للمدن أحلامٌ كما للبشر. وإن كانت الأحلام هي ما يشكّل هوياتنا كما يرى الفيلسوف والشاعر الأمريكي هنري ديفيد ثورو، فما هي تلك الأحلام التي صاغت هوية دمشق، المدينة التي تعيش منذ قرون؟
دمشق مدينة عاشت وتعيش دائمًا بين الحلم وأضغاثه. لذا يصبح سؤالٌ مثل هل منحت هذه المدينة لأهلها أحلامًا تعطي معنى مختلفًا لحياتهم، أم كوابيس تترك في الروح ندوبًا؟ سؤالًا مشروعًا، بل ويعطي مساحات لاكتشاف مطارح يمكن الغوص فيها.
ويأتي فيلم محمد ملص «أحلام المدينة»، وهو من الأفلام الأيقونية في تاريخ السينما السورية، ضمن هذا السياق ليكشف شيئًا من روح زمنٍ كانت فيه الأحلام مجروحة ولا تزل، والواقع أكثر قسوة.
لا يتحرك الفيلم بمنطق تأريخي محض، بل انطلاقًا من ذاكرة سينمائي مسكونة بصور تشكل بتركيبها صورة مختلفة عن المدينة التي نعرف. نحن في دمشق في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، في لحظة من الاضطرابات السياسية، نعاين الأيام الأخيرة من حكم أديب الشيشكلي الذي أسس البذور الأولى للديكتاتورية السياسية العسكرية في دمشق قبل أن يتنحى عن الحكم لصالح شكري القوتلي.
يتبع الفيلم رحلة ديب، وهو صبي على أعتاب المراهقة، يضطر للانتقال إلى دمشق مع عائلته بعد موت والده المفاجئ، وما يتبع ذلك هو رحلة؛ ليست فقط من مدينة ذات طابع ريفي إلى دمشق التي تمثل مع بغداد والقاهرة حواضر الحضارة العربية، بل هي أيضًا رحلة من البراءة إلى نوع من الوعي السياسي والمجتمعي. ينفصل ديب عن عالم طفولته ويواجه مدينة مغرية وغير مبالية في آن واحد.
لا يكتفي الفيلم بتوثيق حركته في شوارع المدينة فحسب؛ بل يصور تيهها الداخلي من خلال حركته، فهو يراقب ويستمع ويستوعب، ويحمل صمته ثقل الحزن والفضول على حد سواء. نرى الاضطرابات السياسية في سوريا في ذلك الوقت لا كقوة مجردة، بل كحاضر يتغلغل في الحياة اليومية، ويؤثر على أحلام الناس وتطلعاتهم وشعورهم بالانتماء أحيانًا.
الفيلم في جوهره تأمُّل في الذاكرة. فمدينة الأحلام التي يدخلها ديب الطفل ليست هي نفسها المدينة التي يراها الآخرون، المدينة الحقيقية التي يذكرنا بها الفيلم. يصرخ الأخ الأصغر حين وصول الحافلة التي تقله لدمشق: «يا الله ما أحلى الشام. هي الشام يا أمي. يا الله ما أحلى الشام»، لكن الأم في مشهد لاحق ستقول «هي الشام كبيرة وبتخوف».

الخوف إذًا هو السمة الأوضح لهذه المدينة. والخوف ناجم عن العنف الذي لا يترك ملص لحظة في الفيلم دون أن يظهره، وذلك من خلال معظم أشكال العلاقات التي يعرضها والتي لا يمكن النظر إليها خارج إطار العنف الذي تمارسه السلطة السياسية. السلطة السياسية هي المحفز لكل أشكال العنف المجتمعي، فهي الحامية له وإن كان بشكل غير مباشر.
يبرز العنف السياسي والسلطوي كحالة متأصلة في الحياة اليومية لمدينة دمشق منذ المشاهد الأولى للفيلم. نرى رجال الشرطة وهم يجوبون الشوارع، ينهرون أصحاب المحلات لعدم رفعهم أعلام البلاد على واجهاتهم، ويهددونهم بالعقوبة. هذه المشاهد رغم بساطتها، تشير بوضوح إلى مناخ سياسي استبدادي وعنيف. الأغرب هو استجابة الناس لهذا النوع من القمع كأنه أمرٌ بديهي وطبيعي، بل يصل الأمر بديب، الطفل الصغير، إلى أن يقرر فجأة تسمية نفسه «أديب» تيمنًا باسم الزعيم، في دلالةٍ واضحة على عمق تغلغل السلطة في الوعي الجماعي.
في مشهد آخر، يتحدث المذياع عن أجواء من الحذر والوجوم تعم المدينة نتيجة الاعتقالات التي نفذتها السلطة ضد معارضيها في الأيام الأخيرة قبل تنحي الشيشكلي، مما يؤكد على انتشار مناخ من الخوف والقلق في نسيج الحياة اليومية.

