فاصلة

مراجعات

«أحلام (جنس حبّ)»… هذا كتالوج لـ «إيكيا»!

Reading Time: 3 minutes

في الأيام الأخيرة من مهرجان برلين الخامس والسبعين، قدّم المخرج النرويجي داغ يوهان هايغيرود فيلمه الجديد «أحلام (جنس حبّ)»، في المسابقة الرسمية. وفي نهاية المهرجان، حصد الفيلم جائزة الدب الذهبي. جائزة كانت مفاجأة، فضفاضة بعض الشيء على الفيلم، لا بد من أن رئيس لجنة التحكيم، المخرج الأميركي تود هاينز، وجد الفيلم مألوفًا بعض الشيء، نسخة من أفلامه، فقرر إهداء الجائزة لنفسه!

يختتم النروجي في «أحلام (جنس حبّ)»، الثلاثية التي تشكلت من الجنس والحب والآن الأحلام. في الأولى «جنس» (مسابقة بانوراما، برليناله 2024)، تساءل المخرج عن المشاعر الذكورية، حيث اعترف رجلان بأحلامها ورغباتهما المثلية الجنسية. وفجأة، تم تقديم عالم كامل عن الأبوية بكل فظاظتها. في الثاني، أفضل أفلام الثلاثية، «حبّ» (المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية 2024)، تم تحليل الأشكال المتعددة لذلك الشيء المسمى حبّ، الذي يشمل أيضًا العاطفة، والحياة المشتركة، والملل المشترك، والسعادة من وقت إلى آخر. الآن، في الثالث، يتم تشريح الدافع الأول لكل ما سبق بمشرط غير حاد. يصوّر داغ يوهان هايغيرود قصة اكتشاف الرغبة الأولى والحب الأول، رغبة يوهان (إيلا أوفيرباي)، البالغة 17 عامًا، التي تبدأ باكتشاف معنى الوقوع في حبّ معلمتها يوهانا (سيلوم امنيتو). تبدأ يوهان بكتابة كلّ شيء، تاركة سجلًا مكتوبًا يُروى بصوت عالٍ عما يحدث لها، في محاولة للحفاظ على مشاعرها، وتوثيق عواطفها وتجربتها.

Dreams (Sex Love) (2025)
Dreams (Sex Love) (2025)

سنسمع كلّ شيء عن أفكار يوهان، سنقلب كل صفحة معها ونسمع كل ما تقرأه لنا. لإضفاء بعض المساحة لهذه القصة الكثيفة (وأحياناً التافهة، لأن الحبّ الأول يكون غالبًا تافهًا)، وإخراجها من عالم يوهان الداخلي المهتز إلى العالم الخارجي، يقدم هايغيرود تعليقًا ميتافيزيقيًا من خلال شخصية والدة يوهان، كريستين (آني دال تورب)، وجدتها كارن (آنّ ماريت جاكوبسون)، اللتين قرأتا النص. تتفاجآن في البداية بمحتواه الحميمي، لكن سرعان ما تأسرهما صفاته الأدبية، وتفتح هذه القراءة بدورها تأملًا عميقًا في الماضي الرومانسي وما بعده للمرأتين. الأجيال الثلاثة وأحلامهن، تتشابك وتختلط بفضل قوة الكلمة المكتوبة بقلم الجيل الصغر. تجلب الأم والجدة منظورًا منعشًا لهذا الفيلم المنطوق للغاية، والمهتم جدًا بذاته، لكن الأسئلة تظل قائمة حول ما حدث حقًا بين يوهان ومعلمتها: أين تنتهي الحقيقة ويبدأ الخيال؟ وهل تجد هذه الكتابات الشخصية طريقها إلى النشر؟

Dreams (Sex Love)
Dreams (Sex Love) (2025)

قبل أن يكرّس نفسه للسينما، كان داغ يوهان هايغيرود كاتبًا. وهذه حقيقة بارزة في التعامل مع أفلامه وفيلمه الأخير الذي هو «سينما أدبية»، بالمعاني المتعددة التي يمكن أن تمتلكها هذه الصيغة. «أحلام (جنس حبّ)»، فيلم «أدبي»، بالمعنى السلبي والإيجابي لهذا المصطلح. يحتفل بحبّ بطلته اللامحدود للأدب الرومانسي، وهو الشغف الذي كُرّست به المشاهد الأولى من الفيلم، مما أدخلنا جسديًا تقريبًا في القراءة. كما أنه فيلم يثق بالحوار بين شخوصه، الذي هو المركزية المطلقة لديناميكيتهم. كما أن المخرج يستخدم «التعليق الصوتي» كأداة سرد من خلال تحديد البطلة الشابة الفجوة بين ما نراه على الشاشة ومعنى أفكارها، وفي بعض الأحيان لتأكيدها وفي أحيان أخرى لتناقضها.

قصة الفيلم كان يمكن أن تستقر على أكثر الكليشيهات شيوعًا في الصوابية السياسية السائدة اليوم، مع ما يترتب عليها من نتائج من ثقافة الاستيقاظ (Woke)، التي تتمتع بقوة مفرطة خاصة في العالم الأنجلو ساكسوني، وبشكل عام في ما يسمى الغرب. لكن الفيلم النرويجي يطوّر نفسه وسرده من العديد من الشكوك والتناقضات والأسئلة، التي تجعل القصة التي يتناولها، على وجه التحديد، خالية من الدوغمائية النموذجية. كما أن الفيلم يصرّ على النقاء المبهر لبطلته المراهقة، القادرة كما المراهقين فقط على إدراك المشاعر النقية والصادمة. كما يستكشف المرأة في ديناميكيتاها الجدلية بين الأجيال بعض النظر عن الأعمار. لا يمكن إغفال المناوشات الجدلية بين الأجيال الثلاثة من النساء اللواتي يمثلهنّ، حيث كل واحدة تحمل حساسية أخلاقية واجتماعية وسياسية مختلفة.

Dreams (Sex Love) (2025)
Dreams (Sex Love) (2025)

«أحلام (جنس حبّ)»، لا علاقة له ربما بدافع الخوف أو الحكمة، وبجرأة الجزأين الأولين. يفقد السرد نبضه مع تقدم الفيلم، ويصبح الصوت المسموع متكلّفًا، والأسوأ من ذلك كله، أن الفيلم نفسه يضيع في مناقشات دقيقة وذكية ولكنها في النهاية عقيمة، إنّ لم تكن تافهة. كما أن الفيلم إشكالي في حرفيته. إنه فيلم عن الرغبة، لكنه لا يجرؤ في أي نقطة على التحقيق بدقة في تلك الحدود بين ما هو مرغوب فيه وما حدث، وبين ما يختبره المرء وما يلاحظه الآخرون، وبين ما يُعرض في الخيال وما يتجسد بين الأجساد. كلّ هذا من دون مراعاة أن الفيلم بإخراجه وتصميم الإنتاج (Production Design)، بوسائده ووشاحاته وبطانياته وأضوائه المريحة الدافئة، أشبه بكتالوج إيكيا.

اقرأ أيضا: ملف شامل لكل تفاصيل مهرجان برلين السينمائي 75

شارك هذا المنشور