لا يزال أحمد زكي (1946- 2005)، بعد مرور عقدين على رحيله، يحتفظ بمكانة استثنائية في الذاكرة الجمعية العربية، حد أن أي ممثّل عربي آخر لم يتمكن من هز عرشه فى المعبد السينيفيلي. صاحب الملامح السمراء الجذابة، لا تزال صورته تحمل ذلك التناقض الغريب بين القرب والبُعد. كان زكي مثالاً للفنّان الملتزم فنّه، المكرس قلبًا وقالبًا في خدمته. ذلك الفنّان الذي يجمع بين الطموح وقلق وجودي بالفطرة رافقه طوال حياته الشخصية والمهنية، وكان يحاول أن يداوي من خلاله علاقته المأزومة بالعالم. أحمد زكي لم تقد خطاه إلا غريزة الحياة والخلق الفنّي. هذا النقيّ كان يكرر دائمًا أن ما يخرج من القلب لا بد أن يصل إلى القلب، وهي فكرة أشبه ببيان تأسيسي لفنّه.
نشأ زكي في بيئة «صعبة» في الزقازيق شمال مصر، حيث افتقد الأب وعانى من عزلة قاسية حرمته دفء الأمومة. هذه المعاناة شكّلت شخصيته، لا بل تحوّلت مع الزمن دافعًا للسعي المستمر إلى الكمال. لكن الحياة لم تمهله طويلًا، إذ غيّبه سرطان الرئة وهو على مشارف الستين، بعد أن قدّم ما يقارب 60 فيلمًا خلّدته في تاريخ السينما المصرية.
حمل شيئًا مختلفًا منذ بداياته. بدا مهووسًا بالتفاصيل والاتقان، إلى حدّ الذوبان الكامل في أدواره. لم يتعامل مع التمثيل كمهنة، بل باعتباره شغفًا متقدًا يمارسه بإخلاص وتفانٍ. كلّ شخصية جسّدها بدت خلاصة بحث دقيق ودراسة عميقة للسلوك البشري، في سعي متواصل إلى مزج الواقع بالمتخيل، في أسلوب يتماشى مع أهم مدارس التمثيل، وخاصةً منهج ستانيسلافسكي والـ«أكتورز استوديو». بهذه الروح عاش واشتغل وتطوّر، قبل أن يرحل وهو في ذروة مجده، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا كبيرًا تحول إلى مدرسة.

مدّ الشخصيات التي جسّدها ببُعد نفسي معقّد، متجنّبًا الأداء السطحي المتحذلق. أدرك منذ سن مبكرة أن التمثيل لا يعني التقليد، بل عملية تفكيك وتركيب، حيث يعود بالشخصية إلى جذورها الثقافية وأبعادها النفسية وخلفياتها الاجتماعية، محاولًا فهم العوامل التي صقلتها وأوصلتها إلى ما هي عليه. ما ميّزه أيضًا هو اختياره الذكي للأدوار التي أضاءت على موهبته وأبرزتها، وذلك من دون أن يسقط في التكرار والنمطية.
تنوّعت أدواره بين شخصيات من مختلف طبقات المجتمع المصري، من المحامي إلى الميكانيكي، ومن الحلاق إلى رئيس الدولة. وبلغ ذروة التحدي عندما جسّد شخصيتَي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، مقدّمًا إياهما بصدق نابع من بحث دقيق ومعرفة عميقة بتفاصيل كلّ منهما. وأحسن التعاون مع نخبة من المخرجين الذين استطاعوا استخراج أقصى طاقاته: يوسف شاهين، صلاح أبو سيف، رأفت الميهي، شريف عرفة، محمد خان، عاطف الطيب، داود عبد السيد وعلي بدرخان.
لم يلهث خلف الشهرة العابرة أو الأضواء الزائفة. عاش في عزلة اختارها عن وعي واقتناع، متماهياً مع التمثيل كملاذ نهائي. كان الإنسان العادي البسيط مرجعه الأول والحياة اليومية مدرسته الأهم. رأى نفسه انعكاسًا للمواطن المصري والعربي، يحمل همومه وانتصاراته وانكساراته. أحب الحياة والتمثيل حتى الرمق الأخير. وبينما كان يصارع المرض، أصرّ على إكمال دوره في «حليم» (عن سيرة المغني عبد الحليم حافظ)، مودّعًا الشاشة بالطريقة التراجيدية التي تليق بالكبار.