يُجسد اللحام (الجزَّار) في الفيلم حالة فريدة من التماهي مع السلطة، حيث يردد ساخرًا: «أديب بك لا تهتم، بنعبي لك بردى دم». هذا الساطور الذي يحمله ليس مجرد أداة مهنة لتقطيع اللحم وكسر العظام، بل رمز واضح لآلية القمع السلطوية التي تجد طريقها إلى الشرائح الاجتماعية الدنيا، وإلى وعي الطفولة أيضًا. اللافت أن الشعار ذاته يتكرر على لسان اللحام في مراحل لاحقة، مع تبدّل أسماء الزعماء فقط، في إشارة ذكية من الفيلم إلى ثبات بنية القمع رغم تغير الوجوه والأسماء.
يمتد عنف السلطة السياسية ويتسرب إلى نسيج المجتمع بأسره، فيتحول الأفراد العاديون إلى أدوات لهذا العنف. في أحد مشاهد الفيلم، يتجاوز صاحب المقهى الودود حدود اللطف ويعتدي بالضرب على أستاذ مدرسة يحمل أفكارًا يسارية وينتمي لأحزاب معارضة مرفوضة من السلطة، وبالتالي مرفوضة شعبيًا بالتبعية. يصرخ صاحب المقهى في وجه المدرس قائلًا: «بدك تساوي أحزاب، روح ساوي أحزاب بالبلاد اللي تعلمت فيها». لاحقًا يخبر صاحب المقهى نفسه ديب، بلهجة ودودة لكن صادمة: «بتعرف ليش الناس بتضرب بعضها؟ ضرورة يا ديب». هذه العبارة تذكرنا بفكرة حنة أرندت حول «تفاهة الشر»، وكيف أن الشر والعنف يمكن أن يُمارسا بمنتهى الاعتياد من قبل أشخاص عاديين، قادرين على العودة لحياتهم الطبيعية بعد ممارسة هذا العنف وكأنه «ضرورة» لا جدال فيها.
في ملمح آخر، يتأخر ديب عن المدرسة، فيسأل الأستاذ التلاميذ عمّا إذا كان يجب السماح له بالدخول أم معاقبته وإرساله إلى المدير. يقررالطلاب بشكل جماعي معاقبته دون تردد. يمكن قراءة هذا المشهد على أنه تجسيد لكيفية تغلغل ثقافة العنف والعقاب في المنظومة التعليمية والاجتماعية، وكيف تصبح هذه الثقافة جزءًا من عقلية التلاميذ أنفسهم. فالطلاب يطالبون بعقاب ديب فيما يشبه حالة من التواطؤ الجماعي مع السلطة أو الرغبة في إرضائها، مما يعكس قدرة السلطة على تحويل العنف إلى معيار مقبول اجتماعيًا وتربويًا. هنا يظهر بوضوح أن النظام التعليمي لا يكتفي فقط بفرض السلطة من الأعلى، بل يجعل الأفراد أنفسهم أدوات لممارسة هذا العنف أو المطالبة به، مما يرسخ استمرار هذه الثقافة وانتقالها من جيل إلى جيل.

يتجسد العنف الاجتماعي في الفيلم بوضوح من خلال شخصية الأب الذي يمارس تسلطًا وقسوة شديدة تجاه ابنته وأحفاده. الأب في الفيلم هو امتداد لصورة السلطة السياسية المستبدة، يعكس قمعها ويعيد إنتاجه في أسرته. قسوته غير المبررة تجاه ابنته تصل إلى حد مباركته زواجها العرفي فقط للتخلص منها، ثم يتابع حياته بشكل طبيعي، بل ويغني باللغة التركية في مشهد آخر، ما يُشير إلى حالة من «الاغتراب عن الذات» إذ يبدو منفصلًا عن إدراك حجم ما يمارسه من عنف. في مقابل هذه الحالة السلبية، يكون الطفل ديب هو الوحيد الذي يحاول الانتقام من الزوج المخادع، في رمز قوي لرفض البراءة الفطري لهذا التسلط الذي أصبح أمرًا عاديًا لدى الكبار.
في مشهد آخر أيضًا، يتجلى العنف الاجتماعي في أبشع صوره، عندما يطعن أخ شقيقه بسبب خلاف حول الميراث، ثم يلقي أداة الجريمة ويقول ببرود: «جيبوا الشرطة»، بينما الضحية يرد «قتلتني يا خيي». نحن أمام قدرة عالية لعنف السلطة السياسية على التسلل إلى أصغر بنى المجتمع كالعائلة، في دورة من التسلط والعنف تبدأ من الأعلى وتصل إلى عمق العلاقات الأسرية والاجتماعية.
ينتهي الفيلم كما بدأ، باحتفال بالوحدة التي ستجلب مستبد عسكري جديد هو جمال عبد الناصر – سيتبين ذلك بعد فشل تجربة الوحدة على الأقل- ليغلق بذلك دائرة عنيفة بدأت مع دكتاتور وانتهت مع دكتاتور آخر، مؤكدًا على أن المدينة عالقة في دوامة مستمرة من الاستبداد، تتحكم بحياة الناس وتنعكس على علاقاتهم.

