بدل أن يُكافئه عليه.

اقرأ أيضا: داستن هوفمان… الذي أنصتَ للحياة

شارك هذا المنشور