اعتبر زكي أن ثمة أدوارًا تفرض على الممثّل أن يكتشفها ويدرسها ويتأملها ويعيشها، ذلك أن الحياة مليئة بالأحلام والخيبات والطموحات والانكسارات، وكلّ فرد يتعامل مع هذه التحديات بحلول خاصة به. في نظره أن في داخل الفنّان قدرة غير واعية على التقاط هذه التفاصيل. في مقابلة أجراها معه الناقد السينمائي اللبناني جورج كعدي نُشرت في «النهار» عام 2001، أي قبل أربع سنوات من رحيله، صرّح أن «الممثّل هو أول مَن يواجه ذاته، يراقب كذبه قبل صدقه، ضعفه قبل قوته، إحباطا ته وسعادته، ويتأمّل الإنسان الذي يسكنه».
نادرًا ما نطالع في الصحافة الثقافية العربية مقابلات جدية تنم عن فهم عميق لفنّ التشخيص ومدارسه، كتلك التي أجراها كعدي مع زكي. معظم الإطلالات الإعلامية لمن تعتبرهم الصحف مجرد «نجوم»، محورها حياتهم الشخصية أو تطرق لبعض ذكرياتهم. وفي هذا الصدد، أبدع كعدي، الناقد والأستاذ الجامعي وصاحب التجارب التمثيلية في المسرح والسينما، في جعل زكي يسلّم بعضًا من أسراره رغم صعوبة الأمر، ذلك أن إتقان الشيء لا يعني بالضرورة القدرة على الحديث عنه، خصوصًا إذا كان الممثّل غريزيًا، أي أنه لا يعقلن ما يفعله، بل تأتيه الأشياء تلقائيًا اعتمادًا على صوته الداخلي.
يوم التقى كعدي زكي، عبّر له عن إعجابه الموضوعي لا العاطفي بفنّه، قبل أن يسأله ما إذا كان ممثّلًا «منهجية»، أي أنه من أتباع ستانيسلافسكي والـ«أكتورز استوديو»، أم إنه ممثّل «غريزة» على طريقة المدافعين عنها أمثال لورنس أوليفييه وبيتر أوتول، والذين على عداء مع «المنهجية» ورافضين لها؟ فجاء ردّ الممثّل الكبير كاشفًا بعض الجوانب الغامضة فيه: «تقرأ كتب ستانيسلافسكي الثلاثة لتخرج بعبارة واحدة تلخّص كلّ شيء: ما يطلع من القلب يصل إلى القلب. وهذا الطالع من القلب يحتاج إلى الصدق والإحساس الشديدين. عندما يتحدّث المرء في موضوع ما، أو يعبّر عن شخصية معينة، في الفنّ أو خارجه، فإن الأمر يتعلّق بمدى صدقه. قد يبلغك ذاك الكلام، لكنه لن يدخل قلبك. المهم هو الوجدان. أحبّ أن أحسّ بالأمور، أن أكون صادقًا فيها. من هنا، أنتمي إلى المدرسة التي تراها. أحبّ مدرسة الإغراق في تجسيد الشيء، اتقانه. طالما اخترتُ مهنة معينة فعليّ اتقانها. صنّفني كما تريد».

عن الكيفية التي كان يستعد بها للتمثيل، وهل يفعل مثل روبرت دنيرو الذي يراقب الناس والأشياء، كشف زكي لكعدي أن أول إنسان يصطدم به الممثّل هو نفسه. «الممثّل كائن متحرك، تجيش في صدره أمور وتنتابه أمور. يتفرّج على نفسه في المقام الأول. لا يرى الإنسان إلا جانبًا واحدًا في شخصيته. لو نظر إلى مشاعره المتناقضة فقد يمنعه ذلك عن الكذب. لا ينظر البشر سوى إلى الجانب الإيجابي في شخصياتهم. أما الضعف والكذب والرغبات فإنه لا يسائل نفسه حولها ولا يحاورها كي يشرع في التعامل مع ضعفه أو كذبه. لو انطلق في التعامل الصادق مع نفسه لأبصر أمورًا في الآخرين من الأبسط إلى الأعمق، ولألفى نفسه يلتقط أصغر التفاصيل».