تبدو دمشق، هذه المدينة التي أحب، وكأنها تدور في دوامة أبدية لا نهاية لها. مدينةٌ عنيدة تتقلّبُ ملامحها مع كل أزمةٍ تمرّ بها، لا تكاد تستقرّ على حالٍ حتى تنقلب عليه: شرسةٌ وعصيّة، مزاجها صعب وروحها عميقة، ترفض الغرباء إن لم يُتقنوا إيقاعَ حياتها، وتفتح أبوابَ بيوتها وأزقتها لمن أحسن العيش فيها.
وصفها البديري قبل أكثر من قرنين من الزمن بقوله: «الغلا معلّق بالشام، والمعاملة مغشوشة، والفلوس غير منقوشة، والخلق نايمة ومطروشة، والنسا باحت، والرجال ساحت، والحدود طاحت، والأكابر مشغولة، ومروءة الرجال مغلولة». بهذا الوصف، كأنه كان يستشعر ما سيأتي لاحقًا، وكأن دمشق في جوهرها تحمل بذرة عنفٍ دفينٍ، انفجر في «طوشة النصارى» عام 1860، حين اشتعلت المدينة بحربٍ أهلية دامية بدأت بخلافٍ بسيط داخل أزقة المدينة القديمة لتتحول إلى جرحٍ عميقٍ في ذاكرتها وذاكرة أبنائها.

هذه المدينة ذاتها شهدت اغتيالاتٍ سياسيةً مبكرة، قبل غيرها من المدن العربية. فمن اغتيال عبد الرحمن الشهبندر في أربعينيات القرن الماضي، إلى تحوّل بعض المتهمين إلى حكّامٍ وأركان في السلطة، يبدو تاريخ دمشق مسكونًا بالعنف السياسي الذي يُعيد إنتاج نفسه في كل مرة بصورةٍ جديدة.
كأن دمشق مدينةٌ تدور في «دويخةٍ» أبدية؛ وجهُها لا يثبت على حال، إيقاعُها عصيٌ على الفهم، حادةٌ في عاطفتها وتناقضاتها. حتى الأمويون الذين منحوها اسمها رحلوا عنها أو أُخرِجوا منها كالغرباء. لعل دمشق، منذ الأزل، لا تقبل بسلطةٍ تستقرّ، ولا بحاكمٍ يُخلَّد في أرضها.
في كتابه «دمشق الحرائق»، لم يصف المدينة مباشرةً، وصفَ زكريا تامر روحها حين قال: «أقبلت الاستغاثة ليلًا إلى دمشق النائمة طفلةً مقطوعة الرأس واليدين، وترابًا يحترق، وطيورًا تودّع أجنحتها». كأن دمشق اعتادت أن تُغمض عينيها عن استغاثات أبنائها، أو ربما لم تعد تملك القدرة على الاستجابة. مدينةٌ تحترق مرارًا، وتعيد النهوض، في متاهة أبدية من البؤس والفرح، من الضعف والقوة، من الانكسار والتمرد.
هذه «الدويخة»، بكل تناقضاتها وقسوتها وغرابتها، هي التي تجعل دمشق مستحيلةَ الفهم لمن لا يعرفها، وعصيةً على من يحاول إخضاعها أو تغيير وجهها بالقوة. ستلفظ دمشق، عاجلًا أم آجلًا، كل مستبدٍ يعبر فيها، وستعيد تشكيل ذاتها بعد كلّ احتراق. ربما تكون دمشق غريبةً، قاسية، معذِّبة أحيانًا، لكنها المدينة الوحيدة التي أحبها بشغف، وإن كنا ندور معها في الدوامة ذاتها، دون رغبةٍ بالخروج منها.
ضلي بخير يا بلد!
اقرأ أبضا: «المرهقون»… تجميل الواقع بأشرطة الزينة