سأله كعدي إذا كان، على غرار فرنسوا تروفو، يعتبر السينما بديلًا من الحياة، ففتح له قلبه معتبرًا أنه لا يحيا إلا على الشاشة: «أنزل إلى الشارع لأتفرّج على نفسي وعلى الآخرين. في البداية، أنا مواطن مصري عربي ينعكس عليّ ما ينعكس على مواطن الشارع العادي من سلبيات وإيجابيات وانكسارات. ثم إني أملك كفنّان فرصة أن أرصد الواقع قبل أن أحياه على الشاشة. الفنّان الذي وهبه الله موهبة، يرصد الحياة والناس ليس من أجل الرصد فقط، بل من أجل التأمّل. كالممسك بالريشة ليرسم لوحة، أو الممسك بالعود ليضع لحناً. التأمّل صفة خاصة بالإنسان. أحيا على الشاشة نفسيًا وإنسانيًا. أحب مهنتي كثيرًا وأحب تجسيد الشخصيات (…). لكني اكتشفتُ أن ثمة مزجًا بين الإنسان والفنّان، بين الاستوديو الذي أعيش فيه ويأخذ منّي معظم أوقاتي، والواقع. ألفيت نفسي أحيا على الشاشة. هنا الناس معروفون لي. انه الواقع الذي اخترته، الشخصية التي اخترتها. أي ثمة اتفاق بين العاملين في الفيلم. أعرف الواقع هنا وأعرف الناس والشخصية. إنما في الخارج، أي في الواقع، فلا أعرف الأشخاص، إذ لا اتفاق بيني وبينهم. لا أعرف ما قد يقوله لي إنسان معين. قد يكذب عليّ، والمطلوب مني أن أصدّقه، ويتبين لي أنه كاذب. بينما على الشاشة لا أحد يكذب عليّ إذ أملك اتفاقاً مع من أواجهه. كما أملك اتفاقًا مع المشاهد الذي ينتظر مشاهدة الفيلم. أما الحياة الواقعية فهي شرسة جدًا. حين أنتهي من أداء شخصية أشعر بفقدانها. عندما تحبّ شيئًا، مهنة، ينبغي أن تتقبّل أوجاعها».

ترى ما السبب الذي جعل من أحمد زكي الممثّل المفضّل لدى سينمائيي «الموجة الجديدة» في مصر، من أمثال محمد خان، داود عبد السيد، علي بدرخان، شريف عرفة، خيري بشارة، رأفت الميهي وعاطف الطيب؟ لِمَ كان هو خيارهم الأول دائمًا؟ سؤال يطرحه كعدي عليه، فيجيب: «ربما لحاجتهم إلى ممثّل يعبّر على طريقتي. ولأن السينما تحوّلت من مرحلة الدهشة والحلم ومفهوم الأبيض والأسود، الخير والشر، إلى مرحلة سندريللا والحبيب، إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنسان. ذكرتَ أنت ممثّلين أمثال روبرت دنيرو وداستن هوفمان وآل باتشينو وجاك نيكولسون… إنهم ينتمون أيضًا إلى مرحلة الإنسان. كانت الدهشة أن تتفرّج على حلم جميل. اليوم، الدهشة أن تتفرج على نفسك. لذا البحث عن الممثّل الإنسان. ملامحي قريبة من رجل الشارع» (…). كلّ تلك الأسماء التي ذكرتها شكّلت صورة أحمد زكي. حققتُ أربعة أفلام، حداً أدنى، مع كلّ من هؤلاء، وستّة أو سبعة أفلام، حدّاً أقصى. انهم يمثّلون جزءًا كبيرًا جدًا من مسيرتي الفنية (…). هؤلاء الذين رصدوا حركة المواطن المصري والعربي بكلّ قضاياه ومشاكله، ووهبوني جميعًا شيئًا إضافيًا».
وراح كعدي يسأله عن مزايا كلّ واحد من السينمائيين الذين عمل وإياهم. محمد خان مثلًا الذي أعطاه بعضًا من أهم أدواره في كلّ من «زوجة رجل مهم» و«موعد على العشاء» و«أحلام هند وكاميليا»، فهو في نظر زكي «صاحب لغة سينمائية متفردة، لديه تقنية عالية ترافقها رؤية بصرية رائعة للكادر. «لكنه»، يضيف، «كان يملك أمرًا ثانيًا لا أدري إن كان ميزة أو عيبًا: لو أتى لك بسيناريو وهو متحمّس وسعيد بإنجازه، فعليك أن تجاري رغبته في إنجازه فورًا. يسعك أن تناقش مشهدًا هنا أو هناك. إنما لا تأته بسيناريو جاهز. فرحته كبيرة جدًا حين يكتب السيناريو بنفسه. يمتعه الجري وراء الفكرة».

في الحديث عن خيري بشارة يكشف زكي أنه عاشق كبير للممثّل. «يستفز فيك الإجادة. ولو كان لديك رأي تقوله فقله. مثل صلاح أبو سيف وعلي بدرخان. أنهم من النوع الذي يفرح لاقتراحات الممثّلين. ذاك لشعورهم بأن الممثّل ليس مجرّد منفّذ. بل يودّون معرفة ما تشعر به. كما يرغبون في أن يأتي الممثّل بشيء جديد».
عن داود عبد السيد الذي أنجز في إدارته «أرض الخوف»، أحد أجمل أفلامه، يقول زكي أنه «راهب في محراب الاستوديو، متأمّل وهادئ، يمنح الممثّل الفرصة ليقول رأيه ويصنع في الوقت نفسه ما يريده. يأخذ منه ما يحتاج إليه بلباقة». ويحمله الحديث عن شريف عرفة إلى تناول مسألة تدخّل الممثّل في تعديل الدور أو النصّ: «عرفة يتعامل مع الممثّل من خلال موهبته الرفيعة. يدع للممثّل رأيه. وثمة في أي حال تدخّل حميد وتدخّل غير حميد. ثمة تدخّل للإبداع وتدخّل مقيت قد يدمّر الفيلم. إذا كنت أبغي كممثّل أن أفهم، فهل يعني ذلك أني أبغي أن أتدخّل؟ الإضافة التي تجعلني استوعب هي تدخّل. أنا والمخرج والكاتب في مركب واحد. إنما هناك تدخّل غير حميد، كالممثّل الذي يروم إطالة دوره على حساب القصّة، ويريد الظهور على شكل لا أدري ماذا، ويعمل لمصلحته الشخصية. إنها تدخلات مقيتة. وممثّل كهذا لا يعرف مهنته جيدًا. أما الممثّل الذي يسأل ويفكّر ويقول فلا بد من أن يُسمع تدخّله. أنا ممثّل ذو أحاسيس، ولا بد من الإضافة ولا بد من الحذف، ولا بد كذلك من أن يمارس المخرج رقابة على الممثّل في إضافاته. المهم معرفة كيف تُدار تلك العملية بين المخرج والممثّل. لو أصابت مشكلة الـ«أنا» المخرج أو الممثّل لتضرّر الفيلم».

وإذ يصف زكي علي بدرخان كـ«واحد من أجمل وأرقّ وأعذب الناس الذين تعامل معهم، وذلك رغم الاختلافات التي لم تفسد للود قضية»، فمن الواضح أن لعاطف الطيب مكانًا خاصًا في قلبه وعقله، إذ يصفه بـ«توأمه». معًا، أنجزا «الحبّ فوق هضبة» و«البريء» و«الهروب» و«ضد الحكومة». يقول: «ظروفه النفسية والاجتماعية، والتواصل الإنساني في ما بيننا. كان توأمي في الحياة. حين كنت أختلف معه في فيلم يروح يشتمني حبًّا “إزاي ترفض العمل ده؟». كان يحدّثني عن العمل الثاني قبل إنهاء الأول، ويحجز عليّ».
لكن، لماذا لم تتجدّد تجربة العمل مع يوسف شاهين بعد «اسكندرية ليه»، فيوضّح زكي أن «الممثّل ينتظر في بيته ويقرعون بابه». ثم يضيف: «قد أقرع بابه (المخرج) حين يكون لديّ فيلم أودّ إنجازه. إنما لن أقرع بابه لأسأله: هل لديك دور لي؟ هذا غير معقول على الاطلاق. هو (شاهين) يعلم أني أودّ العمل معه. وهو يودّ العمل معي. لكنها مسألة اختيار. يختار موضوعًا معينًا يحتاج إلى ممثّلين بمواصفات معينة. إنني واثق من أنه لو صادف وجود دور لي فسيأتي إليّ يوسف شاهين سريعًا وسآتي إليه سريعًا».

عن «كابوريا» لخيري بشارة و«استاكوزا» لإيناس الدغيدي و«مستر كاراتيه» لمحمد خان، أي تلك النوعية من الأفلام التي يعتبرها كعدي دون المستوى، مستوضحًا منه عن دوافعه للقبول بها، يقول زكي: «أحيانًا ينجز الممثّل أدوارًا تتناول قضايا كبرى، مكتوبة جيدًا، فتثير شهية الفنّان لأنه يحتاج إلى فيلم متكامل وشخصية متكاملة تفتح شهيته على الأداء. وأحيانًا أخرى تردني سيناريوهات لا تتناول قضايا كبرى، فأشعر بأنني أحتاج إلى الراحة والفرح قليلًا. لو جاءني عمل كبير يتناول مشكلة كبرى معينة لأسرعتُ إلى تنفيذه. لكن لو لم يأتِ مثل هذا العمل فإني أنجز فيلماً سهلًا، بسيطًا جدًا، لأن الناس يحتاجون بين الحين والآخر إلى رؤيتك تمرح قليلًا. «كابوريا» الذي ذكرته لعلّه من أجمل الأفلام المصرية التي لو رأيتها مجددًا لنظرتَ إليه بطريقة مختلفة. شخصية كابوريا كانت انعكاسًا للامبالاة التي سادت في المجتمع لفترة معينة، مع الشعور بعدم الانتماء ورغبة الناس في جني المال من غير العمل، فانقسم حتى المثقّف على نفسه. الشباب الهامشيون في «كابوريا»، جميعهم يمتلكون مهنة، فهذا نجّار، وذاك ميكانيكي، وذلك نافخ زجاج… تركوا مهنهم بحثًا عن المال السريع، وراحوا يتمثّلون بالشخصيات التي يرونها على التلفزيون، أو المغنين، فيحلقون شعرهم ويضعون الحلق ويتسكّعون في الشوارع. ويصطحبهم ذوو الحياة الصاخبة ويلهون معهم فيفرحون بذلك. ثمّة رسالة جميلة في هذا الفيلم. الكابوريا التي تنجذب من الماء إلى النور فيتم اصطيادها، هي اولئك الشبّان الذين رأوا نورًا قويًا، فانجذبوا إلى المصيدة مثل الكابوريا، لكنهم شعروا بأنهم يضيعون حياتهم وبأنهم بلا ملامح… أما «استاكوزا»، فهو عن الكرّ والفرّ بين الرجل والمرأة. تسلية. الفنّ رسالة ومتعة. بين الحين والآخر أرغب في الاستراحة قليلاً ودعوة الناس إلى النكتة الحلوة».

أخيرًا، سأله كعدي عن الصورة الإنسانية التي خلقها للزعيمين عندما لعب في كلٍّ من «أيام السادات» و«ناصر 56»، فكان ردّه أنه مذ انخرط في شخصية رجل الشارع كان يردد أن ما يشغله هو الإنسان. «أدّيت مثلاً أدوار ثلاثة ضبّاط، في «زوجة رجل مهم» ضابط شرطة، وفي «الباشا» ضابط مباحث، وفي «أرض الخوف» كذلك. الثلاثة ضبّاط في الشرطة، إنما كلٌّ يتعامل مع مهنته على نحو مختلف. قد أمضي حياتي كلها في أداء شخصية رجل أمن، لكن من هو الإنسان خلف تلك الشخصية؟ الضابط الأول كان يعاني عصابًا هستيريًا وربي طفلًا على أن بدلة الضابط قوة. وضعوا في ذهنه أن تلك البدلة هي الخلاص. وحين يرتدي البدلة تحكمه. يتكلّم بلسانها. أما الضابط في «الباشا» فوالده لواء، لذا ليست قضية كبرى بالنسبة إليه أن يكون ضابطًا. هو إنسان يحمل شارة الضابط. انسان متوازن. هذا ضابط، وهذا ضابط، مع كل الاختلاف بينهما. المهنة شيء، والإنسان خلفها شيء آخر. لذا بحثي عن الإنسان».
اقرأ أيضا: «زوجة رجل مهم».. الحب والسلطة في زمن ممزق